انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟ قراءة في مخرجات مهرجان ميزوبوتاميا

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

14 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
هل العالم بحاجة إلى الشعر؟قراءة في مخرجات مهرجان ميزوبوتاميا
مشاركة:

قد يبدو السؤال غير واقعي، أو كما يمكن أن يطلق عليه، سؤالًا بيزنطيًا. فالعالم يسير باتجاهاتٍ يعرف كلّ اتجاه منها طريقه، إلّا طريق الشعر والثقافة عموما. عالمٌ تتسارع فيه الحروب والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، فيما تبدو القصيدة كأنها تقف في زاويةٍ بعيدة، تراقب هذا التسارع وتحاول أن تسأل/، إلى أين يمضي الإنسان؟

لكن مهرجان ميزوبوتاميا الذي عقد مؤخرا في مدينة لاهاي الهولندية، بمشاركة شعراء من دولٍ مختلفة، أعاد طرح السؤال بطريقة أخرى، هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

ربما لم يكن السؤال موجّهًا إلى الشعراء وحدهم، بل إلى العالم الذي جاءوا منه أيضا. فقد حمل كلّ شاعرٍ معه شيئا من المكان الذي جاء منه، ومن ذاكرته، ومن الأسئلة التي لا يستطيع الإنسان أن يتخلّص منها بمجرّد أن يغادر وطنه.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

جاءت القصائد، في ما يشبه ثلاثة اتجاهات، بعضها حمل الحرب بوصفها تجربةً معيشةً لا يمكن تجاوزها، كما لدى الشعراء القادمين من أماكن لم تفرغ حياتها من الحرب، وفي مقدّمتها فلسطين والعراق وسوريا ولبنان. وهناك نصوص انتصرت للحياة في مواجهة الحرب، وأخرى وقفت ضد الحرب والظلم، وانحازت إلى الشعوب التي تعيش تحت وطأة القتل والدمار، ولا سيما الشعب الفلسطيني.

لكن هذه الاتجاهات الثلاثة، على اختلاف لغاتها وأشكالها، كانت تلتقي في مكانٍ واحد، الرغبة في الانتصار للسلام.

حتى القصيدة التي ارتدت ثوب الحرب لم تكن بالضرورة قصيدةً تمجّد الحرب، بل كانت تكشف بشاعتها. وحتى القصيدة التي اختارت الحب والغزل كانت تبحث، في جوهرها، عن الجمال الذي تحاول الحروب أن تنتزعه من الإنسان. وحتى النص الذي لجأ إلى المتخيّل الشعري كان يحاول صناعة مساحةٍ أخرى للحياة، حين تضيق مساحة الواقع.

هكذا لم تعد القصيدة مجرّد كلام عن الحرب أو الحب أو الجمال أو الخيال، وإنما أصبحت محاولة لاستعادة الإنسان من بين الركام.

ولعلّ أهمية المهرجان لم تكن في القصائد وحدها، بل في جمع أصواتٍ متعدّدة جاءت من أمريكا وفرنسا وإسبانيا والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن والمغرب. أصوات تحمل تجارب متباينة، وذاكرات مختلفة، ولغات شعرية لا تتطابق، لكنها وجدت نفسها أمام سؤال واحد: ماذا يستطيع الشعر أن يفعل في عالم يزداد قسوة؟

لهذا تباينت القصائد والنصوص الشعرية والنثرية، وحلقت في سماواتها الثلاث، بين الحرب والسلام، وبين الحب والجمال، وبين المتخيل وصناعة الحياة. ولم تكن الاختلافات بينها سوى طرق متعددة للوصول إلى المعنى نفسه: أن الشعر، حين يكون حيا، لا يكتفي بوصف الحياة، بل يحاول أن يصنع لها احتمالا آخر.

قد يبدو القول بأن العالم يمكن أن يجعل الشعر هدفا من أهدافه نوعا من الخيال، وربما نوعا من «البيزنطية» التي بدأنا بها السؤال. لكن الأحلام الكبيرة تبدأ أحيانا من أسئلة تبدو غير واقعية.

