انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فوتو غراف… !!

(مسرودة  توهم بالأكاذيب)

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

7 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
فوتو غراف… !!
مشاركة:

(١)

تكوين إفتراضي

[ واجب مجنون مثلي أمتهن الكتابة من أجل أنثى غجرية قادته مثل بغل وسط دهاليز ،وقاحات النوايا،وغرابة الأطوار، ليس وصف العالم  المائج بالإضطراب والخديعة، بل كشف الجراح التي نحملها نحن  الذين نعيش  مرغمين،غير عارفين بكيفية الوصول  الى طرق الخلاص..التي ظننت جازماً أنه محض هراء،أشاعته الأزمنة،من أجل تشويه روح الإنسان ونقاء سريرته، طوال مواقيت البحث،بين أكداس الكتب، لم أجد سطراً واحداً يدلني على ذاك الدرب، الذي كتب من أجله الكهنة والشعراء وعباد العروش،تراتيل ،وملاحم، كشفت فيما بعد عن مفاسدها مثل جدارٍ طليَ بالذهب ليخفي رطوبة الخراب.ولأني لم أك ناسكاً  مؤمناً بما يكفي لأصدقهم،..ولا كافراً زنديقاً لأكذب نفسي،جلستُ بين  تلال. من الكتب مثل. من يجلس في مقبرةٍ واسعة،كل كتابٍ شاهدة قبر،والسطورٍ ترانيم  منافقة. أفتح الصفحات كما تفتح جرّاح جسد فاطس،بحذرٍ لا يخلو من الشك،مصغياً. إلى تراتيل كتبها المنتصرون،وصمت تركه المهزومون…عند البداية ظننتُ أن الكلمات بريئة.لكنها، مثل السكاكين ،لا تُظهر حدّها إلا عند ملامستها اللحم.

وجدتُ تراتيل كثيرة…لملوك أعتلوا عروش مغسولة بالدم،وحروب تُجمِّل الدم بالأناشيد.تراتيل كهنة،يرفعون أكفهم بإتجاه السماء،بينما أقدامهم غارقة بوحول مفاسدهم . تقول الكتب بلغةٍ عذبة،ناعمة كالماء،تحت العذوبة رائحة زنخة تشبه عفن دم بارد…ذات مساءٍ  كنت مهموماً بمراقبة رشقات الصواريخ،وقفت متخاذلاً بين رفوف مكتبةٍ غبارها أثقل من الذاكرة،لأقع على كتابٍ دونما غلاف.حين فتحته شعرت كأني أفتح باباً موصداً منذ دهور.صفحاته صفر،وخطه مائل قليلاً،كأن الكاتب كتبه وهو يمشي.في الصفحة الأولى ثمة كلمة تقول:—كل

ترنيمةٍ لا تولدُ من جرح ،كذبةٌ مُرتَّلة…

وصوتٌ دونما ألمٍ…مجرّدُ صدى مُستعار…والصدقُ لا يُنشد…بل ينزف.!!

توقفتُ عند الفطنة طويلاً.ليس لأني فهمتها فوراً، بل لأن أعماقي إرتجفت.

كلمات وضعت مرآة أمام روحي.

منذ ذاك اليوم صرت أرى العالم بطريقةٍ مختلفة.،،لم تعد التراتيل أصواتاً مقدسة.بل ضجيجاً جميلاً يخفي العتمة. أخرج إلى الشارع مصغياً،الباعة ينادون ..السيارات تصرخ…الأطفال يضحكون… والحرب

قائمة،، أسمع تراتيل لا يكتبها الكهنة.

ترتيلة امرأةٍ فقدت زوجها دون  أن تدري لماذا،تكنس باب بيتها عند الفجر…!!ترتيلة عاملٍ أصابته شظية في مكان سري، يربت على كتف صديقه  الماشي  بقدم واحده ،بعد يومٍ طويل!!.ترتيلة شيخ قضى سنوات عمره ،حالماً بوطن حر وشعب سعيد، يجلس أمام دكانه ناظراً إلى المشاة مباركاً مرورهم بصمت.هذه التراتيل لم تك في بطون الكتب.لإنها حقيقية.مع الوقت بدأت أفهم أشياء بسيطة: الكذب لا يولد من الشر ،بل يولد  من الخوف من أن يكون العالم دونما معنى…و من أن جراح الحروب لن تلتئم!! ،من أجل هذا اخترع الناس التراتيل.وكتبوا أناشيد مهذارة ،مضحكة الوصف،،كي لا يسمعوا نواح قلوبهم  المتصدعة. كعادتي مع الليل، أجلس وحيداً  وراء طاولتي.المصباح يسكب ضوءه على الورق ،شبيه شمسٍ  متعبة. حين أمسكت القلم.أصابتني  رعشة تردد.لأني  أعرف أن الكتابة ليست  فعلاً بريئا. لكنها لا تستطيع أن تصبح ترنيمة كاذبة. كتبت:—إذا أصبح العالم مجموعة صورمتهرأة، لعروش

