قصيدة (مسافات جنوبية ساخنة)، التي تحمل عنوان مجموعته الشعرية الجديدة، محاولة جادة لمسرحة القصيدة، للشاعر والفنان المسرحي والناقد الدكتور مسلم الطعان، قصيدة نابضة بالوجع، تنتمي إلى أدب المقاومة والهم الإنساني، وتحديداً أدب الحصار المعاصر، وجع الحصار، وتكميم الافواه، والموت الذي تخشى ان يصادفك في اية لحظة، تلك الرحلة الشاقة التي شكلت صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية للفترة الممتدة لسنوات طويلة خاصة خلال تسعينيات القرن العشرين. تمثل مسرحة القصيدة، تمثيلا بارعا، إضافة الدلالات الشعرية والايحاءات التي تخفي خوفا من انفضاح امر المعارضة والرفض..
الخيال الذي ترتديه القصيده، هنا تخلعه لتهديه الى عناصر المسرح لترتقي بالقصيدة الى شموخ المسرح وجرأته، وما أعنيه هو مسرحة القصيدة، ولا تكتمل ملامحها الا باتقان كاتبها الشعر والمسرح، وتوافر ذلك لدى شاعرنا المبدع الطعان.
من فوق خشبة المسرح
تَطَلُ عليكم يا سادة:
شخصية جرحي الآخر
وترافقها شخصيات أخرى:
ریح و خريف و نزيف و حصار
الراوي يخاطب حبة الكبرياء
علها تعيد ما ضاع من حلمنا
على ضفة من لقاء ...!
هكذا تكون خيانة الأشياء
النص مشحون بالرمزية العالية والسريالية السوداوية ويتحرك فوق خشبة مسرح رمزية تجسد مأساة "الجنوب" ومعاناته.
ومن أبرز عناصر هذا المشهد المسرحي الشعري:
1- الشخصيات والسينوغرافيا الرمزية:
يتعامل النص مع الأفكار والمشاعر ككائنات حية تتحرك على الخشبة: الشخصيات الرئيسية، جرحي الآخر، ريح، خريف، نزيف، حصار؛ وهي شخصيات غير بشرية تجسد الحالة النفسية والواقعية للمجتمع المحاصر.
الراوي، صوت الوعي يخاطب "حبة الكبرياء"، وهي المحاولة الأخيرة للتمسك بالكرامة وسط الركام.
السيد العنكبوت وقادة الدود: رموز للسلطة القمعية، المستغلين، أو القوى التي تتغذى على مآسي الشعوب.
الموت، الفنان الأخير: يظهر كالمخرج الفعلي الذي ينهي هذه المسرحية العبثية، حيث "جوقة الدود" هي الجمهور والممثل في آن واحد.
إِنَّهُ الفَنَّانُ الذي يُسمّونَهُ المَوت
شلة من قادة الدود :
يَمْتَثلُونَ بينَ يَدِيهِ
و جماهير الدود المكافحة:
تنتظر الإشارة للشروع بالمسرحية:
مشهد العري تُرفع عنه الستارة
و جوقة الدودِ تَتَبادَلُ أَنخَابَ البَهجَة
البهجة التي جبلت من عظام الموتى
المقابر مزدحمة بالكاميرات
لتصوير المشهد الأخير

2- الثيمات والمحاور الرئيسية في النص:
خيانة الأشياء وسقوط الحلم: يبدأ النص بصدمة الخديعة وسقوط الإنسان الأول ؛ غواية التفاحة، ليمهد إلى أن السقوط الحالي ما هو إلا امتداد لتلك الخطيئة أو الخيانة الأولى التي جعلت الأشياء تفقد معناها الأصيل.
أَيُّ وَجَعِ جَنوبي ساخن:
يَجْعَلُ الأجساد مهترئة ومتهالكة؟!
جدلية الخوف والجوع: يبرز النص تناقضاً حاداً؛ حيث يدعي البطل ،أو الإنسان المحاصر، أنه روّض "حصان الخوف"، ليعاجله الراوي بالحقيقة المرة: كيف هذا وحصان الجوع يصهل في بطون بنيك؟ الحصار هنا ليس مجرد جدار، بل هو استنزاف بيولوجي ونفسي.
الحصار الجنوبي الساخن: الجنوب هنا دلالة جغرافية وسياسية واجتماعية مشحونة بالحرارة، المعاناة، الشمس الحارقة، الصراع، والوجع). الحصار يمارس سلطته فيجبر الأرصفة على خلع ثيابها، ويبارك موائد القراصنة (تجار الحروب والأزمات.
إنَّهُ الحصار يا سادة يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ:
يَجْعَلُ الليل يبارك موائد القراصنة
يجبر الأرصفة على خلع ثيابها
النهاية الحتمية ومسرح الموت: ينتهي المشهد باستعراض عبثي يقوده "الموت"، حيث تتحول المقابر إلى ساحة تصوير مفتوحة، كاميرات، نخب، ستارة، في إشارة إلى أن المأساة أصبحت مشهداً يُعرض ويُشاهد دون إنقاذ:
وهكذا يُعلن مذياع الخريف
إنتهاء صلاحية الأوراق
و يقوم بنشر أخبار السقوط
السقوط الذي أورثنا الكسل
فازدحمت أجسادنا:
بمسافات الوجع الجنوبي الساخن...!
3- البنية اللغوية والصور الشعرية:
اللغة الازدواجية: تجمع بين القسوة الحادة( نهش، سم، أفعى، دود، قراصنة) وبين الشاعرية الحزينة (أجراس ظلك، سلال الزمن، حديقة رأسك).
المفارقة الساخرة): النوم في "فراش العناكب" )ظناً بأنه أمان، بينما هو فخ مكشوف مليء بالرؤى والكوابيس التي ستصيب القاطن فيه بالحمى.
والسكون الحركي، يمثل شلالات الصمت الجائع "تثرثر"، وهو تعبير بليغ عن الصمت الذي يحمل في طياته صراخاً مكبوتاً وألماً لا يطاق.
تمكن الشاعر ببراعة التقاطاته المسرحية، تجسيد معاناة امة رضخت تحت نصال الجوع والقهر والقلق الممض، ويرتب صرخته الشعرية، فوق مسرح الحياة الذي يشبه اضلاعنا المسحوقة.







التعليقات