انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

محمد حسين آل ياسين؛ في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

12 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
محمد حسين آل ياسين؛ في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها
مشاركة:

حدث ذلك بعد منتصف الليل بقليل، حين كانت بغداد قد أغلقت أبوابها على تعبها، وانسحب آخر الضوء من شبابيك الكاظمية، واستلقى دجلة بين الضفتين مثل حارس عجوز أقسم ألا ينام ثم غلبه النعاس، ففي تلك الساعة التي تصبح فيها الأشياء أقل طاعة لقوانين البشر، سمع طرق خفيف على باب غرفة محمد حسين آل ياسين، طرق لم يكن يشبه قبضة إنسان، بل بدا كأن سن قلم تضرب الخشب، وحين فتح الباب لم يجد وراءه أحدًا، وإنما رأى ورقة صفراء مطوية بعناية، كتب في أعلاها بحبر أسود لفظ واحد هو استدعاء، وتحته أمر بالحضور هذه الليلة أمام محكمة اللغة العربية للنظر في الدعوى التي أقامتها الكلمات على الرجل الذي أمضى عمره يفتش أنسابها ويقلب تاريخها ويسألها عما أخفته في جذورها. لم تحمل الورقة ختم دولة ولا توقيع قاض، وإنما استقر في أسفلها حرف ضاد كبير منتصب كطائر أسود يفرد جناحيه. أعاد الرجل قراءة الورقة، وحين رفع رأسه وجد أن الغرفة تغيرت، فالجدار الذي يحمل رفوف الكتب أخذ يبتعد حتى غاب آخره في الظلام، والطاولة استطالت حتى صارت منصة، والمصباح تحول إلى قنديل تهزه عاصفة لا وجود لها، ومن الرفوف بدأت الكتب تهبط واحدًا بعد آخر، لا تسقط بل تمشي. تقدم كتاب الأضداد أولًا بوقار شاهد يعرف أن شهادته ستغير مجرى القضية، ثم جاء كتاب الدراسات اللغوية عند العرب مثقلًا بأصوات القرون الأولى، وتبعه الكتاب الباحث في الأصول اللغوية المشتركة بين العربية والعبرية كشيخ يحمل شجرة أنساب تمتد جذورها تحت حدود الدول، ثم خرجت الدواوين من أماكنها، فظهر قنديل في العاصفة وفي يده ضوء مرتجف، وتقدمت مملكة الحرف مرتدية تاجًا مصنوعًا من الأبجدية، وجاء سفر النخيل وخلفه صف طويل من النخل يهز سعفه داخل الغرفة، ثم دخلت أناشيد أرض السواد وقد التصق الطين بقدميها، وأقبلت المزامير حاملة صوتًا لا يعرف السامع أهو صلاة أم قصيدة أم بكاء قادم من قرن بعيد. وعندما اكتمل الحضور انشق الظلام في آخر القاعة وظهرت العربية نفسها، لا امرأة ولا رجلًا، لا شابة ولا عجوزًا، وإنما هيئة تتبدل كلما نظر إليها أحد، فتبدو مرة بدوية خارجة من صحراء بعيدة، ومرة ناسخًا عباسيًا يحمل محبرة، ومرة أمًا عراقية تنادي طفلها من عتبة بيت، ومرة قصيدة بلا جسد. جلست العربية على كرسي القاضي، وضربت الطاولة بحرف الألف، وأعلنت بدء المحاكمة. عندها فقط أدرك محمد حسين آل ياسين أن حياته كلها، منذ الكاظمية سنة 1948، مرورًا بجامعة بغداد ودرس اللغة والشعر والكتب والمخطوطات، لم تكن سوى إعداد طويل لهذه الليلة.

