طالب كريم
عن سلسلة " شعر " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدرت حديثاً للشاعر العراقي ليث الصندوق مجموعته الشعرية الجديدة الموسومة "' لحية كارل ماركس "' المجموعة تضم -- 47 -- قصيدة نثر تشتغل على الذاكرة بوصفها ساحة المواجهة الأولى مع الزمن. يفتتح الشاعر مجموعته باقتباس من شاعر صيني، إشارة إلى أن الحزن الإنساني واحد، ثم يعود سريعاً إلى تفاصيله المحلية ليكتب عن بغداد والعراق والعالم الذي تشظى. عنوان المجموعة " لحية كارل ماركس " مفارقة مقصودة. اللحية علامة الفكر، وماركس رمز الأسئلة الكبرى عن العدالة. لكن حين تسقط هذه الرموز في يومياتنا تتحول إلى سؤال : ماذا فعلنا بالأفكار التي آمنا بها؟ هذا التوتر بين الفكري واليومي هو ما يحرك المجموعة كلها. تبدأ الرحلة من الطفولة، ليس كحنين بريء بل كوطن ضائع، في " حنين إلى طفولة ضائعة " و" حوار مع صورة فوتوغرافية " و " ذكريات " و" عندما ينطلق الزمن "و " ليتنا نعود كما كنا " يقف الشاعر أمام الماضي ويسأله : من سرقنا من أنفسنا؟ لكن الحنين سرعان ما يتحول إلى محاكمة سياسية في نصوص مثل " نحن نصنع الطغات " و" سأصبح قاتلاً ماجوراً محترفاً " و" أنا عميل سري " . هنا يصبح الشاعر شاهداً وضحية في آن، وفي قصيدته " إلى قاتل الشاعر محمود البريكان " يكتب بجملة قاطعة " قرارك كان صائباً أن تقتل شاعراً فدماء الشعراء الزرقاءُ خارج قوائم التسعير إنها مبذولة كالماء والهواء ".وفي " أغنية فكتور جارا الأبدية *" يربط بين دم الشاعر في تشيلي ودم الشاعر في العراق، ليقول إن السلطة تخاف الكلمة فتقتلها أولاً. لكن غضب الصندوق لا يتحول إلى خطابة، هو يلجأ إلى السخرية السوداء. في "صُناع المُعجنات " يقول " : " لم أعد أثقُ بمذيع الأخبار خدعني بإعلانه أن ديناصورات الحرب تتبرجُ وتتعطرُ لحضور حفلة رقص " . وفي " لاعبُ السيرك " و" المشلول " و" الرجال السلاحف " يرسم أبطالاً من الهامش صاروا سادة المشهد. وبين هذا وذاك تحضر بغداد كشخصية لا كخلفية يجول بها في سلسلة " بغداديات " عبر نفق ساحة التحرير ، وشارع الرشيد ، وكورنيش الأعظمية ، وشارع السعدون. ثم يخرج منها إلى " بناتُِ كركوك " و " تحايا المُدُن" . ويستدعي أسماء صارت رموز مقاومة ثقافية : " كان جواد سليم معهم " و" يوسف خارج الجِبّ " و " نُوحٌ ينتظر المطر " حيث يوظف الأسطورة للحديث عن الغرق والإنتظار الطويل. لغة ليث الصندوق نثرية ومكثفة وقريبة من الكلام. لا يكتب قصائد طويلة بل لقطات. عنوان مثل " إستقالة " أو" فرصٌ ضائعة " أو الأسئلة المتفرجة " أو " مشاكل النسيان " أو "عن الإنتظار دائماً " هو بذاته قصيدة. وحتى في نصوصه العائلية " سرِّ أبي " و" أبٌ لعائلة من الغيوم " المهداة إلى الشاعر عمار عبدالخالق، أو في " شاعر.. ومطر.. وموتى "، يبقى الصوت واحداً صوت من رأى كثيراً وقرر أن يتذكر بصوتٍ عالٍ. يسأل الشاعر عن الشعر نفسه في " دارون وإنقراض الشعر " و" مماحكة الشعراء " و" قصائد مشاكسة " . هل مايزال له مكان؟ يجيب بالكتابة. يكتب " دعوة عشاء " كما يكتب " حرائق لاتُطفأ ".يكتب " فيروز " كما يكتب " المتقاعدون " . هذا التنوع يقول أن الشعر لم ينقرض، لكنه أنتقل من المنابر إلى المطبخ، من الشعارات إلى " العودُ الأبدي " و" المملكة السماوية " . " لحية كارل ماركس " ليست إحتفاء بالشعر . هي شهادة على نصف قرن من الكسور، شهادة على مدن تغيرت، وعلى أصدقاء رحلوا، وعلى أفكار كبرى صارت صوراً قديمة. وتستحق القراءة لأنها تذكرنا بوظيفة الشعر الأولى : أن يكون ذاكرة الأمة حين يفشل التاريخ الرسمي، وأن يؤكد أن مادام هناك من يتذكر، فالحياة لم تنتهِ بعد . تضم المجموعة -47 - قصيدة وتقع ب - 268 - صفحة من القطع المتوسط وتصميم الغلاف للفنان:هادي أبو الماس .







التعليقات