انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مدارجُ الشوقِ ومحاريبُ الروحِ  قراءةٌ في جغرافيا العشقِ الصوفيِّ عند أمال بو حرب

أياد حسين النصيري
أياد حسين النصيري

ناقد وأديب عراقي

3 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
مدارجُ الشوقِ ومحاريبُ الروحِ قراءةٌ في جغرافيا العشقِ الصوفيِّ عند أمال بو حرب
مشاركة:

شديدةٌ هي سطوةُ العشقِ حين يخلعُ عن الجسدِ كثافتَهُ، ويستحيلُ في أفقِ الشعرِ طقساً نورانياً تسكنُهُ الرغبةُ وتتجلّى فيه سَكينةُ الفناء؛ فالشعرُ، حينَ يلامسُ المَقامَ الصوفيَّ، لا يعودُ مجرَّدَ نظمٍ للمشاعرِ أو جمعٍ للصور، بل يصبحُ معراجاً روحياً تُستفرَغُ فيه كُوينةُ الذاتِ لتتطهَّرَ في نارِ الوجد.

وحين يرتفعُ العشقُ إلى مرتبةِ الطقسِ الأبديِّ، وتتحوَّلُ الذاتُ المحِبَّةُ إلى كائنٍ يتدثرُ بالخشوعِ، ينبري الشعرُ ليكونَ لغةَ العبورِ الوحيدةَ نحو ضفافِ المطلق. وفي نصِّ الشاعرةِ والناقدةِ المتميزة الدكتورة أمال بو حرب، الموسوم بـ (مناسك عاشق مجنون)، يتجلى النصُّ كحرمٍ معنويٍّ تُقامُ فيه شعائرُ الصبابةِ، ولوحةٍ روحيةٍ ناطقةٍ تنسجُ بحريرِ الشفافيةِ وبلاغةِ الوجدِ ملحمةَ طوافٍ لا تنتهي عند حدودِ الزمانِ والمكان، بل تنفتحُ على فضاءاتِ الروحِ المطلقة.

تتوسلُ الشاعرةُ في هذا النصِ بمفرداتِ المشهدِ المقدَّس، لا لتستعيدَ طقوسَهُ فحسب، بل لتُلبسَها لبوسَ العاطفةِ البشريةِ العميقةِ، حيث يتداخلُ الدينيُّ بالوجدانيِّ في تماهٍ مدهش. تبدأُ الرحلةُ من عتبةِ الإحرامِ والتلبية- (سأطوفُ حولَ قلبكِ العتيقِ مُحرِمًا / ومُلبّيًا / فأنتِ وحدكِ / لا شريكَ لكِ / بهذا الحبّ) هنا، تُعلنُ الذاتُ العاشقةُ إخلاصَها المُطلقَ ووحدانيةَ معبودها العاطفيِّ، في استعارةٍ واثقةٍ ومبجلةٍ لنداءاتِ التوحيد، لتنصبَ المحبوبةَ في عرشِ التفردِ الذي لا يقبلُ الشريكَ ولا القسمة.

ويتدرجُ النصُ في رسمِ هذه المناسكِ الروحيةِ ببراعةٍ تصويريةٍ آسرة؛ فالسعيُ بين الخوفِ والرجاء، والوقوفُ بعرفاتِ العينين، يمثلانِ ذروةَ المكاشفةِ والاعتراف- (فأعرفُ أنّني / ما عرفتُ الحبَّ / إلّا حينَ ضللتُ الطريقَ بين يديكِ) في هذا البيتِ تكمنُ مفارقةُ العشقِ الكبرى؛ حيث لا يتحققُ الهدايةُ والوصولُ إلّا بالضياعِ الكاملِ في حضرةِ الحبيب، وحيث يصبحُ التيهُ هو المرفأُ الأخيرُ للقلوبِ التائبةِ عن هوى سواها.

ولا تقفُ الشاعرةُ عند حدودِ المشابهةِ الظاهريةِ للطقس، بل تغوصُ في التجريدِ العميقِ للذات- (أُجرِّدُ قلبي / من ثيابِ الغياب / وأرمي جمراتِ الأنا / بسبعِ خيباتٍ / وأذبحُ في محرابكِ / كبشَ المسافات». إنَّ رجمَ «أنا) الكبرياءِ وذبحَ (مسافاتِ) البعدِ هما ثمنُ الولادةِ الجديدة. وما أروعَ تلك اللحظةَ التي تحلقُ فيها الشاعرةُ رأسَ الأفكارِ القديمةِ لتولدَ من جديدٍ في محرابِ الحبيب- وكأنَّ العشقَ هنا ليس مجردَ شعورٍ عابرٍ، بل هو عمليةُ تطهيرٍ كليَّةٍ، وموتٌ اختياريٌّ يسبقُ البعثَ في روحِ الآخر.