التهمة الأولى: تفتيش أنساب الكلمات

تقدمت الكلمة الأولى إلى منصة الشهود، وكانت صغيرة تبدو بريئة، لكن ظلها انقسم فور وقوفها إلى ظلين يسيران في اتجاهين متعاكسين، وعندما طلبت المحكمة منها التعريف بنفسها أجابت بأنها واحدة من الأضداد، فضجت القاعة، لأن الأضداد تعرف محمد حسين آل ياسين أكثر مما تعرفه كلمات كثيرة أخرى، فقد اقترب من عالمها باكرًا، ودرس ظاهرتها، وعاد إلى النصوص القديمة يبحث في الأسرار التي تجعل لفظة واحدة قادرة على حمل المعنى ونقيضه، وهنا وجهت الكلمة اتهامها إلى الرجل وسألته بأي حق فتش أسرارها، ولماذا لم يكتف بأن يستخدمها كما يستخدم الناس الكلمات، بل أصر على سؤالها كيف تستطيع أن تسكن بيتين متقابلين في اللحظة نفسها. أجاب اللغوي بأن الكلمات لم تكن عنده ألفاظًا فقط، وإنما طرائق خفية لرؤية العالم، وفور أن قال ذلك خرجت القضية من المعجم إلى الفلسفة، لأن الأضداد ليست طرفة لغوية يضعها الباحث في خزانة النوادر، بل أثر من آثار مغامرة الإنسان في تسمية واقع لا يطيع دائمًا الحدود الواضحة التي يرسمها العقل. كيف يستطيع الصوت نفسه أن يسير إلى جهتين، وكيف تحتفظ الذاكرة الجمعية بمعنيين متقابلين داخل الوعاء اللفظي نفسه، وكيف تستطيع الكلمة أن تكون جسرًا وحافة في الوقت ذاته؟ هنا نهضت كلمة السواد من مقعدها، وتقدمت حاملة على كتف ليلًا وعلى الآخر حقولًا، وأعلنت أنها تريد أن تشهد، فهي لون وهي حبر وهي أرض وهي اسم لذاكرة عراقية كاملة، ومن يستطيع بعد ذلك أن يحبسها في معنى منفرد؟ وما إن قالت ذلك حتى انفتح باب المحكمة ودخل العراق نفسه، لا خريطة معلقة على جدار ولا حدودًا مرسومة على ورق، وإنما رجل غريب الهيئة، في عباءته شيء من طين الجنوب، وعلى كتفه غبار بغداد، وفي عينيه ماء دجلة والفرات، وأعلن أنه هو أيضًا عاش طويلًا ضدًا لنفسه، خصبًا وخرابًا، كتابة ومحوًا، ذاكرة ونسيانًا، مهدًا للكتب ومقبرة لبعضها. وفي تلك اللحظة بدت الدراسات اللغوية التي شغلت محمد حسين آل ياسين أقل ابتعادًا عن الشعر مما نظن، فالرجل الذي كان يفتش عن التضاد داخل اللفظة سيجد وطنه نفسه ممتلئًا بالتناقضات، وسيجد أن المعجم الذي فتحه في غرفة الجامعة يمتد خارج النافذة حتى يغطي البلاد. وعندما سألت المحكمة إن كان لهذا كله صلة بأناشيد أرض السواد لم يجب الرجل، لكن نخلة خرجت من سفر النخيل، مشت بين المقاعد، ووقفت إلى جواره. وعرفت المحكمة أن بعض الإجابات حين تصبح كبيرة لا تعود بحاجة إلى كلام.