أن نضع الشعر على الطاولة، لا بوصفه ترفا ثقافيا، بل بوصفه إحدى الوسائل التي يمكن للإنسان من خلالها أن يستعيد إنسانيته، هو حلم يستحق أن يطرح. فالعالم الذي لا يجد وقتا للشعر، قد يجد نفسه يوما بلا وقت للإنسان أيضا. وربما لهذا كان سؤال مهرجان ميزوبوتاميا في لاهاي أكثر من سؤال عن الشعر. كان سؤالا عن حاجتنا إلى أن تبقى الحياة ممكنة.

فعاليات المهرجان

يقول محمد الأمين، الرجل الذي يقف وراء إقامة مهرجان ميزوبوتاميا في نسخه الثماني الماضية، وصولًا إلى نسخته التاسعة، إن الشعر يعني، في جوهره، صناعة الحياة.

ويضيف: نحن شعوب ابتُلينا بالحروب، وشعوب أنهكتها السياسة وأثقلت كاهلها السلطات في بلداننا، ولذلك لا يمكن للشعر أن يقف وحده في مواجهة آلة القتل، لكنه يستطيع أن يفتح نوافذ للتقارب بين الشعوب، وأن يخلق مساحة مشتركة للإنسان.

 ويرى الأمين أن المهرجان كان، وما يزال، إحدى وسائل هذا التقارب، فحين يصعد شاعر أمريكي إلى المنصة ليقرأ قصيدة تواجه الموت والخراب، في وقت تشتعل فيه مناطق كثيرة بالحروب، فإن ذلك يمنح الشعر وظيفة تتجاوز الحدود والسياسات، ليصبح لسانًا للشعوب أكثر مما تعبر عنه الخطابات الرسمية أو مواقف السلطات في هذه الدولة أو تلك.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

ويشير إلى أن ثوب المهرجان شعري، لكن ألوانه متعددة، إذ لم يقتصر على القصيدة وحدها، بل انفتح على الموسيقى والغناء والسينما والرسم، فشهد عرض ثلاثة أفلام، وإقامة جلسة غنائية، وعزفًا موسيقيًا، إلى جانب حلقة للرسم، في تأكيد على أن الفنون، على اختلاف أشكالها، تلتقي في هدف واحد هو الدفاع عن الجمال والحياة.

ويعود الأمين إلى الشعر ليقول إن العالم، لو انتبه إلى أهمية الشعر وقيمة الثقافة، لكان أكثر أمنًا واطمئنانًا، ولعاش الناس في مساحة أوسع من الجمال.

ويختم حديثه بالإشارة إلى أن ما تحقق في مهرجان ميزوبوتاميا كان صورة رمزية لهذا الحلم، إذ اجتمعت أصوات من قارات العالم المختلفة في مدينة لاهاي، مدينة السلام والتآخي، لتؤكد أن الشعر، مهما بدا ضعيفًا أمام ضجيج الحروب، يظل قادرًا على بناء الجسور بين البشر، وعلى تذكير الإنسان بحاجته الدائمة إلى الجمال.

أشكال التعبير

ويقول الشاعر العراقي المقيم في مدريد عبد الهادي سعدون إن الشعر هو الذي يجمع المشاركين في مهرجان ميزوبوتاميا، على الرغم من تنوع فعالياته وتعدد أشكال التعبير فيه، ولا سيما أن المهرجان يحمل عنوانا مهما وعريقا هو "بلاد ما بين النهرين"، بما ينطوي عليه من دلالاتٍ تاريخيةٍ وثقافيةٍ وحضارية، فضلًا عن مشاركة أدباء وشعراء من أنحاء العالم، الأمر الذي يجعل اللقاء أبعد من مجرّد تجمّع شعري، ليصبح مساحةً للتواصل بين تجارب إنسانية وثقافية مختلفة.

