كان جدار غرفة ياسر أبيض واسعًا يشبه صفحة لم تكتب بعد , منذ صغره يحبُ الخرائط أكثر مما يحب الألعاب . في إحدى الأمسيات عاد والده وهو معلم جغرافيا يحمل خريطة كبيرة للعالم ، نشرها على الأرض فانحنى ياسر فوقها كما لو أنه ينحني على كنز
قال الأب مبتسمًا " : العالم ليس بعيدًا كما تظن يا ياسر إنه يبدأ من هنا." وأشار إلى رأسه , في تلك الليلة لم يستطع ياسر النوم , ظل يتأمل الخريطة ، يتنقل بعينيه بين القارات والبحار ويتخيل نفسه يقف عند كل اسم غريب وفي الصباح جاءته فكرة.
أحضر علبة نجوم لامعة كان قد احتفظ بها منذ عيد ميلاده, وقف أمام الخريطة وقال بحزمٍ طفولي : " سأضع نجمة على كل بلد أريد أن أزوره."
وضع نجمة على مصر وأخرى على اليابان وثالثة على البرازيل ثم تراجع خطوة وتأمل عمله بفخر لكن المشكلة كانت واضحة ، النجوم كثيرة والسفر بعيد.
في اليوم التالي سأل معلمته في المدرسة ": هل يمكن أن نسافر ونحن في الصف؟"
ضحكت المعلمة وقالت : " نعم ، حين نقرأ."
ومنذ ذلك اليوم تغيّر شيء في قلب ياسر ، كل أسبوع كان يختار بلدًا من الخريطة ويبحث عنه في الكتب والإنترنت.
قرأ عن أهرامات مصر الشامخة وعن أزهار الكرز في اليابان وعن غابات الأمازون الكثيفة في البرازيل ، تعلم كيف يحيّي الناس بلغات مختلفة وكيف يأكلون و يحتفلون.
وكان يفعل أمرًا غريبًا بعد أن ينتهي من القراءة، يقف أمام الخريطة في غرفته، يغمض عينيه ويتخيل أنه يمشي في شوارع ذلك البلد ثم يفتح عينيه ويلمس النجمة الصغيرة.
وفي كل مرة يشعر بشيء يلمع داخله ، كأن النجمة لا تضيء على الجدار فقط وإنما تضيء في قلبه أيضًا. وذات مساء دخل والده غرفته فرآه يتحدث بلغةٍ غريبة أمام المرآة.
"ماذا تفعل يا ياسر؟"
أجابه بحماس " : أتعلم التحية باليابانية!"
ضحك الأب ثم قال برفق " : هل ما زلت تريد السفر إلى كل هذه البلدان؟"
فكر ياسر قليلًا ثم نظر إلى النجوم المنتشرة على الجدار وقال : "نعم لكنني اكتشفت شيئًا."
اقترب الأب وسأله" : وما هو؟"
أجاب ياسر وعيناه تلمعان" : أن العالم لا يسكن الطائرات فقط يسكن الكتب أيضًا.
وأنني كلما تعلمت شيئًا جديدًا أشعر كأن الأرض أصبحت أصغر وأنا أكبر."
ابتسم الأب وربت على كتفه.
مرت الشهور وصارت الخريطة مليئة بالنجوم لكن النجوم لم تعد تعني أمنياتٍ بعيدة ، انما صارت تعني معرفة اكتسبها، قصصًا قرأها وأصدقاء تخيلهم من كل أنحاء الأرض.
وفي يوم ما حين كبر قليلًا قال لوالده : " حين أسافر حقًا سأكون قد زرت تلك الأماكن مرتين , مرةً في الكتب ومرةً في الحقيقة."
لم يعد جدار غرفته أبيضًا كما كان ، صار مليئًا بالعالم وصار قلب ياسر أوسع من الخريطة نفسها , لأن المعرفة حين تسكن طفلًا تجعله يسافر حتى وهو جالس في غرفته الصغيرة.







التعليقات