التهمة الثانية: إيواء رجلين في جسد واحد

دخل الشاهد الثاني فانقسمت القاعة أمامه، لأن الداخل لم يكن رجلًا واحدًا، بل رجلين متشابهين تمامًا، وعندما طلبت المحكمة اسميهما أعلن الأول أنه محمد حسين آل ياسين اللغوي، وأعلن الثاني أنه محمد حسين آل ياسين الشاعر، فاعترضت العربية بأن ملف القضية لا يتضمن إلا رجلًا واحدًا، فضحك الشاعر وأجاب بأن تلك مشكلة المحكمة وليست مشكلتهما، ثم بدأت بين الاثنين خصومة بدت كأنها مؤجلة منذ عقود. قال اللغوي إنه صاحب الجهد الذي تعقب الأصول ودرس فقه اللغة وعاد إلى الدراسات اللغوية عند العرب حتى نهاية القرن الثالث الهجري وحقق النصوص وسأل الكلمات عن جذورها وأبنيتها وأنسابها، فرد الشاعر بأنه أمضى العمر كله يفسد عليه ذلك النظام، فما إن يضع كلمة في صندوق حتى يفتح لها نافذة، وما إن يثبت معناها حتى يحولها إلى استعارة، وما إن يقول إن النخلة شجرة حتى يجعلها وطنًا يستطيع السفر. وهنا تحولت المحاكمة إلى واحدة من أقدم المعارك في الثقافة، معركة النظام والخيال، لأن محمد حسين آل ياسين عرف اللغة من جهتين قلما تتصالحان بسهولة، عرفها مادة للفحص العلمي وفضاء للانفجار الشعري، ولم يكن الأمر مجرد باحث يكتب الشعر في أوقات الفراغ، بل حضور وعيين باللغة داخل تجربة واحدة، وعي يريد أن يعرف كيف تعمل الكلمة، ووعي يريد أن يكتشف ماذا تستطيع الكلمة أن تفعل إذا أفلتت من القواعد التي تفسرها. ومن هنا بدأت الدواوين تتحرك في القاعة، فلم تعد عناوين في قائمة مؤلفات، وإنما محطات في سيرة الصراع نفسه؛ نهضت نبضات قلب فأصبح الجسد معجمًا، وتقدم الأمل الظمآن فصار المعنى قادرًا على العطش، وأضاء قنديل في العاصفة فوقف الضوء وجهًا لوجه أمام الريح، ثم دخلت مملكة الحرف لتمنح الأبجدية سلطة كاملة، وتحرك سفر النخيل فاقتلع الشجرة من ثباتها وأرسلها في الطريق، وغنت أناشيد أرض السواد حتى اكتسبت الجغرافيا حنجرة، ثم جاء صوت العراق ليحول الوطن من مساحة إلى نبرة، وأقبلت المزامير والصحف الأولى والعهد الثالث كأن الرجل لم يكن يؤلف دواوين متعاقبة بقدر ما كان يبني مدينة من الكلمات، مدينة لها مصابيحها وأشجارها وأناشيدها وألواحها وأصواتها. عندها اتهم اللغوي الشاعر بإفساد الدقة، واتهم الشاعر اللغوي بإفساد الدهشة، فضربت العربية منصة المحكمة بحرف الألف وأوقفت الخصومة، ثم قالت إن اللغة لو كانت دقة وحدها لماتت في القواميس، ولو كانت دهشة وحدها لتبددت في الهواء. عند ذلك ساد الصمت، لأن المتهم اكتشف للمرة الأولى أن القاضي الذي يحاكمه بدأ يدافع عنه.