وعن أهمية الشعر والكلمة، يقول سعدون إن الثقافة عموما، والكلمة التي يقصد بها الإبداع والفن والثقافة بمعناها الواسع، تمثّل ضرورةً إنسانيةً لا يمكن الاستغناء عنها. فمن المهم، بحسب رؤيته، أن يكون الحديث في العالم عن الثقافة والشعر أكثر مما يكون عن الحرب والاقتصاد، لأن انشغال الإنسان الدائم بالصراعات والمصالح المادية يهدّد بإبعاد القيم التي تمنح الحياة معناها، فيما تتيح الثقافة مجالًا لاستعادة الإنسان لذاته، والتفكير في علاقته بالآخر وبالعالم.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

ويؤكد سعدون أن الشعر قادر على توحيد الشعوب، لأنه لا يحتاج إلى صراعٍ كي يثبت حضوره، بل إلى التأمّل الذي يفتح أمام الإنسان أبواب الفهم والتواصل. فالمتأمّل، كما يرى، يكون دائما في حالة سلام، إذ تمنحه لحظة التأمّل فرصةً للابتعاد عن أحكام العداء والانغلاق، والنظر إلى العالم بعين أكثر اتساعا وإنسانية.

ومن هنا، تتجلّى أهمية مهرجان ميزوبوتاميا في أنه يجعل الشعر نقطة التقاءٍ بين شعوب وثقافاتٍ متعدّدة، ويمنح الكلمة فرصةً لأن تكون حاضرةً في فضاءٍ غالبّا ما تطغى عليه أخبار الحروب والأزمات. فحين يجتمع الشعراء، لا يكون اختلاف بلدانهم ولغاتهم عائقا أمام اللقاء، بل يصبح مصدرا لتعدد الرؤى وإغناء التجربة، وتأكيد أن ما يجمع البشر من أحلام وأسئلة إنسانية قد يكون أعمق مما يفرقهم.

فعل ثقافي

وتقول الشاعرة اللبنانية دارين حوماني المقيمة في كندا إن إقامة مهرجان ميزوبوتاميا في هولندا يمثل فعلا ثقافيا مهما، لأنه يتيح للثقافات العربية أن تكون حاضرة في فضاء عالمي، ويمنح الآخرين فرصة للتعرف إلى تجاربها الإبداعية بعيدا عن الصور التي تصنعها الأخبار السياسية والحروب. وترى أن اختيار اسم "ميزوبوتاميا"، بما يحمله من دلالات تاريخية وحضارية عريقة، يضفي على المهرجان بعدا يتجاوز حدود التسمية، إذ يستعيد ذاكرة بلادنا القديمة، ويضعها في سياق لقاء ثقافي تتعدد فيه اللغات والتجارب، من دون أن تفقد كل ثقافة خصوصيتها.. وتضيف حوماني أن المهرجان، وإن لم يقتصر على الشعر وحده، فإنه أعاد طرح أهمية القصيدة في عالمٍ تتّسع فيه الحروب والصراعات، حتى باتت تطغى على تفاصيل الحياة اليومية للشعوب. فحين تصبح أخبار الموت والدمار هي الأكثر حضورًا، تبرز الحاجة إلى خطابٍ آخر يعيد الاهتمام بما يمنح الحياة معناها، ويمنح الإنسان فرصةً للتعبير عن أحلامه ومخاوفه، بدلًا من أن يظلّ محاصرًا بصور العنف والخسارة. ومن هنا، لا تنحصر أهمية الشعر في موضوعاته، بل في قدرته على فتح مساحة للتأمل والتواصل، وعلى تذكير الإنسان بأن هناك ما يستحق أن يُصان ويُحتفى به خارج منطق الصراع.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

وتؤكد أن إقامة مهرجانات من هذا النوع في بلدان غير عربية تمنح الرسالة الثقافية مدى أوسع، لأنها تنقل التجارب العربية إلى جمهورٍ مختلف، وتتيح للشعراء أن يلتقوا بأصوات تنتمي إلى بيئاتٍ أخرى، فيكتشفوا ما بينهم من مشتركاتٍ إنسانيةٍ، وما يثري تجاربهم من اختلاف. فالشعر لا يحتاج إلى تطابق المرجعيات كي يحقّق التواصل، وإنما إلى استعداد للاستماع وفهم الآخر، وإلى إيمان بأن الكلمة قادرة على بناء جسور لا تستطيع السياسة وحدها بناءها.

