يولد الشعر عندما تولد الموهبة التي تخلقه أو تنظمه أو تصنعه أو تكتبه. وفي كل رؤاي التي كنت أكتبها عن الشعر، كنت أذكر شيئًا من البدء الحسّي لولادة القصيدة، منذ أزمنة الحروف وحتى زمن مايكروسوفت، والتمتّع بقصائد المتنبي ورامبو والسياب وغيرهم. وكنت أضع تاريخيةً بمرتبة البنية الحضارية الأولى للتفكير البشري.
ولأن الشاعر كان في كل أزمنة الكتابة الشعرية يحتاج إلى عُرف الديك ليثبت قوة ورجولة وعنفوان وتأثير القصيدة، والمرأة تحتاج إلى عطر التفاحة لتصنع لها مخيّلة القصيدة، كان عليهما أن يقفا يتأمّلان الأشياء التي معهما وحولهما، وعليهما أن يذهبا إلى تلك الأشياء ليحاوراها، وليعكسا عليها الرغبات والدهشة، ليكون نتاج هذا الانعكاس النص الذي وجدناه مدوّنًا على الألواح وورق البردي وأباريق الشاي.
إن فعل الشعر، أيام كانت الشهوة أعمق سرّ في الذات الإنسانية، كان فعلًا جبّارًا، وقادرًا على خلق وتغيير الكثير من الظواهر المجتمعية والطبيعية أيضًا، حتى جُعلت المعلّقات لصيقة بجدار الرب في الكعبة، وهذا يعني أن الشعر كان يمضي مع الهاجس الأكثر قلقًا في الروح البشرية، وهو هاجس الربوبية والوحدانية وما يصاحب هذا الهاجس من طقوس تعبّد ونذور وغير ذلك.
هذه المقدمة هي مبتدأ لدراسة المعاصر في الشعر التونسي الحديث، وقد أخذت شاعرة مجتهدة وجميلة في خلق الإحساس داخل النص، وكأنها ترسم العبارة بريشة من موهبة جميلة وعفوية، تحتفي بالابتكار والحس والهاجس الإنساني الجميل، مع بلاغة وشجاعة في اقتحام عالم آخر تصنعه دهشة الاقتراب من الأشياء والنظر إليها بحسّية وخطاب عفوي ولكنه خارج المألوف.
اخترت كريمة الحسيني حتى دون أن أراها وأعرفها، وعبر نماذج طُرحت عليّ لشاعرات وشعراء، وجعلتها نموذجًا أوليًّا لسلسلة من الرؤى أشتغل عليها عبر القراءة الجمالية للنص. وقد اخترتها لأنها تأتي بالنص شجاعًا، ويظهر بوحًا لذيذًا في إعطاء المشاعر مكانتها داخل النص، وتحرّكها بموازنات يشعر القارئ أنها كُتبت ببراءة، والحق أنها كُتبت بمهارة وسياق عاطفي يجعل النص قريبًا إلى القلب قبل أن يقترب من أي مكان آخر.
إنها تكتب بإحساس عالٍ يؤطّره ليؤكّد ذات رؤيتي في قراءة أول نص لها، وكان بعنوان "نحيب". والنص ليس قصيدة فقط، بل إنه حكاية إنسانية عن هاجس الانتماء ومتغيّرات الحياة، وكانت في هذا النص تنظر إلى الآخرين بعاطفة الانتماء إلى الأرض والوطن والأمومة وسنابل القمح، وفي مجمل رؤاها طقوس احتفائية وكونية يسودها الحزن والتحدي وخيال ذكريات جامح. وتُشعرك كريمة الحسيني أن الشعر الحقيقي يُكتَب ليؤصّل الفكرة القديمة التي تقول: يقف العالم على تلّة الكلمة ليتأمّل ما يحدث ويدور ويمكن أن يفعله، وهذا تأكيد أن العالم الذي خُلق بكلمة، لا بد أن يتذكر أن هذه الكلمة المنطوقة بالصوت لا بد أن تحمل بعض هيبة البلاغة وشفافية الموسيقى وعمق المعنى. لهذا أتى الإنسان بعقله عندما نعرف أن العالم لا يُعاش ولا يُدام ولا يتفاعل إلا بوجود الإنسان.