محمد حسين آل ياسين؛ 

في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها

التهمة الثالثة: إيقاظ الموتى في المكتبة

حين نادت المحكمة الشاهد الثالث لم يدخل أحد، وإنما انفتح كتاب قديم وحده، وتقلبت صفحاته كأن ريحًا قادمة من قرون بعيدة هبت في القاعة، ثم خرج من الورق صوت يقول إن النصوص القديمة لم تمت، وإنما كان البشر هم الذين توقفوا عن سماعها، وفجأة تحولت المحكمة إلى مكتبة هائلة تمتد رفوفها إلى مكان لا تراه العين، وكل رف فيها بدا كأنه مقبرة، لكن الموتى كانوا يتحدثون. ظهرت أسماء العلماء الذين شغلوا تاريخ الدرس اللغوي العربي، واقتربت النصوص التي اشتغل عليها محمد حسين آل ياسين في التحقيق والدراسة، وبرزت ثلاثة نصوص في الأضداد لأبي عبيد القاسم بن سلام، ثم جاء الإقناع في العروض للصاحب بن عباد حاملًا إيقاعات الشعر كما يحمل صانع الساعات أسرار الزمن، وراحت الكتب تسأل الرجل لماذا أخرجها من صمتها. أجاب بأنها لم تكن ميتة، فرد أحد المخطوطات بأن النص الذي لا يقرؤه أحد ليس بعيدًا عن الموت، فسقطت العبارة في القاعة كحجر في بئر عميقة، لأن الكتاب لا يموت حين يتمزق ورقه فقط، بل حين ينقطع الحوار معه، والمخطوط لا يحيا لمجرد بقائه في خزانة مصونة، وإنما حين يعود قادرًا على إرباك قارئ جديد بسؤال قديم. هنا أخذ التحقيق اللغوي معنى آخر؛ لم يعد عملًا تقنيًا ينشغل بفروق النسخ وتصحيح الكلمات وحدها، وإنما صار عملية إنقاذ لذاكرة كانت على وشك أن تفقد صوتها. المحقق بهذا المعنى ليس شرطيًا يحرس النص، بل ملاحًا يعبر به نهر الزمن من ضفة إلى أخرى، ولذلك يصبح الاشتغال بتاريخ الدراسات اللغوية عند العرب رحلة إلى اللحظة التي بدأت فيها العربية تنظر إلى نفسها في المرآة، فقبل نشوء ذلك الوعي كان الناس يتكلمون اللغة، ثم جاءت لحظة أصبحوا فيها يسألون كيف يتكلمون، ومن أين جاءت الأبنية والأصوات والدلالات، ولماذا تستقيم عبارة وتختل أخرى، وكيف يتحول الاستعمال إلى قاعدة والقاعدة إلى علم والعلم إلى تراث. لقد عاد محمد حسين آل ياسين إلى تلك الورشة القديمة لا لكي يقيم فيها، بل لكي يرى الأدوات التي صنع بها العقل العربي وعيه باللغة، ولذلك اقترب منه مخطوط عتيق في نهاية الشهادة ووضع صفحته على كتفه كأنها يد، ثم أخبره بأن الأمر كان معكوسًا طوال الوقت، فهو يظن أنه كان يحقق الكتب، بينما الكتب نفسها كانت تحقق فيه، وكلما أعاد كلمة إلى موضعها أعادته الكلمات قليلًا إلى موضعه في سلسلة طويلة بدأت قبله وستستمر بعده. عندها خفض الرجل رأسه، لأن الباحث يستطيع أن يجادل شاهدًا، لكنه يعجز عن مجادلة الزمن.

التهمة الرابعة: إدخال العراق إلى القصيدة من غير استئذان

كان على المحكمة أن تستدعي شاهدًا رابعًا، لكن الباب انفتح قبل أن ينادى الاسم، ودخل العراق مرة أخرى، وهذه المرة لم يأت رجلًا وإنما بلدًا كاملًا مطويًا داخل نخلة، فانغرست النخلة في وسط القاعة، وحين هزت سعفها تساقطت منها أسماء أمكنة وأنهار وذكريات وقصائد، وسألت العربية القادم الجديد من سمح له بالدخول، فأجاب بأن العراق لم يحتج يومًا إلى إذن كي يدخل شعر العراقيين. وهنا بلغت المحاكمة أخطر مواضعها، لأن الشاعر يستطيع أن يختار موضوعاته إلا المكان الأول، فذلك المكان يسبقه إلى الكلام ويسكن مخارج حروفه قبل أن يعرف معنى الوطن. ولد محمد حسين آل ياسين في الكاظمية، وأكمل فيها دراسته الأولى، ثم انتقل إلى جامعة بغداد التي حصل فيها على البكالوريوس سنة 1969، فالماجستير في فقه اللغة سنة 1973، ثم الدكتوراه سنة 1978، وتدرج في التدريس في قسم اللغة العربية حتى الأستاذية، لكن تحويل هذه الوقائع إلى سطر سيري يفقدها معناها الأعمق، لأن المدينة والجامعة في حياة اللغوي ليستا مجرد مكانين؛ الكاظمية هي المعجم الأول الذي تعلمه قبل أن يعرف كلمة معجم، وبغداد هي النص الكبير الذي ظل يقرأ تغيراته بينما يقرأ نصوص القدماء. كان في السوق نحو لا تكتبه كتب النحو، وفي كلام الناس فقه لغة لا يعرف أصحابه أنهم يمارسونه، وفي دجلة استعارة سبقت الشعراء جميعًا، وفي النخلة درس كامل عن الجذر والامتداد والذاكرة. لذلك تسرب العراق إلى عالمه الشعري حتى أصبحت مفردات المكان علامات على شيء يتجاوز الجغرافيا، فالنخيل والأرض والسواد والصوت ليست مفردات محايدة حين تجتمع في تجربة شاعر عراقي، وإنما تتحول تدريجيًا إلى جهاز كامل للذاكرة. وفي اللحظة التي قالت فيها النخلة للمحكمة إنها ليست شجرة في الكتب، بل طريقة العراق في الوقوف، تحرك دجلة من آخر القاعة، وكان قد ظل طوال المحاكمة صامتًا، وقال إنه يعرف هذا النوع من الرجال الذين يظنون أنهم يكتبون عن البلاد، ثم يكتشفون متأخرين أن البلاد كانت تستخدم أقلامهم لتكتب شيئًا من سيرتها. اعترض الشاعر بأنه لم يزعم يومًا أنه كتب سيرة العراق، فضحك النهر وقال إنه هو أيضًا لم يدع أنه كتب تاريخ بغداد، ومع ذلك يستطيع من ينظر طويلًا إلى ضفتيه أن يقرأ تاريخها. وهنا انقلب السؤال كله، فلم يعد السؤال مقدار ما يحمله الكاتب من مدينته، وإنما مقدار ما تحتفظ به المدينة من كاتبها، لأن الأمكنة هي الأخرى تمتلك ذاكرة، وقد يكون الأدباء والعلماء مجرد الوسيلة التي تمنع بها المدن نفسها من النسيان.

