انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر

نصير الشيخ
نصير الشيخ

شاعر وكاتب واعلامي عراقي

5 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر
مشاركة:

(1)

    يرى هيدجرأن الشعر على افتراض وجود أهمية انطولوجية له،لاتكمن أهميته الانطلوجية في قدرته على الكشف عن اسرار الكينونة والاشياء في ذاتها،((إنها لاتتخطى،ولايمكن ان تتخطى تنبيهنا الى ان اللغة هي من مكونات الواقع أو أن الواقع يقيم في اللغة. وهنا تظل التجربة الشعرية،وبلاشك محاولة لاختراق جدار اللغة توخياً لردم الهوة بين الذات والموضوع)).ص 106

شكلت المجموعة الشعرية المعنونة (( أقدام لاتصلح للهرب)) للشاعرياسر الياسري،والتي هي نتاج كُتبَ في مرحلة عسيرة من حياة العراقيين إبان الحصار الاقتصادي على العراق منذ عام 1991،ويشير تاريخ طباعتها الى عام 1998م،أي انها واقعة لحظة كتابتها وتاريخ إصدارها تحت مهيمنات عدة،كانت تتلوى فيه الذات الشاعرة كرقم في عداد الجوع واستنشاق هواء الحرية، وبالتالي فهي أي المجموعة " خطاطة" داخلة في المسار النقدي الذي سلط الضوء على عشرات المجموعات والدواوين الشعرية في تلك السنوات. أقدام لاتصلح للهرب والتي صدرت بطريقة ""الاستنساخ" أراد منها شاعرها وهو الأكاديمي في تخصص " السمعي والمرئي" في اكاديمية الفنون الجميلة ــ بغداد، أن يوقظ حسه الشعري على شكل صرخة ربما، وبالتالي يترك بصمته في مساحة الكتابة شعراً، ذلك لما تعتمل فيه روحه وذاته الشاعرة من بوحٍ وتعبيرٍ، في مسارٍيعلي من صوتهِ الخاص المحاصر والذائب في آتون حصارات الأزمنة.

مهيمنة الرمز / الغراب

   نمسك في نصوص الشاعر ياسر الياسري اشتغالات صورية حاملة بصمة الشعر، ذلك انها تندفع بفيض القول المخاطب للآخر ( ذاتً وموضوعا)، منطلقة من تماهٍ حسي مع اعمال الفنان العراقي علاء بشير،حيث رؤية الشاعرتولدُ صورها الشعرية/ منبثقة من ( االلوحة ) أي العمل الفني،وبما يشبه اشاراتٍ ومعنى وحزمة ألوان.وهنا تجد الذات الشاعرة مداها لأقتناص هذا البث الإشاري ومن ثم تحويله الى صورة شعرية محتفظة بدفقها الإنساني، متخذة موقفها الوجودي في حقل الكتابة.

((وبقدر مايظل رمزاً للشؤم والموت،يرمز الغراب الى سحر الحياة وأسرارها الخبيئة،ويعدُ الغراب طائراً طوطمياً منذ أقد العصور.ففي الحضارات القديمة كان الغراب النذير الذي يقود الأرواح البشرية الى الدار الآخرة،ويعتقد ان الغراب يظل حامل القانون المقدس والنبؤة)).ص25

في نصوصه المعنونة ( أقدام لاتصلح للهرب) والمهداة الى الفنان ( علاء بشير) نمسك بالخيط الناظم للنص والمقسم الى خمس صور شعرية متناوبة الطول، يحضر فيها طائر( الغراب) حضوراً شعريا ًورمزاً يتنافذ مع مفردات الشاعر.

تحت غطاءٍ مثقوب / أفترش الريح مناديلا

وأمسح آثاري وأواصل ُ هربي..

غراب ٌ أسود ُُيأكل عيني.

