يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر، وشقيقي بحكم ذلك القرب الذي لا تصنعه الأنساب وحدها. لم تكن المسافة بين أعمارنا تسمح لي بأن أراك من بعيد، كما يرى الصغار أعمامهم، بل كنتَ رفيقًا في زمن واحد، نمضي فيه معًا، ونكبر فيه معًا، حتى جاء هذا الموت اللعين فاختار أن يترك أحدنا على الضفة، ويأخذ الآخر إلى حيث لا تصل الرسائل ولا تجدي المكالمات. يا هادي، ما أقسى أن يبلغ الإنسان من العمر ما يجعله يظن أنه تصالح مع الفقد، ثم يكتشف، عند رحيل قريب عزيز، أنه ما زال ذلك الطفل الذي يبحث في وجوه الناس عن وجه غائب، ويرفض أن يصدق أن الغياب هذه المرة نهائي. لقد عشتُ طويلًا، وودعتُ أحبة وأصدقاء، وقرأتُ في التاريخ أخبار الملوك الذين ماتوا، والمدن التي اندثرت، والدول التي سقطت، لكنني حين وقفت أمام خبر رحيلك، شعرت بأن كل ما تعلمته عن الموت لا يساوي شيئًا أمام وجع صغير يسكن القلب ويقول: لقد مات هادي. مات الرجل الذي كنت أستطيع أن أناديه عمي وأخي في اللحظة نفسها. مات واحد من أهلي، ومن عمري، ومن تلك الأيام التي لن تعود.
رجلٌ حمل بغداد في قلمه، والتاريخ في ضميره
ولد هادي مسير الربيعي عام 1950، في زمن كان فيه العراق يتأهب لسنوات من التحولات الكبرى، وكأن القدر أراد له أن يكون شاهدًا على تاريخ لا يكف عن مفاجأة أبنائه. درس في جامعة بغداد، وحصل على شهادة البكالوريوس، ثم دخل عالم الصحافة العراقية عام 1970، شابًا يحمل طموح المعرفة وشغف الكلمة. لم تكن الصحافة بالنسبة إليه مجرد مهنة يتقاضى منها راتبًا، بل كانت حياة يومية بين الأخبار والناس والحروف، وكانت مدرسة يتعلم فيها المرء كيف يصغي إلى نبض المجتمع، وكيف يلتقط من ضجيج الأيام ما يستحق أن يبقى. مضى في هذه المهنة سنوات طويلة، حتى تولى إدارة تحرير مجلة الشبكة العراقية، وكان عليه أن يعيش ذلك التوتر الجميل بين سرعة الصحافة وصبر المعرفة، بين الخبر الذي يولد في الصباح وقد يشيخ عند المساء، والحقيقة التاريخية التي تحتاج إلى أعوام كي تستقر في مكانها. ولم يكتفِ بما منحته إياه الصحافة من خبرة، بل عاد إلى الدرس الأكاديمي، فحصل على الماجستير والدكتوراه من معهد التاريخ العربي، متخصصًا في التاريخ الإسلامي. ولعل في هذا الجمع بين الصحافة والتاريخ ما يكشف جانبًا من شخصيته العلمية؛ فقد أمضى جانبًا من حياته يلاحق الحاضر، ثم ذهب إلى الماضي يسائله، وكأن الرجل كان يريد أن يفهم الإنسان في لحظتين متقابلتين: حين يصنع الحدث، وحين يتحول الحدث إلى ذاكرة. واليوم، يا هادي، يحدث ما لم نكن نريده أبدًا؛ تتحول أنت نفسك إلى ذاكرة، ويصبح علينا نحن الذين بقينا أن نحفظ اسمك من النسيان، وأن نروي للأجيال القادمة أن رجلًا من هذه العائلة عاش بين الصحافة والتاريخ، وأمضى عمره في صحبة الكلمة، ثم أغلق الموت دفتر أيامه قبل أن نشبع من وجوده بيننا.