وبهذا المعنى، فإن رسالة المهرجان، كما تراها حوماني، هي أن الشعوب لا تحب الحرب، وأن الإنسان لا يمكن اختزاله في الصراعات التي تدور باسمه أو فوق أرضه. فالعالم بحاجة إلى تخليص الأرواح من آثار الحروب، وإلى توجيهها نحو الشعر والجمال والحياة، لا باعتبار ذلك هروبا من الواقع، بل سعيا إلى استعادة ما تحاول الحروب انتزاعه من الإنسان، قدرته على الحلم، وعلى التواصل، وعلى رؤية الآخر بوصفه شريكًا في الحياة لا خصما فيها.

أهمية الشعر

ويرى الشاعر الأمريكي جورج والاس أن المشاركة في مهرجان يحمل اسم العراق القديم تمثّل، بحدّ ذاتها، تأكيدًا على أهمية الشعر وقدرته على توحيد العالم، رغم ما يواجهه من صعوباتٍ وتعقيدات. فاختيار اسم بلاد ما بين النهرين ليس مجرّد استعادة لعنوان تاريخي، بل هو استحضار لذاكرةٍ حضاريةٍ يمكن أن تتحوّل إلى نقطة التقاء بين ثقافات متعدّدة، تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، وتمنح الإنسان فرصة للتعرف إلى الآخر من خلال الإبداع.

ويضيف والاس أن العالم المتسلّط أقام جدرانًا حول الكلام، وأن الحكومات والسلطات تسهم، بدرجات مختلفة، في بناء الحواجز بين البشر، سواء عبر تضييق مساحات التعبير أو فرض الحدود التي تحول دون التواصل الحر بين الشعوب. وفي مواجهة ذلك، تبرز أهمية الشعر بوصفه فعلًا قادرًا على عبور هذه الحواجز، لا بالقوة أو الصدام، بل بالكلمة التي تتيح للإنسان أن يسمع صوت الآخر، وأن يكتشف ما يجمعه به من مشاعر وأسئلة وتطلعات.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

ويؤكد أن الشعر يمتلك أهميةً كبيرةً لأنه يزيل الحواجز، ويفتح المجال أمام الثقافة لكي تؤدّي دورها في التقريب بين الشعوب، كما يمنح المثقفين فرصةً أوسع للحضور والمشاركة في الحياة العامة، بعيدا عن العزلة التي قد تفرضها عليهم الظروف السياسية والاجتماعية. فالثقافة، في هذا السياق، ليست نشاطًا هامشيًا أو ترفًا يمكن الاستغناء عنه، وإنما مساحةً للتفاعل الإنساني، تساعد على بناء علاقات تتأسس على المعرفة والحوار بدلا من الخوف والريبة. ومن هنا، تصبح المشاركة في مهرجان ميزوبوتاميا تجربةً تتجاوز قراءة القصائد، لتؤكّد أن التواصل الثقافي قادر على إيجاد مساحاتٍ مشتركةٍ حتى في واقعٍ تتكاثر فيه أسباب الانقسام. فالشعر لا يلغي اختلاف الشعوب، لكنه يمنحها فرصة للتعامل معه بوصفه تنوعا إنسانيا، لا جدارا جديدا يفصل بينها.

فعل إنساني

في حين يرى الشاعر والفيلسوف الفرنسي فيليب تانسلان أن الشعر لا يستطيع تحرير العالم المشحون بالحروب والحصارات والصراعات الاقتصادية، ولا يمكنه أن يوقف آلة القتل بمجرّد كتابة قصيدةٍ أو إلقائها أمام جمهور، لكنه يظل فعلا إنسانيا وثقافيا مهما في مواجهة هذا الواقع. فالشعر، في تصوره، لا يمتلك أدوات السياسة ولا وسائل القوة التي تتحكم في مصائر الشعوب، غير أنه يمتلك ما هو مختلف، أي القدرة على إثارة الأسئلة، وتحريك الوعي، وإعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام، بعدما أصبح في كثير من الأحيان ضحية لصراعات لا تمنحه قيمته التي يستحقها. ومن هنا، فإن أهمية الشعر لا تقاس بقدرته المباشرة على تغيير الوقائع، بل بما يستطيع أن يتركه في الوعي من أثر، وبما يفتحه أمام الإنسان من إمكانات للتفكير في عالم آخر لا تكون الحرب فيه هي اللغة الوحيدة المسموعة.