يحضر الغراب هنا دون سائر الطيورمثلا، ويبدو أن الذات الشاعرة تنتمي في فضائها العيني الى بدئية الفكروظلال الصورة، حيث الغراب وعمقه التاريخي والأسطوري والديني،منذ مأثرة قابيل وهابيل،وحضوره قاسماً مشتركاً ومحكماً لما آلت اليه الأمور،حيث الدرس الأول للبشرية في موارة سؤءة أخيه.

ينفتح النص الشعري لدى ياسر الياسري على أفق اكثر رحابة،وبقدر محدودية المفردة

وشحتها العاطفية لحظة كتابة النص، إلا أن الرؤية تأخذ ابعادها لتتشكل لنا صور شعرية تؤدي غرضها الحامل لمدلولها.

حين أكون صغيراً

غراب ٌابيض يلامس رأسي المقطوعْ.

هنا لايحيلنا الشاعر الى طفولته أي " الصغر"، بل هو يجد كينونة آخرى يتعقبها الخوف المزمن ورمزيته الغراب.حيث القول ( حين أكون صغيرا)،وكأن مأساة الغراب تجددُ مع الوجود البشري في صراعٍ لاينقطع.

(( إن استعمال الرموزيتعلق بطبيعة التجربة الشعرية وتجلياتها الذاتية، فهي من أهم ابنيات النصية التي نستشف عن طريقها طبيعة الواقع وتحولاته داخل النص الشعري، من هنا يعدث الرمز حقيقة الواقع،وأحد السبل للكشف عن جوانياته المضمرة).*

وكأننا نرى مقدار التنافذ الحيوي بين عين الرائي ( الشاعر) واللوحة ( الغراب) في إنشائية صورية امتدت عبر مجسات الحس والتأثيرومعادلة الرمز الحاضر.

حين أشيح ُ بوجهي

يرقبني من بين الصدأ الأسود

غرابي ....

مخرجات الكون اللوني والرمزي ممثلا في لوحة الغراب وتجسير حضورها في ذات الشاعر،فكراً وإحساساً،أمدهُ بطاقة التصوير الشعري،ذلك أن الشعر ببروقهِ وسحبهِ يحضر دائماً ليؤرخ لحظة الكتابة على متن الورقة. والشاعر ياسر الياسري يهرب من ــ الى لتدوين لحظاته الهاربة، مندغماً في فيها، حاملاً كل خوفه وطفولته المستفزة ووحدتهِ..ليجد أن احتماءهِ بالقصيدة قد شكل له " حائط صد" ضد روع ْ الخارج / العالم، مبتنياً له " رحماً إموميا" يقيه غائلة الرعب المتوالد بدواخلهِ، هذه الغائلة التي تتغدى من حضورالكائن ــ الرمز ومهيمناته الشعورية.

حين أكون صغيراً / يأكل عيني ...

وحين أكون وحيداً/ يؤلمني ظلي.

وأذبلُ..أذبلُ تحت غطاءٍ مثقوبْ.

(2)

مهيمنة الحرب والطفولة

ترى هل الكتابة في حقل الشعرهي بوح إنساني تستفزه عاطفة جوانية بشرية أخذة شكلها اللوبي،بإتجاه عوالم آخرى خارج الذات ربما.

أم انها تأمل وجداني بحمولات فكرية ومعرفية، يضيئ مديات عتمة هذا العالم،وبالتالي المراهنة على قدرته على الكشف والتجلي في مساريه : الرؤية والكتابة.

والنص الشعري هو الذي يمكننا من الإمساك بخيوط صنعته، والدخول الى عوالمه عبر صور شعرية تنسج تنوعها الدلالي والرمزي. والشاعر ياسر الياسري في نصوصه يجد نفسه دائما محاطاً بالوحدة، وأفقه غائم أبداً، والحزن نامياً على أردانهِ.

( الوحدة ــ السواد ــ الحزن) مفردات شكلت متوالية القهر الإنساني، المؤثر في حياة الشاعرومنطوقه الشعري الذي بين يدينا، وكأن بالشاعر ظل في مواجهة عسيرة بين ذاته المستفزة بخيالاتها، وبين العالم الضاج بالحروب والخراب والخيبات. لذا تتوالد هذه المتوالية في نصوصه المعنونة ( ذكريات الطفولة والحرب)..