وركامات مدن.. وأناشيد فاسدة،فأنت مجرد مصوّرٍ متردد..لا تحاول تجميل التشوهات والندوب.ولا تسعى الى تنظيف الدم عن الذاكرة.أو كتابة تراتيل جديدة تمجد الملوك…أكتب كما لو تلتقط فوتوغرافاً للروح…صورةً لا تهتم إن رأيتها جميلة.المهم أنها صادقة!!.،،عند وقوفي أمام تلك اللحظة  الشرسة فهمت معنى العنوان الذي يلاحقني:فوتوغراف.،،الصورة لا تكذب أبداً…لكنها تستطيع  إخفاء مآسي  كثيرة،وضعتها خارج الإطار.وهذا ما تفعله القصص .نكتب ما نراه،تاركين الأوهام تتكلم وحدها.لهذا أقول ،بوقاحة الكاتب الذي تعب من النزاهة ،التراتيل ليست مقدسة.بعضها  موسيقى هادئة  تنيم الضمائر.و ثمة تراتيل ،لا تُكتب بالحبر.بل بالتعب،والصبر،و الإصرار الغامض،الذي يجعل الإنسان ينهض كل صباح ،رغم معرفته أن العالم لم يتغير.تلك  التراتيل التي أثق بها. لا تُنشد في المعابد،بل في الشوارع والدرابين الضيقة،و قلوب الناس الذين لم يقرأوا كتب الفلاسفة لكنهم يعرفون كيف يحملون جراحهم بصمت.لهذا ما زلت أكتب…لا لأكشف الحقيقة كاملة ،لان الحقيقة كائن خجول ،بل لألتقط فوتو غرافا لجرحٍ يتعلم الغناء وتراتيله الخاصة.!!

(٢)

لقطات غامضة!!

الصباحات في بغداد لاتشبه تلك التي تحدث عنها الشعراء ببذخ العشاق وحبورهم صارت. فم فرنٍ مفتوح، يزفر حرارةً ورائحة طحينٍ ، تشبه رغيفٌ خبز نسيه الله فوق نار مستعرة…في الدربونة الضيقه المكللة بسواد يافطات العزاء، وضعت أمّ حيدر كرسيها البلاستيكي عند الباب. لا لتجلس عليه ، تتركه حارسٍ شهم لذاكرتها. كرسي  يعرف كم مرة إنتظرت رجوع زوجها الممتحن بالحروب، متى نظرت إلى نهاية الشارع  حين ظهر  الملا خضير  صارخاً،:—-انتهى الأمر، الذي كانوا من أجله يقتتلان.. عودوا إلى حياتكم…ماعاد للحرب أهمية!!

لكن الحياة .تباطأت ماشية بعكازٍ غير مرئي…مرّ بائع الخبز ، صائحاً بصوتٍ خافتٍ يخجل من إيقاظ المدينة. الارغفة حارة، يتصاعد منها البخار مثل دعاءٍ قنوع.تقدّم  إليه طفلان يتعثران بثياب نعاسهما، أحدهم يحمل كيساً شفافاً فيه عملات معدنية. عندما فتح البائع الكيس لعدّها، تساقط صوتها  على الخشب مثل مطر.قال البائع:

—يكفي… احتفظ بالباقي..!!

لم يك المبلغ كافياً، لكنه قالها بود وقبول ، في بغداد،الناس يخترعون قوانين مرحة كي تبقى عوالمهم واقفة.،،في المقهى الذي يحمل إسماً غريباً، ثمة سياسي  داسته أقدام الزنازين، يقرأ جريدة. لم تك الأخبار تهمه؛ لأنه يقرأ الورق. متلمساً الكلمات كأنها آثار أقدامٍ على ساتر بعيد. عندما وصل إلى صورةٍ  الرئيس المشيد لبروج الحروب، حدّق فيه طويلاً،مبتسماً نصف ابتسامة، كأن الصورة همست له بسر لا يريد فضحه.

