منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب ويحتج ويؤلف ويؤسس الندوات لكن الواقع السياسي ظل يسير في اتجاه آخر تحكمه المصالح والصراعات أكثر مما تحكمه الأفكار
لقد وصف عالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو غرامشي المثقف بأنه ليس مجرد منتج للأفكار بل هو منظم للوعي الاجتماعي وقادر على صناعة الهيمنة الثقافية غير أن هذه الوظيفة تحتاج إلى مؤسسات حرة وإلى فضاء يسمح بتداول الأفكار بينما عاش العراق خلال عقود طويلة في ظل الانقلابات والحروب والاستبداد ثم دخل بعد عام ألفين وثلاثة في مرحلة جديدة اتسمت بالمحاصصة والانقسام الطائفي والصراع الحزبي وهو ما جعل المجال العام أقل قدرة على استقبال الخطاب الثقافي وأكثر خضوعاً للخطابات الشعبوية والدينية والسياسية
ويرى بيير بورديو أن المثقف يمتلك رأس مال رمزياً لكنه لا يتحول إلى قوة سياسية إلا إذا استطاع أن يفرض شرعيته داخل المجتمع وهذه الشرعية تعرضت في العراق إلى اهتزاز كبير لأن المجتمع أصبح ينظر إلى السياسي بوصفه صاحب النفوذ وإلى رجل الدين بوصفه صاحب السلطة الرمزية وإلى رجل المال بوصفه صاحب القدرة الاقتصادية بينما بقي المثقف محاصراً بين الفقر والتهميش وضعف المؤسسات الثقافية
وقد أشار إدوارد سعيد إلى أن وظيفة المثقف هي قول الحقيقة في وجه السلطة لكنه حذر أيضاً من أن المثقف قد يتحول إلى موظف لدى السلطة أو لدى المؤسسات الأيديولوجية وهو ما شهدته التجربة العراقية في مراحل متعددة إذ انقسم المثقفون بين مؤيد للسلطة ومعارض لها وبين من ارتبط بالأحزاب وبين من اختار المنفى أو الصمت ففقد الخطاب الثقافي وحدته وقدرته على تشكيل رأي عام واسع
ومن أبرز الأمثلة على محدودية تأثير المثقف العراقي ما حدث خلال العقود السابقة فقد قدم عدد كبير من الشعراء والروائيين والباحثين أعمالاً نقدية مهمة إلا أن السياسات العامة لم تتغير بسببها فالسياب والبياتي والجواهري وسعدي يوسف وفاضل العزاوي وغيرهم أسهموا في تشكيل الوعي الأدبي والسياسي لكن تأثيرهم بقي ثقافياً أكثر منه مؤسسياً لأن مراكز اتخاذ القرار لم تكن تعتمد على الرؤية الفكرية بقدر اعتمادها على موازين القوة .
ويذهب المفكر الفرنسي ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تعمل من خلال الدولة وحدها بل تنتشر داخل المؤسسات والخطابات والعلاقات الاجتماعية ولذلك فإن مواجهة السلطة تحتاج إلى أدوات متكاملة وليس إلى الخطاب الثقافي وحده وهذا ما يفسر عجز المثقف العراقي عن إحداث تحول سياسي جذري لأن البنية التي ينتقدها أكبر من قدرته الفردية وأكثر تعقيداً من أن تهزمها المقالة أو القصيدة أو الكتاب
أما المفكر الألماني يورغن هابرماس فقد ربط نجاح المثقف بوجود فضاء عام حر يستطيع المواطنون فيه مناقشة القضايا بحرية والوصول إلى توافق عقلاني غير أن هذا الفضاء ظل ضعيفاً في العراق بسبب الانقسامات الحادة والاستقطاب السياسي وهيمنة وسائل الإعلام التابعة للأحزاب الأمر الذي قلل من وصول الخطاب الثقافي المستقل إلى الجمهور
ومن الأسباب التي حدت من تأثير المثقف العراقي أيضاً هجرة آلاف الأكاديميين والمفكرين نتيجة الحروب والعنف السياسي وفقدان البيئة الآمنة للإبداع وهو ما أدى إلى خسارة العراق لجزء كبير من نخبه العلمية والثقافية كما أن ضعف القراءة وتراجع التعليم وانتشار وسائل التواصل التي تفضل الخطاب السريع على الفكر العميق جعلت صوت المثقف أقل حضوراً أمام الخطابات التعبوية والشعارات السياسية
ولا يمكن إغفال أن بعض المثقفين أنفسهم ساهموا في إضعاف مكانتهم عندما ارتبطوا بالأحزاب أو سعوا إلى المناصب أو تحولوا إلى أدوات للدعاية السياسية وهو ما أفقد الجمهور ثقته باستقلالهم وأضعف صورتهم بوصفهم ضميراً للمجتمع
ومع ذلك فإن القول إن المثقف العراقي فشل تماماً في التأثير لا يخلو من مبالغة لأن التغيير الثقافي يختلف عن التغيير السياسي المباشر فقد ساهم الأدب العراقي والفكر النقدي والجامعات والصحافة والبحوث في حفظ الذاكرة الوطنية وفي نقد الاستبداد والفساد وفي تكوين أجيال جديدة أكثر وعياً بحقوقها حتى وإن لم ينعكس ذلك سريعاً على شكل النظام السياسي
إن أزمة المثقف العراقي ليست أزمة فكر بقدر ما هي أزمة بنية سياسية واجتماعية فحين تكون موازين القوة قائمة على السلاح والطائفة والمال تصبح الكلمة أقل تأثيراً من النفوذ وعندما تغيب المؤسسات الديمقراطية الحقيقية يتحول المثقف إلى شاهد على الأحداث أكثر من كونه صانعاً لها ولذلك فإن استعادة دوره لا ترتبط بإنتاج الكتب وحدها وإنما ببناء دولة القانون واستقلال الجامعات وحرية الإعلام وتعزيز التعليم لأن المجتمع الذي يحترم المعرفة هو وحده القادر على تحويل المثقف من مراقب للواقع إلى شريك في تغييره







التعليقات