وحيداً أركضُ خلفكَ / متشحاً بسواد الليل

وبياض الراياتِ المنسوجة من : أثواب الريح.

ينمو حزني من أطراف ردائكْ.

( بهذا التوصيف المريريشكل الخطاب الشعري عبر ربط المدينة بالسواد والذي يرمزالى الموت الذي جاءت به الحروب. وبذلك تصبح إحالة السواد هي إحالة حروب لها تأثيرها الكبيرعلى مدينة الشاعر،فصار السواد رمزاص كاشفاً عن معاناة إنسانية)*

نصوص الشاعرياسر الياسري، أشتغلت في منطقة الشعرحاملة بوحها الإنساني، ذاتاً تعتمل فيها ضغوطات الداخل وخراب الخارج. ومن ثم أختارت لغتها الطيعة الواضحة، الباحثة عن معنى يمكن ايصاله الى الآخر، وبحمولات سياسية واجتماعية مارست حضورها في نصوص الشاعر، ذلك أن الكتابة شعراً لديه هي تصوير الموقف الإنساني، ونقطة تمركزللذات في محاولتها تكثيف وجودها العيني، وبرسائل مشفرة ضد الفناء،ومن ثم فتح مجال أوسع تستعيد فيه نفس الشاعرحضورها، عابرة فيه كل مخاوفها.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

بين استعادة الماضي وتوثيق التجربة الإنسانية

بشرى عبد الأمير في «من الجدير ذكره».. سرديات الذاكرة ووجع الوطن ودهشة المكان
قراءات

بين استعادة الماضي وتوثيق التجربة الإنسانية بشرى عبد الأمير في «من الجدير ذكره».. سرديات الذاكرة ووجع الوطن ودهشة المكان

بقلم: حمدي العطار مدخل: بين السيرة الذاتية وأدب المذكرات لا يقتصر أدب المذكرات على استعادة أحداث الماضي بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل التجربة الشخصية، واستحضار الأمكنة والشخصيات والمواقف التي تركت أثرها في ذاكرة الكاتب. وإذا كانت السيرة الذاتية تميل إلى تقديم مسار الحياة في امتداده الزمني، فإن…

· 11 د
عندما تفتننا البلاغة بالقبح:

قراءة ثقافية في كتاب«جماليات القبح في الشعر العربي» للدكتورة سرى ظافر سلمان
قراءات

عندما تفتننا البلاغة بالقبح: قراءة ثقافية في كتاب«جماليات القبح في الشعر العربي» للدكتورة سرى ظافر سلمان

ليس كل ما يثير الإعجاب جميلاً في جوهره، وليس كل ما يستميل الذائقة يستحق الاحتفاء به أخلاقياً. فقد يحدث أن نقف أمام قصيدة تأسرنا بإيقاعها، وتدهشنا بصورها، وتستدرجنا بلاغتها إلى أقصى درجات الانفعال، بينما تختبئ بين أبياتها أفكار تحتفي بالعنف، أو تمجّد الاستعلاء، أو تنتقص من الآخر، أو تختزل المرأة في…

· 9 د
المأزق المعرفي وسقوط  الأقنعة الطبقية

قراءة نقدية في قصة "داخل بالون القلق" للكاتب محمد فيض خالد
قراءات

المأزق المعرفي وسقوط  الأقنعة الطبقية قراءة نقدية في قصة "داخل بالون القلق" للكاتب محمد فيض خالد

تشكل القصة القصيرة في متنها الحديث أداة تشريحية للمسكوت عنه اجتماعيًا ونفسيًا، حيث يتجاوز الحدث العابر حدوده السردية المباشرة ليتحول إلى مرآة كاشفة لتناقضات المجتمع. وفي قصة "داخل بالون القلق" للكاتب محمد فيض خالد، الصادرة في جريدة المصري اليوم، نجد أنفسنا أمام نص محكم البناء، يمزج ببراعة بين…

· 3 د