وهذا الصدق الكبير في أداء الكلمات والتفاعل الذي كتبته الحسيني في مرثية الوجود، لا يُكتب بهذه الطريقة إلا عندما يُعاش بهذه الطريقة، وأقصد ما يظهره النص من كمية شاسعة من الحزن والرسومات التشكيلية ودهشة في الحنين وخلق وعي العبارة الشعرية وجعلها ذات مغزى ومعنى ورسالة:
(( أهلي يقدّسون الحزن
يقدمون له كل سنة قربانًا وحفل شواء
يقصّون أجنحة الشمس
يقتلعون سنابل القمح
يسدّون منافذ الضوء ويقيمون العزاء
تعلّمت من أهلي أن أحزن قبل النوم، عند الفجر، وعند السفر. ))

هذا هو مبتدأ نص كريمة الحسيني، هو شيء من بانوراما كُتبت على شكل مرثية ونشيد مناجاة بشيء من احتراف الموهبة والشعور العميق بحاجة الشاعر أن يكون مع الآخرين قبل أن يكون مع نفسه. وكان بورخيس يقول: النظر إلى العالم الذي نتعايش معه من خلال الشعر هو أجمل العلاقات الخالدة.
إذن، كريمة الحسيني تخلّد الآخرين رغم أحزان حياتهم، ومن خلال قصيدتها تمدّ إليهم خيوطًا كثيرة من الدموع والآمال والحب والشوق والتعاضد، وتنقل حزنهم عبر القصيدة إلى عالم عليه أن يتعاطف مع المستلبين والمحرومين والعشاق أيضًا. وربما واحدة من الصور التي صنعت الدهشة في مرايا نص "الحسيني" تلك العبارة "يقصّون أجنحة الشمس"، إنها ابتكار جمالي لأبعاد كونية وإنسانية وتأمّلية أيضًا، وحدث يلتصق حتى بمتغيّرات طبيعة البشر في هاجسَي الروح وبيئة الأمكنة وتحوّلاتها.
لهذا تشعر أن قصيدة "نحيب" مكتوبة بوعي وفهم ودراية، ولغتها عالية الإيقاع والرؤية والمعنى، الذي يعيش داخل النص حرفة الانتقال من حسّ فيه مناداة واستهلال لمن هم قريبون من روح الشاعرة "الحسيني"، وفي خاتمة النص تلك الذكريات المقترنة بوصفية جميلة وحاذقة تبيّن لنا حرفية الشاعرة وقدرتها على خلق نص تتماثل فيه صور وعبارات وأحاسيس ومتعة واستعادة ذكريات وتمجيد للآلهة "الأم"، ومعها طقوس تُظهرها القصيدة مختفية أو معلنة.
هذا الابتهاج الحزين هو نشيد الحياة الذي علينا أن نجعله واقفًا على قدميه، وهذا ما فعلته "كريمة الحسيني" في مغامرة النص، وحوّلته من خطاب حنين ولهفة إلى خطاب كوني يعيد المجد إلى أدوار أناس كانوا مهمّين في حياتنا، وهم وحدهم من يمتلكون القدرة على جعل حياتنا ذات فائدة رغم كل النكبات والمآسي:
(( أهلي إذا اجتمعوا
اصطفّت صناديق الموتى وكثُر البكاء
ستعُدّنا أمي وتُخطئ في العدّ
بعضنا رحل إلى السماء
حين كانت توقد الشمع في خلوة الأولياء
وتتضرّع إلى الله كي يحفظنا
أمي امرأة حلوة، لكن حزنها يغطّي بشاشة وجهها
ويطفئ لون الحياة، كلما ضحكت سقط طفل من حلقها
وابتلعته الأرض، فيغيب ويغيب، ولا نكفّ عن النحيب ))
هذه القصيدة بجماليتها وقراءتها بشعرية النص وتحوّلاته لتكون حكاية لواحدة من أهم صراعات الوجود المرتبطة بالأرض وذكرياتنا ولحظات القدر التي تفرّقنا عن بعضنا، وقد أظهرت الشاعرة كريمة الحسيني مهارة كبيرة في بناء نص معبّر وجميل وعميق أيضًا، حتى إنك تشعر أنها تبني فكرة مدهشة قبل أن تبني بيتًا شعريًا جميلًا...
( يتبع )







التعليقات