ويضيف أن على الشعراء أن يمارسوا دورهم في إثارة هذا الوعي، وأن يدافعوا عن المعنى الإنساني، وأن يعملوا على إيصال صوت الشعر إلى عالم منشغل بصراعاته السياسية والاقتصادية، حتى لا تظل القصيدة محصورة في فضاء ضيق، أو تتحول إلى فعل ثقافي منفصل عن الحياة. فالشاعر، كما يبدو من هذا التصور، لا يكتب لكي يكتفي بالتعبير عن ذاته، وإنما لكي يشارك في بناء وعي يتجاوز حدود تجربته الفردية، ويمنح الآخرين فرصة لرؤية العالم من زوايا مختلفة. ولعل هذا ما يجعل سؤال أهمية الشعر متصلا بسؤال المسؤولية: ما الذي يمكن للكلمة أن تفعله حين تعجز القوة عن صناعة السلام، وحين تتحول المصالح إلى جدران تفصل الشعوب بعضها عن بعض؟

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

ويشير تانسلان إلى أن الشعر يعني الوعي، كما يعني التلاقي بين الشعوب، مثلما تفعل الفنون الأخرى، فهو مساحة للتواصل وتبادل الأفكار، ومحاولة لاستعادة الإنسان من دوامة الصراعات. وعندما يلتقي شعراء من بلدان مختلفة، فإنهم لا ينقلون قصائدهم وحدها، بل يحملون معهم ذاكراتهم وتجاربهم وأسئلتهم، ويضعونها في مواجهة ذاكرات وتجارب أخرى. وهنا يصبح الاختلاف فرصة للتعارف، لا سببا للتنافر، وتتحول القصيدة إلى جسر يمكن أن يعبر عليه الإنسان نحو الآخر، حتى حين تفصل بينهما السياسة أو الجغرافيا أو اللغة.

ولهذا، كما يرى، يسعى كثير من الحكام إلى إبعاد كل من يحاول إثارة الأسئلة وتثوير المعنى، لأن الوعي يفتح أبوابا للتفكير، ويمنح الإنسان القدرة على مساءلة واقعه، وعدم الاكتفاء بما يقدم له من إجابات جاهزة. فالكلمة التي تثير السؤال لا تكتفي بترديد ما هو قائم، بل تحاول أن تكشف ما وراءه، وأن تمنح الإنسان فرصة للتفكير في شروط حياته ومصيره. ومن هنا تأتي أهمية الشعر بوصفه فعلا ثقافيا لا يكتفي بتجميل الواقع أو الهروب منه، وإنما يتيح النظر إليه بطريقة مختلفة، ويعيد طرح الأسئلة التي قد تحاول السلطات أو المصالح السياسية إبعادها عن المجال العام.

وبذلك، فإن الشعر، في سياق مهرجان ميزوبوتاميا، لا يقدم نفسه بديلا عن الفعل السياسي أو عن الجهود التي ينبغي أن تبذل لإيقاف الحروب، لكنه يطرح ضرورة ألا يُترك الإنسان أسيرا للغة الصراع وحدها. إنه محاولة لإبقاء مساحة للوعي والجمال والحوار، وللتأكيد أن العالم لا يمكن أن يستمر بالقوة وحدها، وأن حاجته إلى الشعر تنبع من حاجته إلى صوت يذكّره بأن الإنسان ليس رقما في حسابات السياسة والاقتصاد، بل كائن يمتلك ذاكرة وحلما وحقا في الحياة.

جمع الثقافات

أما الشاعر المغربي عبد الهادي السعيد، فيرى أن الكلمة الشعرية تظل محمّلة بالحياة، على العكس من السياسة التي غالبًا ما تكون محمّلةً بالحروب والصراعات، وما تتركه من آثار في حياة البشر. ومن هنا، فإن سؤال أهمية الشعر لا يتعلّق بقدرته على إيقاف الحروب بصورةٍ مباشرة، بقدر ما يتعلّق بما يستطيع أن يفعله في وعي الإنسان، وفي إعادة الاعتبار إلى الحياة بوصفها قيمة تستحق الدفاع عنها.