عند الطاولة المجاورة، شابان  خاليان من الوسامة ،يتجادلان حول كرة القدم. أحدهم يصرخ كأن فريقه يسهم في إيقاف الحرب إذا فاز بالمباراة.الآخر يهز رأسه ببطء، كمن عرف أن الكرة لا تغيّر شيئاً لكنها على الأقل تمنح القلب سبباً صغيراً للخفقان، تستيقظ بغداد على مهل.

صوت المولدات مثل قلبٍ معدنيّ ضخم، يضخّ الكهرباء ببطءٍ في شرايين البيوت.الأسلاك المتشابكة فوق الرؤوس تشبه عائلةٍ كبيرةٍ تتعارك ثم تتصالح ثم تتعارك مرة ثانية…!!

في سوق الحرامية، إمرأة تساوم بائع وحش الطاوة.ليس لأن الباذنجان غالي،بل لأن المساومة طقسٌ و. طريقةٌ، يقول الإنسان من خلالها ،إنه ما زال حياً.تهمس بحياء مترقب

: —هذه الأسعار ظالمة.،،؟!!

يردّ بحزن :—والله أعرف …لكنها أسعار السوق وأنا أبيع بخسارة..!!

كلاهما يعرف أن الحقيقة تقف عند المنتصف،حيث المنطقة الرمادية التي يعيش فيها الناس منذ زمنٍ طويل..!!

عند زاوية سوق الحرامية يقف ضابط  احيل على التقاعد قسراً لإنه حلم بموت الرئيس قبل بلوغ عامه لألف، يبيع كتب مكدسة مثل مدينةٍ صغيرةٍ من ورق. بعضها فقد الأغلفة،،والبعض  نجا من حربٍ لا يتذكرها الناس.ثمة شابٌ ،يقلب كتاباً فلسفياً.يسأل البائع: —بكم هذا؟!!

يرد البائع: —بألفين…!!

إبتسم الشاب بخجل.ليس لأنه فكر بأخذه، بل لأنه شعر أن الأفكار يمكن أن تكون أرخص من سيجارة.،!!

في مكانٍ ، قريب من جسرٍ يطل على دجلة الاوسخ من مقالع النفايات،، يقف شاعر خالي من الفطنة ناظراً إلى الماء بحزن.دجلة لا يجيب عن الأسئلة. يمضي، كأنه يعرف أن البشر غارقين في أفكارهم مهما فعل.يمرّ رجلٌ مسنّ، يحمل كيس خضارٍ صغير.يتوقف الى جانب الشاعر قائلاً:—الماء يعلّم الصبر… لكن دجلة يعلمنا القهر..!!

تمضي.الكلمات بسيطة، معلّقة في الهواء مثل مصباحٍ . حين يجيء المساء، .تصفر المصابيح  المتدلية فوق الشوارع شبيهة بأقمارٍ متعبة.

رائحة الشواء تختلط بدخان السيارات.

 يمشي الناس ببطء، كأن الليل سمح لهم بالتخفف من أوزان النهار قليلاً.

في المقهى، يعود السياسي النحيل.

دون  جريدة ،يتأبط دفتر ملاحظاتٍ مدرسي. محاولاً  الكتابة عن بغداد، لكنه يكتشف أنها أكبر من الكلمات.ليست قصة واحدة، بل آلاف من القصص التي تمشي جنباً إلى جنب دون تعارف.،،على الرصيف، شاب يبيع الشاي في استكانات زجاجية.البخار يتصاعد مثل أرواحٍ شفافة.كل من يمر يأخذ استكانا .الشاي ليس مشروباً بل. إستراحة قصيرة من القلق.عند الزاوية ، رجل يعزف على عودٍ قديم.الأوتار تئنّ ، لكن اللحن يخرج دافئاً، يعرف الطريق إلى قلوب الغرباء.يتجمع الناس حوله .

لا أحد يتكلم.الموسيقى تفعل ما تعجز عنه الكلمات.في تلك اللحظة،تجلس بغداد بهدوء على كرسيٍ خشبيّ، تتنفس ببطء بعد يومٍ مشاكس طويل.