تشرين الأول الذي سرق واحدًا من أعمارنا
أيها الموت، ألم تجد في هذا العالم الواسع غير هذا الرجل الذي كنا نريده أن يبقى؟ ألم تكفك كل تلك الوجوه التي أخذتها من موائدنا، وكل تلك الأصوات التي أسكتها غيابك، حتى جئت في تشرين الأول من عام 2026 لتأخذ هادي أيضًا؟ أعرف أن الموت لا يستأذن أحدًا، وأن الأعمار لا تقاس بما نتمناه لها، لكن المعرفة شيء، والقبول شيء آخر. لقد صار تشرين الأول عندي شهرًا مثقلًا بغيابك، وصارت سنة 2026 تحمل في سجلها العائلي جرحًا لن تمحوه السنوات. يا هادي، أتدري ما الذي يؤلمني أكثر من الموت نفسه؟ أن الحياة ستواصل سيرها بعدك. ستشرق الشمس، وتفتح الأسواق أبوابها، وتزدحم الشوارع بالناس، وتصدر الصحف، ويجلس الباحثون إلى كتبهم، كأن شيئًا لم يحدث. أما نحن، فسنعرف أن شيئًا عظيمًا قد حدث، وأن مكانًا في العائلة أصبح خاليًا، وأن اسمًا كان يقال للاطمئنان صار يقال للترحم. وسنكتشف قسوة التفاصيل الصغيرة؛ حين يرد اسمك في حديث عابر، أو تقع العين على صورة قديمة، أو نستعيد مناسبة جمعتنا، أو نتذكر كلامًا كان يبدو عاديًا يوم قيل، فإذا به بعد رحيلك يصبح كنزًا نتمنى لو حفظنا كل حرف منه. آه يا هادي، كم هي فقيرة هذه الدنيا حين نكتشف أن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بآلاف الكتب والوثائق والأوراق، لكنه لا يستطيع أن يحتفظ بصوت واحد ممن يحب. وكم يبدو التاريخ عاجزًا أمام الموت؛ فهو يستطيع أن يخبرنا متى ولد الإنسان، وأين درس، وماذا عمل، ومتى رحل، لكنه يعجز عن تسجيل تلك الرجفة التي تصيب القلب حين يدرك أن اللقاء الأخير قد مضى دون أن نعرف أنه الأخير.
نم قرير العين يا أخي... فقد أتعبنا الفراق
يا عمي، يا أخي، يا شقيقي الذي لم تلده أمي، ها أنا أكتب إليك ولا أنتظر جوابًا، وأحدثك كما لو أنك ستقرأ كلماتي وتعاتبني على هذا الحزن الذي لا أستطيع إخفاءه. ما أصعب أن يكتب المؤرخ مرثية لأحد أهله؛ فقد اعتاد أن يضع مسافة بينه وبين الوقائع، لكنه اليوم لا يجد مسافة بينه وبين دموعه. وها أنت تغادر الدنيا بعد ستة وسبعين عامًا، تاركًا وراءك اسمًا وتجربة علمية وصحفية، وأهلًا يعرفون أن قيمة الإنسان لا تختصرها شهاداته ولا مناصبه، وإنما تقاس أيضًا بما يتركه غيابه من وحشة في القلوب. سامحني يا هادي إن قصرت في حقك يومًا، وإن شغلتنا الحياة عن لقاء كان ينبغي أن يحدث، أو حديث كان يستحق أن يطول. سامحنا جميعًا على تلك العادة البشرية القاسية، حين نؤجل المحبة إلى الغد، ونحسب أن الأحبة باقون حتى نفرغ من مشاغلنا. لقد رحلت، ولم يبقَ لنا إلا الدعاء، وما أشد عجز الكلمات حين تصبح الدعوات آخر ما نستطيع تقديمه لمن نحب. اللهم ارحم هادي مسير الربيعي، واغفر له، وآنس وحشته، وأكرم نزله، واجعل ما قدمه من علم ومعرفة وعمل في ميزان حسناته. أما أنا فسأظل أذكرك لا بوصفك اسمًا في سجل الراحلين، بل بوصفك قطعة من عمري مضت معك. وداعًا يا هادي، يا أخي الذي كان عمي، ويا عمي الذي كان شقيقي، ويا وجهًا عزيزًا من وجوه عائلتنا. لم يكن موتك نهاية حياة واحدة فحسب، بل كان رحيل شيء من حياتنا نحن أيضًا. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة، فإني أقولها بقلب الأخ الموجوع، لا بلسان المؤرخ الذي اعتاد الكتابة عن الراحلين: يا هادي، لقد سبقتني إلى الطريق الذي سنسلكه جميعًا، ولكنك تركتني هذه المرة وحيدًا أمام ذكرى عمر كنا نتقاسمه. رحمك الله يا أخي، وجعل الجنة دارك، وجمعنا بك يوم لا فراق بعده، ولا خبر موت، ولا دمعة وداع. إنا لله وإنا إليه راجعون.








التعليقات