ويضيف أن المهرجان كان فرصةً مهمةً لتبيان أهمية الشعر في عالم تتّسع فيه مساحات الصراع، وقد قرأت من تجربتي الشعرية ما يتّصل بما هو غارس في معنى الحياة وأهميتها، باعتبار أن القصيدة ليست انعكاسًا للواقع فحسب، بل هي محاولة لاكتشاف ما يمكن أن يكون عليه هذا الواقع حين يتحرّر الإنسان من الخوف والعداء، ويستعيد حقّه في الجمال والطمأنينة.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

ويشير السعيد إلى أن المهرجان أتاح فرصة لجمع الثقافة الشعرية والسينمائية والتشكيلية والنقدية، وهو ما يجعل مساحة اللقاء أكبر من مساحة التقاطع والاختلاف. فمرجعيات المشاركين، على تعدد مصادرها وتنوع تجاربها، لا ينبغي أن تكون سببا للتنافر، بل يمكن أن تتحول إلى منطلق للحوار وإنتاج المعنى، وإلى وسيلة لاكتشاف المشترك الإنساني الذي يجمع الشعوب رغم اختلاف لغاتها وثقافاتها.. ويؤكد أن الشعر ينفتح على العالم، ويوسّع إمكانات الجمال فيه، لأنه يمنح الإنسان فرصة للتعبير عن أحلامه ومخاوفه وأسئلته، ويعيد إليه صوته حين تضيق به مساحات التعبير. وفي المقابل، فإن السياسة، حين تتحول إلى أداة للصراع وفرض الهيمنة، تضيق الخناق على البشر جميعا، ولا سيما البسطاء الذين يجدون أنفسهم في الغالب أول المتضررين من الحروب والأزمات الاقتصادية.. وبهذا المعنى، لا تكمن أهمية الشعر في أن يحل محل السياسة أو أن يدّعي امتلاك القدرة على إنهاء الصراعات، بل في أن يظل صوتا إنسانيا يذكّر العالم بأن الحياة أوسع من الحسابات السياسية، وأن الشعوب، مهما اختلفت، قادرة على اللقاء حين تفتح للفن والثقافة أبوابهما.           

امتداد معاصر

ويرى الشاعر الإسباني ألفريدو بيريث آلنكارت أن اسم "ميزوبوتاميا" يرسّخ في الذاكرة بوصفه شاهدًا على المكانة التاريخية التي احتلّتها الكلمة والثقافة في العالم، فبلاد ما بين النهرين ليست مجرّد تسميةً تستعيد ماضيًا عريقًا، وإنما إحالةً إلى حضارةٍ ارتبطت ببدايات الكتابة والمعرفة، وهو ما يمنح المهرجان دلالةً تتجاوز حدود الأمسيات والقراءات الشعرية. ويضيف أن ما نشهده في هذه اللقاءات، من اجتماع شعراء العالم القادمين من جهاتٍ وثقافاتٍ مختلفة، يمثّل امتدادًا معاصرًا لتلك القيمة، ويجعل الاسم حاضرًا في فعلٍ ثقافيّ متجدّد لا يكتفي باستعادة الذاكرة، بل يسعى إلى توسيع أثرها في الحاضر.. ويشير آلنكارت إلى أن التكريم الذي شهده المهرجان أضفى عليه بعدًا عالميًا إضافيًا، من خلال جمع ثلاثة أصواتٍ شعرية تمثل البيرو وأمريكا الشمالية والعراق، إلى جانب امتداد المشاركة إلى أوروبا، بما يعكس تنوّع التجارب والمرجعيات التي تلتقي في فضاء واحد. فهذه اللقاءات لا تقوم على تشابه التجارب بقدر ما تستمد قيمتها من اختلافها، ومن قدرتها على إيجاد لغة مشتركة لا تلغي الخصوصيات، بل تتيح لها أن تتجاور وتتفاعل.

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟

قراءة مخرجات في مهرجان ميزوبوتاميا

ويؤكّد أن الشعر يشكّل جسرًا بين الثقافات، لما يمتلكه من قدرةٍ على توعية الناس، وإثارة أسئلتهم، ومساعدتهم على الشعور بأن الحياة يمكن أن تكون أجمل ممّا تفرضه ظروف الصراع والقلق. غير أن أهمية الشعر، في رأيه، لا تتوقّف عند إلقاء القصائد أو الإصغاء إليها، بل تتجلّى بصورةٍ أعمق في طبيعته التفاعلية، وفي العلاقة التي تنشأ بين الشاعر والمتلقي. فحين تتحوّل القراءة إلى مشاركةٍ وجدانية وفكرية، يصبح المتلقّي طرفًا في إنتاج المعنى، لا مجرّد مستمعٍ يتلقّى الكلمات، وتغدو القصيدة مناسبة لإعادة التفكير في الذات والعالم.