في مكانٍ قصي ، عند انتصاف الليل، تكتب سيدة أدمنت المصائب والويلات،مكتوباً لإبنها  الهارب بعيداً بحثاً عن خلاص…لا لتخبره إن الكهرباء إنقطعت ثمان مرات اليوم.ولا تقول إن المنطقة صارت أهدأ لأن بعض الوجوه إختفت، ولا تهمس له بإن طائرة مسيرة حلت  ضيفاً على بيت مسؤول حكومي وسرقت أولاده.كتبت على عجل،:— ولك يمه جواد ،،أحنه بخير ما عايزنه شيء غير الصحة والعافية وحبوب ضغط..!!

 تحمل كلمات رسالتها وزناً كبيراً،  تبتسم أمام الورق كأنها  ريح خفيفة.في الدربونه الضيقة، ما زال الكرسي البلاستيكي أمام باب أمّ حيدر.

الليل يضع يده على كتفه مثل صديقٍ عتيق.، الجميع يعرف سراً بسيطاً لا يقال بصوتٍ عالٍ:— الحياة ليست سهلة…لكنها  تكره الإستسلام!!

(٣)

إكتشاف مر!!

، حين يخفُّ  الضجيج، تبدأ بغداد بالكلام.ليس بكلمات نعرفها، بل بأصواتٍ غريبة:صوت ملعقةٍ تضرب حافة كأس، بابٍ حديدي يُغلق ببطء، كلبٍ بعيد يعوي كأنه يحدّث القمر. رجل لحست سنوات عمره سواتر الحروب يبحث لاهثاً عن قنية عرق مغشوش يطفأ بها ظمأه، سياسي عذب الذاكره، يحلم  برجوع هتلر من موته، لم يغادر المقهى لانه يكتب.

:—المدينة لا تموت ،لكنها تشيخ بسرعة..والناس يتعبون…لكنهم لا يرغبون بتعلم كيفية الموت…!!

في الحافلة،إمرأة طالها الوجع، تنظف المقاعد بقطعة قماش مبلولة. السائق يدخن سيجارته ببطء.قائلاً ..

:— كان اليوم طويلاً… لم أر مثله من قبل!!

ردت:—كل الأيام طويلة…لاتشبه أيامنا

التي غسل ناظم الغزالي جفونها.. بعيرتني بالشيب وهو وقار..!!

 يضحكان.ضحكة خفيفة، نقية صادقة.الرجل السياسي النحيل الذي أيقن إن الخلاص أكذوبة العاجزين، 

أغلق دفتره أخيراً.يسأله صاحب المقهى:— يبدو إنك كتبت شيئاً؟!!

يجيب بعد لحظات:—كتبت،،المدن ليست شوارع ومباني.المدن قلوب تمشي…وفي هذا البلد..القلوب كثيرة. لكنها لاتجيد المشي..!!

 بهدوء ممل نظر إلى بغداد،هامساً كأنه يكتب آخر سطرٍ في قصةٍ لا تنتهي:—-ربما لا تعرف هذه الأمكنة كيف تخلق سعاداتها …لكنها تعرف كيف تبقى حيّة..وسط خراب لا تطاله أكف الإنتهاء!!

 و ببطء الخاسر مضى!!

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٤١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د
ميلوس ..!!
سرد

ميلوس ..!!

استيقظ ميلوس ذات صباح ولم يشعر بشيء. لا دوخة، لا ألم، لا نُعاس... فقط يقظة نقيّة. كان الوقت يمر، لكن شيئًا فيه لم يكن يتحرك. تكررت الأيام، وجسده لم يتغير. لا تجاعيد، لا أمراض، لا حتى شحوب. مرت السنوات الأولى كاحتفال... كان يسير في الشوارع ببطء متعمّد، كمن يتذوّق الزمن. مرت الايام وعاش ميلوس سنوات…

· 3 د
ومضات
سرد

ومضات

(قصص قصيرة جداً) صالح البياتي العباءة نشرت المرأة عباءتها السوداء، الوحيدة لديها، على حبل الغسيل لتجف تحت شمس الظهيرة الصيفية، وعادت فأحضرت سمكة صغيرة مشوية للغداء، ورغيف خبز، وبينما هي تمد يدها للطعام، طُُرِق الباب، قامت وفتحته، رأت صبي الجيران عنده، قال: خالتي سٌرقت عباءتك، الحقي بالسارق.. هناك،…

· 6 د