الحكم الأخير: اللغة لا تبرئ أبناءها

كان الفجر يقترب عندما عادت الكتب إلى مقاعدها وجلست الكلمات في صمت، ووقف اللغوي والشاعر جنبًا إلى جنب بعدما أمضيا الليل يتنازعان رجلًا واحدًا، بينما ظلت النخلة في وسط القاعة وظل العراق عند الباب كأنه لا يريد سماع الحكم، فرفعت العربية رأسها وأعلنت خلاصة الاتهامات: لقد قضى محمد حسين آل ياسين عمرًا يسأل الكلمات من أين جاءت ثم استخدمها لتذهب إلى أماكن لم تأت منها، فتش أنسابها في فقه اللغة ثم بعثر حدودها في الشعر، أخرج نصوصًا قديمة من صمتها، واستدعى علماء غابوا منذ قرون إلى مكتبة معاصرة، وأدخل العراق إلى كتبه حتى حين كان يظن أنه يكتب عن اللغة، ولذلك طلبت منه المحكمة كلمة أخيرة. نظر الرجل حوله فرأى حياته موزعة أمامه على هيئة كائنات؛ كتاب يمشي، ومخطوط يتنفس، ونخلة تشهد، ونهر يصغي، وحروف تنتظر، ثم أعلن أنه مذنب، وحين سألته العربية عما يعترف به قال إنه بدأ حياته معتقدًا أنه يدرس اللغة، ثم اكتشف بعد عمر كامل أن اللغة كانت هي التي تدرسه. عندها لم تتحرك المحكمة، لأن العبارة وصلت إلى المكان الذي تنتهي فيه الحجج ويبدأ الإدراك؛ فالإنسان الذي يقضي عقودًا بين الكلمات لا يخرج منها بالشخص نفسه الذي دخل به، وكل كتاب يقرأه يغير قليلًا هيئة العالم في عينيه، وكل لفظة يتتبع أصلها تفتح ممرًا في ذاكرته، وكل قصيدة يكتبها تأخذ منه شيئًا وتضعه في مكان لا يستطيع استرداده. ولهذا لم تحكم المحكمة بسجن ولا ببراءة، وإنما قضت بأن يبقى الرجل في كتبه ما دام ثمة قارئ يفتح واحدًا منها، ثم ضربت العربية الطاولة بحرف الألف فانطفأت القاعة دفعة واحدة. وحين أشرقت الشمس عادت الغرفة كما كانت، الكتب فوق الرفوف، والمخطوطات صامتة، والقنديل مجرد اسم على غلاف، والنخلة بعيدة في مكانها، ودجلة يمضي في مجراه كأنه لم يحضر محاكمة قط، ولم يبق على الطاولة سوى كتاب مفتوح عند الصفحة التي بدأت منها الحكاية. اقترب محمد حسين آل ياسين ومد يده ليغلقه، لكن حرف الضاد كان واقفًا عند نهاية السطر ولم يعد إلى موضعه بعد، فأخبر الرجل أن المحكمة نسيت شاهدًا واحدًا، وحين سأله عن اسمه لم يجب الحرف. مرت السنوات في لحظة، أو ربما كانت اللحظة هي التي مرت داخل السنوات، وفي مكان لم تعرفه المحكمة، وفي زمن قد يأتي بعد أن يصير كل من حضر تلك الليلة جزءًا من الذاكرة، امتدت يد قارئ مجهول إلى رف بعيد، وسحبت كتابًا تراكم شيء من الغبار على حافته، ثم فتحه القارئ ومر إصبعه فوق اسم محمد حسين آل ياسين. في تلك اللحظة عاد حرف الضاد أخيرًا إلى مكانه، وانغلق باب المحكمة، وفهمت العربية أن الشاهد الأخير لم يكن شاعرًا ولا لغويًا ولا كتابًا ولا مدينة ولا نهرًا. كان القارئ. فالمؤلف يستطيع أن يكتب ألف كتاب، والمدينة تستطيع أن تحفظ ألف حكاية، واللغة تستطيع أن تعيش ألف عام، لكن المعجزة لا تكتمل إلا حين يفتح إنسان لم يعرف الكاتب صفحة تركها ذلك الكاتب وراءه، فينهض صوت من زمن مضى ويبدأ الكلام من جديد. وفي الخارج كان دجلة يعبر بغداد كعادته، وكانت الكاظمية تستيقظ ببطء، ولم يكن أحد يعرف أن محاكمة انتهت قبل قليل، وأن رجلًا صدر بحقه أغرب حكم يمكن أن تصدره اللغة على أحد أبنائها: أن يغيب يومًا عن الغرفة، وأن يبقى صوته في الحرف.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٢٩ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