ومن هذا المنطلق، يرى آلنكارت أن اجتماع شعراء ينتمون إلى دولٍ متصارعة حول مائدة الفهم والحوار، يمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا للتواصل، لأن الشعر يمنحهم فرصة للالتقاء خارج لغة الخصومة، والتعرّف إلى الإنسان الكامن خلف المواقف والحدود. وهو لا يعني أن القصيدة قادرةٌ وحدها على تغيير الواقع أو إزالة أسباب الصراع، فذلك فعلٌ معّقدٌ يحتاج إلى جهودٍ متعدّدة، لكنه يعتقد أن تغيير العقلية يبدأ أيضا من تغيير طريقة النظر إلى الآخر، ومن القدرة على الإصغاء إليه وفهم تجربته.. ويخلص إلى أن هذا الدور، وإن بدا صعبًا وبطيئًا أمام حجم الأزمات، لا ينتقص من أهمية الاستمرار فيه، فالشعر لا يقيس أثره دائما بالنتائج المباشرة، وإنما بما يتركه من أسئلةٍ وتحوّلاتٍ في الوعي، وبما يتيحه من إمكاناتٍ للتقارب. ومن هنا، فإن استمرار مهرجان ميزوبوتاميا في جمع هذه الأصوات يمثّل جهدًا ثقافيًا متواصلًا لإبقاء الحوار ممكنًا، وللتأكيد أن الكلمة تستطيع أن تفتح مساراتٍ للفهم، حتى حين تبدو الطرق الأخرى مغلقة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

العين الشاخصة في عتمة الفناء:

أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمر)
قراءات

العين الشاخصة في عتمة الفناء: أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمر)

غالب المسعودي تعود المنحوتات الحجرية في مَدار هذا التحليل إلى الكشف الأثري البارز المعروف باسم "كنز تل أسمر"، الذي استخرجته بعثة التنقيب التابعة للمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو برئاسة عالم الآثار هنري فرانكفورت خلال موسم 1933-1934 في موقع "إشنونا" القديم (تل أسمار حاليًا) الواقع في حوض نهر ديالى شرقي…

· 9 د
دستوبيا علمية مصرية ... قراءة في رواية (العاصفة الشمسية) للأديب أحمد فوزي
قراءات

دستوبيا علمية مصرية .. قراءة في رواية (العاصفة الشمسية) للأديب أحمد فوزي

د. م. طارق إبراهيم الشناوي مقدمة: صدرت هذه الرواية عام 2026، وهي تنتمي إلى أدب الخيال العلمي، حيث تدور أحداثها في الفترة بين عامي 2045 و 2050. تبدأ أحداث الرواية وقد أصبحت الطاقة الشمسية تغذي العالم كله، وأصبحت أسعار الطاقة رخيصة للغاية، وأصبحت شبكات الطاقة الكهربائية في جميع دول العالم مربوطة…

· 9 د
"شجرٌ يهاجر قبل الطيور".. 
انهيار المكان والذاكرة لهيب عبد الخالق بين جدية الفقد واللامبالاة
قراءات

"شجرٌ يهاجر قبل الطيور".. انهيار المكان والذاكرة لهيب عبد الخالق بين جدية الفقد واللامبالاة

"شجرٌ يهاجر قبل الطيور".. انهيار المكان والذاكرة لهيب عبد الخالق بين جدية الفقد واللامبالاة - جسدت فضاءً شعرياً لا متناهي مغمس بالوجع الذي يعانيه الواقع المازوم - أَطَرَت صورتها الشعرية بتبدل الحال من الاستقرار الحتمي إلى ما تخلفه الحروب من دمار سعد الدغمان في قصيدتها "شجرٌ يهاجر قبل الطيور" تفتح…

· 12 د