انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سحر الكلمات

ازهار الانصاري
ازهار الانصاري

قاصة وشاعرة عراقية

5 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
سحر الكلمات
اللوحة للفنان: عمر طلال حسن
مشاركة:

​كانت رنات الهواتف الذكية تضج داخل حافلة المدرسة، معلنةً عن حركة غير عادية في الفضاء الرقمي لطالبات الثانوية، في الزاوية المحاذية للنافذة، كانت "ريم " تجلس شاردة الذهن، تتأمل دفتراً صغيراً كتبت على غلافه بخط يدوي أنيق : "مختارات من الشعر العربي والخطابة".

​ريم ، الفتاة ذات السبعة عشر عاماً، لم تكن مجرد طالبة متميزة، كانت تمتلك حنجرة ذهبية وقدرة استثنائية على إلقاء الشعر والخطابة، تجعل كل من يستمع إليها ينصت بخشوع وكأنه يستمع إلى شواهد التاريخ ،ولهذا السبب اختارتها إدارة المدرسة بالإجماع لتمثيلها في "مسابقة الخطابة والإلقاء الكبرى للقضاء ".

​ في المقابل، وفي قاعة الصف المجاورة، كانت هناك عينان تراقبان نجاح ريم بنوع من المرارة  , عينا "تسنيم" ، تسنيم فتاة ذات قلم بليغ وأسلوب تعبيري قوي جداً في الكتابة، لكن خجلها الشديد وضعف نبرة صوتها في الإلقاء جعلاها دائماً في الظل، مما ولد في أعماقها غيرة صامتة، تحولت مع الأيام إلى جدار من الحقد والشر .

​قبل المسابقة بأسبوعين، اهتزت مجموعات التليغرام المدرسية بظهور قناة وهمية تحمل اسماً مستعاراً "عين الحقيقة المدرسية". لم تكن القناة تنشر أخباراً وإنما بدأت بشن حملة تنمر وإشاعات شرسة وممنهجة تستهدف ريم .

​نشرت القناة مقاطع مختصرة لريم وهي تتدرب في باحة المدرسة، أرفقتها بتعليقات ساخرة مثل : "صوت مصطنع، أداء عفا عليه الزمن ، هل هذا أفضل ما لديها؟"، وتابعت بنشر إشاعات كاذبة تدعي أن ترشيح ريم جاء مجاملة وليس عن استحقاق.

​كانت الكلمات المسمومة خلف الشاشات تنساب كالنار في الهشيم، يتناقلها الطلاب تارة بفضول وتارة بضحكات عابرة.

عندما قرأت ريم تلك المنشورات، شعرت وكأن الأرض تدور بها,  طعنات الكلمات الافتراضية كانت أشد إيلاماً من أي ضربة حقيقية، انكسر شيء ما في أعماقها وتسرب الشك إلى موهبتها، فغلقت دفترها وقررت في ركن غرفتها المظلم : "سأنسحب من المسابقة، لن أتحمل هذه السخرية أمام الجميع" ، هنا بدا وكأن الشر المتمثل في التنمر الإلكتروني قد حقق مراده وأطفأ شعلة الطموح.

​ صديقات ريم الحقيقيات لم يقفن مكتوفات الأيدي أمام هذا الظلم الرقمي، أدركت صديقتها المقربة مريم، أن مواجهة الحساب الوهمي بالشتم أو الشكوى لن يجدي نفعاً، فالشر يُهزم بالخير والوعي، لا بشر مثله.

​أطلقن صديقاتها حملة رقمية مضادة على نفس المجموعات والمنصات تحت شعار "صوتنا واحد". بدلاً من مهاجمة الصفحة المجهولة، ركزن على نشر مقاطع حقيقية لريم وهي تلقي نصوصاً عن الأمل والوطن، وكتبن الطالبات شهاداتهن الصادقة ومشاعرهن عندما استمعن إليها في مناسبات المدرسة.

​امتلأت الشاشات بقلوب وعبارات دعم مثل : (ريم صوتك هو صوت مدرستنا)، (الشجر المثمر وحده من يُرمى بالحجارة). كانت هذه الموجة الإيجابية الدافئة بمثابة طوق النجاة لريم ، تلاشت غيوم الشك من عقلها وأدركت أن سحر الكلمات الطيبة أقوى بكثير من عتمة الإشاعات، فقررت العودة إلى المنصة برأس مرفوع.

​قبل يوم واحد من المسابقة، كانت ريم تبحث عن معلمة اللغة العربية في ممر الإدارة الهادئ ، فجأة سمعت شهقة مكتومة خلف سياج المختبر المهجور، اقتربت بهدوء، لتجد تسنيم تجلس على مقعد خشبي، تبكي بحرقة وهي تحمل هاتفها والدموع تسيل على وجنتيها.

​نظرت ريم بالصدفة إلى شاشة هاتف تسنيم المفتوح، تجمدت الدماء في عروقها ، كان الهاتف يعرض لوحة التحكم الخاصة بقناة التليغرام الوهمية "عين الحقيقة"!

