الكل يعرف اننا الان في زمن الانحطاط الثقافي بجميع اشكاله السياسية والاقتصادية والتعليمية، حيث يرتقي للبرلمان من هو لا يعرف بوعه من كوعه في السياسة، ويستولي على المناصب من هم ليس اهلا لها، وتقام مهرجانات تسمى ثقافية وهي مشاركة وفعالة في الخراب الثقافي، مثل عشرات المهرجانات التي اقيمت في مدينة البصرة، من قبل منظمات تسمي نفسها ثقافية، وهي في الحقيقة لا علاقة لها بالثقافة، أو من قبل أشخاص يمتلكون وفرة مالية، يسيطرون على المشهد الأدبي والثقافي بإقامة مهرجانات لا قيمة لها، وحتى مهرجان الجواهري ومهرجان المربد تجد جميع جلساته، والقصائد التي تقرأ به قصائدا تقليديةً مملة وتسمع ضجة صاخبة في القاعة، ونجد الان على مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الجلسات اللاثقافية في اغلب اتحادات المحافظات،
او جلسات هشة عن شاعر أو احتفاء بشخصية ليس لها أي قيمة ثقافية.
رغم كل هذا الخراب الثقافي، ينبري لنا مهرجان بوابة عشتار دورة الشاعر شريف الزميلي او الزاملي، وكانه يزيح ويكنس جميع هذا الخراب.
مهرجان في منتهى الرقي والتنظيم الجيد، وحتى الوقت لا يوجد شاعر يقرا ربع ساعة على المنصة، ويمله الجمهور كما يحدث في بقية المهرجانات، ولا سيما المربد بل حتى وقت الشاعر كان محسوبا لا يتجاوز الخمس دقائق،
ناهيك عن الهدوء التام في القاعة بدون ضجيج ولا صخب ولا الله الله الله ولا تصفيق عالي أعد ما أعد، بل يصعد الشاعر يقرأ قصيدته بكل هدوء واحترام، وينزل من المنصة وتصفيق بارد وهادئ، وهذا ما ينم عن ثقافة حقيقية، وهذا ما يذكرني في ملتقى قصيدة النثر الذي اقيم في البصرة في العام ٢٠١٠ ، وكانت قراءات مهرجان بوابة عشتار نوعية متفردة بالحداثة، ونبذ كل شي تقليدي، الجميل في هذا المهرجان يعرفنا على دماء جديدة شواعر وشعراء جدد لم نسمع بهم، والكل يقرا قصيدة نثر حديثة، هذا مال لفت انتباهي في هذا المهرجان الرائع.
انا شاهدت المهرجان من افتتاحيته الى نهايته عبر منصات التواصل الاجتماعي، في تيك توك موقع اتحاد ادباء بابل وأنا جالس في بيتي، فلم ار فيه اي خلل إداري ولم ار فيه اي شائبة أو سوء تنظيم بل بالعكس، كان مهرجانا ثقافيا رائعا بكل معنى الكلمة. أشد على أيادي الهيئأة الإدارية المتمثل بالشاعر أنمار مردان على ما قدم لنا من فعل ثقافي رائع.
الشعراء الجدد المبدعون
اغلب الذين ارتقوا منصة مهرجان بوابة عشتار حقيقة لا اعرفهم، ولم التقي بهم في مهرجانات سابق، عدا كم شاعر، وهم شعراء جدد مبدعون فمنهم الشاعر ازهر صباح وهو يتحدث عن جواز سفره، وفي احدى قصائده يقول:
لم يعد هذا العالم
قرية صغيرة فحسب
صار اليوم اسرة واحدة
اسرة مفككة
تتصارع على الميراث
اما الشاعر خالد وليد احمد وقصيدته (التمرد الاخير) التي اعدت الاستماع اليها اكثر من مرة، كانت في منتهى الروعة حيث يقول:
ساخرج من جسدي
ساخرج للبحث
عن وردة حمراء
تناسب لون جرحي
كذلك أبدع الشاعر عباس حسين في مقطوعاته الشعرية القصيرة، التي جاءت كومضات اضاءت المهرجان إذ يقول :
عندما لوحت لك
بيدي لم اقصد الوداع
كنت امسح الدنيا لاراك
وفي نص اخر يقول:
اخي الذي ياكل لحمي
ضربته على ظهره
ليس طعنا
لقد رايته يختنق
وفي نص اخر له...
ابحث عن المرأة
التي نجحت
في الخروج من حياتي
اريد منها اخباري عن الطريق
الصحيح انا ايضا
اود الخروج.
أما الصديق الشاعر وسام الموسوي كانت له مشاركة رائعة في هذا المهرجان حيث قال: في إحدى قصائده
الاباء الفقراء
لا يحلمون بشيء
انهم يصعدون كل ليلة
الى السماء
وحين تفتح عينها
الشمس
يهطلون مثل الرزق
في جيوب ابنائهم
اما الشاعرة زهراء ناهض كانت قصيدتها جميلة، على الرغم من كثرة الاخطاء اللفظية فيها، وبامكان الشاعر بمرور الزمن أن يتجاوز هذه الاخطاء، أما كنص فكان نص انثويا بحت، تحيط به الفراشات وتتلامع الاضواء به من كل مكان، ناهيك عن الأزهار المرفرفات بين الكلمات فهي تقول: في قصيدتها الموسومة ( هذا العالم زهرة قصيرة)
الحديقة التي كانت تفكر في الصباح
لا تعترف فيها التقاويم
استيقظت في قلبها سؤال
كيف استطاع الشوك
أن يحاور الزهرة
وأن يجاورها كل هذا العمر
ولم يتعلم منها رائحة واحدة.
كذلك قصيدة ( طفل ضد الجغرافية) للشاعر محمد أحمد كانت من اروع القصائد التي قُرِئت في المهرجان، يسترجع الشاعر أيام طفولته ويتحدث عن بعد المسافة بلغة آخذة حيث يقول: في قصيدته
منذُ وقتٍ بعيد
وأنا أكرهُ فكرةَ الحدود
منذُ كنتُ طفلًا
في الصفِّ الابتدائي
حين استيقظتُ صباحًا
وسألتُ عن أختي الكُبرى
فقالوا:
تزوّجتْ
بعيدًا… بعيدًا
نهضتُ من فراشي
وحبَوتُ على الأرض
أجرُّ حذاءَ أبي الكبير
أضربُ به المسافة
تلك التي تبعدني عن أختي.
ما أريد أن اقوله أن مهرجان بوابة عشتار نجح نجاحا كبيرا في ترسيخ الثقافة العراقية الحقة، بانتقائه إلى اصوات جديدة حداثوية بعيدة عن صخب وضجيج المهرجانات التقليدية، فأقول شكرا لاتحاد الادباء والكتاب العراقيين المركز العام للدعم المستمر لاتحادات الفروع، وشكرا للهيإة الإدارية في اتحاد ادباء وكتاب بابل المتمثلة بالشاعر أنمار مردان.







التعليقات