في آخر شارعٍ هادئ، كانت توجد مكتبة صغيرة لا يدخلها أحد.
لم يكن على بابها لافتة، ولا يعرف أهل الحي من صاحبها، لكنهم كانوا يقولون إن المكتبة تفتح أبوابها فقط للأطفال الذين لا يعرفون ماذا يريدون أن يصبحوا عندما يكبرون.
وكانت سلمى واحدة منهم.
كلما سألتها أمها:
"ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟"
كانت تجيب:
"لا أعرف."
مرة قالت: "طبيبة."
وبعد يومين قالت: "رسامة."
ثم غيرت رأيها وأرادت أن تصبح طيارة.
وفي المدرسة، كانت تشعر بالضيق عندما تسمع أصدقاءها يتحدثون عن أحلامهم بثقة.
أما هي، فلم يكن لديها حلم واضح.
في مساء يومٍ ممطر، كانت سلمى تسير وحدها عندما لمحت بابًا أزرق صغيرًا بين بنايتين.
كان فوقه مصباح قديم، وتحته لوحة خشبية كُتب عليها:
"المكتبة التي تقرأ الأطفال."

توقفت سلمى.
"كيف يمكن لمكتبة أن تقرأ طفلًا؟"
دفعت الباب.
فانفتح.
كانت المكتبة مختلفة عن أي مكتبة رأتها من قبل.
الكتب لم تكن مرتبة حسب الحروف، ولا حسب الألوان.
كان كل رف يحمل كلمة واحدة:
فضول.
شجاعة.
خيال.
لطف.
صبر.
اقتربت سلمى من رف "الخيال".
مدت يدها نحو كتاب بنفسجي، لكنه ابتعد عنها.
حاولت الإمساك به مرة أخرى...
فابتعد أكثر.
قالت بغضب:
"تعال هنا!"
وفجأة قفز كتاب صغير من رف "الفضول" واستقر بين يديها.
كان غلافه أبيض، ولم يكن عليه عنوان.
فتحته.
فوجدت الصفحة الأولى فارغة.
ثم ظهرت عليها جملة:
"أنتِ لا تعرفين ماذا تريدين... لأنك تريدين تجربة كل شيء."
رفعت سلمى حاجبيها.
"هذا صحيح!"
قلبت الصفحة.
ظهرت صورة لها وهي ترسم.
ثم صورة أخرى وهي تفكك لعبة قديمة لترى كيف تعمل.
ثم صورة ثالثة وهي تساعد طفلة أصغر منها على تعلم القراءة.
كانت الصور تتغير بسرعة.
قالت سلمى:
"إذن... ماذا سأصبح؟"
ظهرت جملة جديدة:
"لماذا يجب أن تختاري الآن؟"
في اليوم التالي، عادت سلمى إلى المكتبة.
هذه المرة، قررت أن تختبرها.
قالت:
"أريد أن أعرف أكثر شيء أجيده."
ظهرت أمامها ثلاثة كتب.
الأول بعنوان:
"ما تحبينه."
الثاني:
"ما تجيدينه."
والثالث:
"ما يمكن أن تتعلميه."
فتحت الكتاب الأول.
وجدت عشرات الأشياء التي تحبها.

القصص.
الرسم.
الحيوانات.
الاختراع.
الموسيقى.
البحر.
ثم فتحت الكتاب الثاني.
وجدت أشياء لم تكن تلاحظها في نفسها.
كانت تعرف كيف تجعل صديقاتها يضحكن.
وتعرف كيف تلاحظ الأشياء الصغيرة.
وكانت صبورة عندما يحكي لها أحد مشكلته.
أما الكتاب الثالث...
فكان عدد صفحاته لا ينتهي.
ابتسمت سلمى.
وفهمت الرسالة.
لم يكن هناك كتاب يخبرها بما ستصبح.
لأن قصتها لم تُكتب بعد.
وفي طريق عودتها إلى المنزل، رأت طفلًا يبكي أمام متجر الألعاب.
اقتربت منه وسألته:
"لماذا تبكي؟"
قال:
"لا أعرف ماذا أختار."
ضحكت سلمى.
"أنا أيضًا."
ثم جلست بجانبه وقالت:
"لكن ربما لا يجب أن نعرف الآن."
نظر إليها الطفل باستغراب.
فقالت:
"ربما أجمل شيء في المستقبل أنه لم يُكتب بعد."
عادت سلمى إلى المكتبة في اليوم التالي.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
لم تجد الكتب في أماكنها.
كانت الرفوف فارغة.
وعلى الطاولة، وجدت ورقة واحدة.
كتبت عليها جملة:
"الآن جاء دوركِ في كتابة الكتاب."
وجدت قلمًا بجانب الورقة.
جلست سلمى وبدأت تكتب.
لم تكتب اسم الوظيفة التي تريدها عندما تكبر.
كتبت:
"أريد أن أكون إنسانة تحب ما تفعله، وتتعلم كل يوم شيئًا جديدًا، وتترك شيئًا جميلًا خلفها."
ما إن انتهت...
امتلأت المكتبة بالكتب من جديد.
لكن هذه المرة، كانت كل الكتب تحمل أسماء أطفال.
وفهمت سلمى سر المكتبة.
لم تكن المكتبة تقرأ الأطفال لتخبرهم بمستقبلهم.
كانت تقرأهم لتُريهم الأشياء الجميلة التي لا يرونها في أنفسهم.
ومنذ ذلك اليوم، كلما دخل طفل حائر إلى المكتبة، كان يجد كتابًا ينتظره.
كتابًا لا يقول له:
"ستصبح كذا."
بل يقول:
"انظر إلى نفسك... واكتشف ما يمكنك أن تصبح."
أما سلمى، فظلت تزور المكتبة كل أسبوع.
وفي كل مرة كانت تفتح كتابًا جديدًا...
كانت تجد صفحة بيضاء في النهاية.
صفحة تنتظرها.
لتكتب فيها فصلًا جديدًا من حياتها.







التعليقات