​اكتشفت ريم السر، تسنيم هي الشخص الذي حاول تدميرها ، في تلك اللحظة، دارت في عقل ريم ألف فكرة للانتقام ، فضحها أمام المدرسة، إبلاغ الإدارة أو كتابة منشور يدمر سمعة تسنيم كلياً ,كان خيار الانتقام سهلاً لكن ريم تذكرت كيف كان شعور الانكسار، ولم ترد أن تذيق أحداً نفس المرارة.

​أخذت ريم نَفساً عميقاً، وخطت خطوات نحو تسنيم المرتعشة، وبدلاً من الصراخ جلست بجانبها وهمست بصوت دافئ ونقي:

"كتاباتكِ في القناة رغم قسوتها، إلا أنها كُتبت بأسلوب لغوي بليغ جداً، تمنيتُ لو أن هذا القلم الرائع كان يسندني بدلاً من أن يكسرني يا تسنيم".

​وقعت الكلمات على مسامع تسنيم كالصاعقة , رفعت رأسها مصدومة، وعيناها مليئتان بالخوف والخجل ، لم تكن تتوقع هذا النبل، انفجرت تسنيم بالبكاء وقالت بصوت متهدج: "أنا آسفة , نجاحكِ وثقتكِ على المسرح ذكراني دائماً بنقاط ضعفي، الغيرة أعمتني، أرجوكِ سامحيني".

​مسحت ريم دموع تسنيم وأخرجت من حقيبتها مسودة الخطاب الذي ستلقيه غداً وقالت بابتسامة مدّت بها جسور المحبة :

"نصّي غداً ينقصه بعض العمق والروح في صياغته، وأنا أعلم أنكِ أفضل من يكتب في هذه المدرسة , ما رأيكِ أن ندمج موهبتكِ في الكتابة بموهبتي في الإلقاء، ونمثل المدرسة معاً؟"

​في اليوم التالي، وقفت ريم على مسرح المسابقة الكبرى، امتلأت القاعة بالجمهور والمشرفين، في الصف الأول كانت تسنيم تجلس وعيناها تلمعان بالأمل والترقب.

​عندما بدأت ريم بالإلقاء، لم يكن النص عادياً , كان مزيجاً عبقرياً من بلاغة قلم تسنيم وقوة حنجرة ريم , ألقت خطبة هزت أركان القاعة عن "أثر الكلمة في بناء العقول وتحطيمها"، وكيف أن الشاشات يجب أن تكون نوافذ للضوء لا سراديب للظلام.

​حين أُعلن فوز المدرسة بالمركز الأول، صعدت ريم إلى المنصة لتسلم الكأس، ولم تدعُ مريم أو أصدقاءها المقربين فقط، أمسكت بيد تسنيم ورفعتها معها أمام الجميع معلنةً أن هذا الفوز هو ثمرة تعاون "القلم والصوت".

​خلف الشاشات، حذفت تسنيم القناة الوهمية نهائياً، وولدت مكانها صفحة جديدة باسم "أقلام ملهمة"، لتوثيق إبداعات الطلاب، أدرك الجميع في تلك المدرسة أن التنمر الإلكتروني يقتات على العزلة والرد بالمثل ولكن عندما يواجه بالوعي والتعاطف والكلمة الطيبة يمكنه أن يحول العدو اللدود إلى صديق مخلص ويصنع من الضعف قوة تغير حياة الأشخاص إلى الأبد .

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ٠٨:١٩ م

مقالات ذات صلة

على منحدر النهر:
قراءات

على منحدر النهر:

صورة باهتة، معلَّقة على جدار مقهى صيفيّ في شارع أبي نؤاس، أواسط سنوات العقد السابع من القرن الماضي، وحدها ما تؤرخ للحظة انفضاضٍ وشيك (هجرة، اشتباك، اعتقال، تخلّ، نشر آخر أعمال جيل العقد الستّيني، موت بطيء وانهيار آمال وتوقف زمن). حادثٌ مأساوي- كوفاة صادق الصائغ- سيرتّب موعداً تراجعياً لجلسة صيفية…

· 6 د
شيئيات الوعي والذاكرة
فكر

شيئيات الوعي والذاكرة

"جماليات المكان" كتاب باشلار منذ أنْ اطلَّعت في ثمانينيات القرن العشرين على كتابِ (جماليات المكان) للفيلسوف الفرنسي كاستون باشلار والذي ترجمه بحرفية عالية غالب هَلَسا وحتى اليوم وأنا أجعله كتابي المُفضَّل. فعندما استقيت أهميةَ المكان في الشِّعر وضرورته في السَّرد، ومنه عرفت الشّعرية بأعلى درجات…

· 5 د
الحوت الذي ابتلع القمر
أدب اطفال

الحوت الذي ابتلع القمر

في ليلةٍ هادئة... استيقظ البحر قبل الجميع. كانت أمواجه تهمس بسرٍ صغير، بينما كان القمر يتدلّى فوق الماء كفانوسٍ من فضة. فجأة... خرج من الأعماق حوتٌ أزرق هائل، لم يكن مخيفًا كما تروي الحكايات، بل كانت عيناه واسعتين كنافذتين تطلان على الحلم. رفع رأسه نحو السماء، وتأمل القمر طويلًا. كان يظنه لؤلؤةً…

· 2 د