تنسابُ لغةُ الدكتورة أمال بو حرب في هذا النصِّ بانسياقيةٍ تحبسُ الأنفاس، مبتعدةً عن التعقيدِ اللفظيِّ، لتعتمدَ على طاقةِ البلاغةِ الأصيلةِ التي تستمدُ جمالَها من صدقِ الشعورِ ونقاءِ الصورة. فكلُّ كلمةٍ تقفُ في مكانها بحنوٍّ ومسؤوليةٍ، وكأنها قطراتُ ندى تُنعشُ جفافَ الدارسين والباحثين عن المعنى الحقيقيِّ للجمال.

وعند الخاتمة، يبلغُ النصُ ذروةَ دراميتِهِ العاطفيةِ والشفيفةِ حين يتوسلُ العاشقُ ربَّهُ ليشفيهِ من حبِّها، فإذا بالدعاء ينقلبُ ضِعفاً وشغفاً: (فإذا بدعائه / يزيده شغفاً بكِ) إنها اللقطةُ الأجملُ والأعمقُ؛ حيث يصبحُ الداءُ هو الدواءَ، وحيث يرتضي القلبُ بالاحتراقِ في نيرانِ هذا الشغفِ الأبديِّ، مردداً صدى التلبيةِ الخالدةِ بلا توقف- (لبيكِ / لبيكِ)

هذا النصُّ ليس مجردَ قصيدةٍ تُقرأُ وتطوى، بل هو واحةٌ للروح، ومرآةٌ صافيةٌ لأسلوبِ شاعرةٍ تعرفُ كيف تُمسكُ بجمرِ المعنى وتنقشُهُ على صفحةِ الخلودِ بمدادٍ من النورِ والشفافية

مناسك عاشق مجنون

قال

سأطوفُ حولَ قلبكِ العتيقِ مُحرِمًا 

ومُلبّيًا 

فأنتِ وحدكِ 

لا شريكَ لكِ 

بهذا الحبِّ

وأجري مناسكَ حُبّي 

أسعى بينَ خوفي ورجائي 

وأقفُ بعرفاتِ عينيكِ 

فأعرفُ أنّني 

ما عرفتُ الحبَّ 

إلّا حينَ ضللتُ الطريقَ بين يديكِ

أُجرِّدُ قلبي 

من ثيابِ الغياب 

وأرمي جمراتِ الأنا 

بسبعِ خيباتٍ 

وأذبحُ في محرابكِ 

كبشَ المسافات 

ثم أحلِقُ رأسي 

من أفكاري القديمة 

كي أولدَ فيكِ

فإن قبلَ قلبُكِ حجّي 

أقمتُ فيكِ 

إلى آخرِ العمر 

وإن ردّني 

ظللتُ أطوفُ 

حولَ اسمكِ 

وأقول 

لبيكِ 

لبيكِ

اعذريني

سيدتي

جئتُكِ بقلبٍ مُتَيَّم 

أرهقَهُ الطوافُ في دروبِ الهوى 

توسّلَ ربَّه 

قبلَ طوافه إليكِ

أن يشفيه منكِ

فإذا بدعائه

 يزيده شغفًا بكِ

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هادي مسير الربيعي..

 حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر
قراءات

هادي مسير الربيعي.. حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر

إسماعيل نوري الربيعي يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر،…

· 6 د
دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح).

للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"
قراءات

دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح). للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"

د. عدنان عويد البنية الفكريّة للنص. نحن أمام نص أدبي معاصر, استلهم التاريخ, فجعل من استلهامه هذا مقاربة على درجة عالية من الأهميّة والحكمة ربطت ما بين الماضي والحاضر. فقراءة التاريخ وإسقاط دلالاته على الواقع المعيش, تحتاج في الحقيقة إلى أديب أو مفكر أو فيلسوف يعرف تماماً ما يريد, وهذا ما وجدناه في…

· 8 د
التأمّل الفلسفي والسخرية النفسية 
في كتاب "فلسفة المشاعر" لتبارك فاضل الأسدي
قراءات

التأمّل الفلسفي والسخرية النفسية في كتاب "فلسفة المشاعر" لتبارك فاضل الأسدي

علي لفتة سعيد يأتي كتاب "فلسفة المشاعر" للمؤلفة تبارك فاضل الأسدي بوصفه تجربةً مختلفةً في الكتابة، تمزج بين الأدب والتأمّل الفلسفي والتحليل النفسي والسخرية الواقعية. فهو ليس كتابًا أدبيًا بالمعنى التقليدي الذي تمثّله الرواية، بما تتضمّنه من أحداثٍ متسلسلةٍ وشخصيات متخيّلة، كما أنه ليس كتابًا…

· 10 د