(من وضع البربين على خبزي).. 
الحطاب يجسد نصاً برائحة التوابل وعطر الأنوثة
قراءات

(من وضع البربين على خبزي).. الحطاب يجسد نصاً برائحة التوابل وعطر الأنوثة

قراءات نقدية "من وضع البربين على خبزي".. سعد الدغمان: الحطاب يجسد نصاً برائحة التوابل وعطر والأنوثة سعد الدغمان الصورة التي جاء بها الحطاب في نصه "من وضع البربين على خبزي" لم تكن كالصور التي ألفناها عنده، فقد اعتدنا على الملحمة كما في "شالوم مسلح"، والسخرية في (الرقص على جثة بينانو)، وغيرها التي…

· 7 د
من احتراق الذات إلى موسيقى الشعر

قراءة في (نزيف اللحن) للشاعر المغربي  لحسن أيت باها
قراءات

من احتراق الذات إلى موسيقى الشعر قراءة في (نزيف اللحن) للشاعر المغربي  لحسن أيت باها

يأتي العمل الشعري "نزيف اللحن" للشاعر المغربي لحسن أيت باها ، الصادر حديثا عن منشورات الأطلس، امتدادا لتجربة شعرية راكمت حضورها عبر أعمال سابقة، وهي "مراثي القمر" و"أنغام درعة"و"ستائر حالمة" و"جداريات على مرافئ الزمن". ومن ثم فإن قراءة "نزيف اللحن" لا تستقيم كعمل منفرد ، بل حلقة جديدة في مسار شعري…

· 8 د
زيتونة تقاوم الريح:

قراءة في الديوان الشعري (زيتونة مجعدة) للشاعرة آية الوشيش
قراءات

زيتونة تقاوم الريح: قراءة في الديوان الشعري (زيتونة مجعدة) للشاعرة آية الوشيش

ثمة أشجار لا تُقاس بجمالها، بل بقدرتها على البقاء. والزيتونة واحدة من تلك الأشجار التي لا تستسلم للزمن؛ كلما اشتدت عليها الريح، ازداد جذعها التواءً، وكلما عبرت عليها السنوات، ازدادت تجاعيدها عمقًا، كأنها تحفظ في جسدها سيرة المكان الذي أنبتها. لذلك، لم تكن «زيتونة مجعدة» مجرد عنوان لديوان "آية…

· 6 د