لم نكتب هذه السلسلة لأننا نكره العراق.
بل كتبناها لأننا تعبنا من رؤية العراق يُختزل في الشعارات، بينما يعيش كثير من الناس همومًا يومية تبحث عن حلول.
لم نكتبها لنجلد وطنًا…
بل لنرفض أن يصبح الوجع أمرًا عاديًا.
فالكاتب الذي يخاف على وطنه، لا يجامله عندما يرى الخلل، ولا يحوله إلى جنة وهمية لا تشبه حياة الناس.
يسألنا البعض: - لماذا كل هذا الغضب؟
لأن الغضب ليس دائمًا نقمة. أحيانًا يكون آخر أشكال الحب.
حين ترى بيت أبيك يتصدع، لا تلتقط له صورة جميلة، بل تبحث عن سبب الشقوق.
الوطن ليس لوحةً نجمّلها…
الوطن بيتٌ إن تهدم، دفن الجميع تحت أنقاضه.
كتبنا عن الفساد… لأن المال العام ليس أرقامًا في الموازنة. إنه مدرسة لم تُبنَ. ومستشفى لم يكتمل. وطريق بقي محفوفًا بالمخاطر. وفرصة ضاعت على شاب كان يستحقها.
كتبنا عن التعليم… لأن أخطر أنواع الفقر… ليس خلو الجيب من المال. بل خلو العقل من الفرصة.
كتبنا عن الصحة… لأن المرض لا يعرف الطائفة، ولا القومية، ولا الحزب، ولا المدينة.
كتبنا عن الرشوة… لأنها لا تسرق المال فقط. بل تسرق الثقة.
كتبنا عن دجلة والفرات… لأنهما ليسا مجرد نهرين. إنهما ذاكرة. والأمم التي تفقد ذاكرتها… تمشي طويلًا… لكنها لا تعرف إلى أين.
كتبنا عن الشباب… لأن أخطر مطار في العالم… ليس الذي تقلع منه الطائرات. بل الذي تقلع منه الأحلام.
ولماذا السخرية؟ لأن البكاء وحده لا يكفي. ولأن الضحك أحيانًا… آخر وسيلة كي لا يختنق الإنسان.
نحن لا نزعم أننا نملك كل الإجابات. لكننا نؤمن أن السؤال الصادق… أشرف من الجواب المزيف.
في النهاية… ليس السؤال: — ما الذي تبقّى من العراق؟
العراق… أقدم من حكوماته. وأكبر من أزماته. وأعمق من خلافاته.
العراق الأب الذي يخرج قبل شروق الشمس ليؤمن قوت أسرته. والمعلمة التي تشرح درسها رغم قلة الإمكانات. والطبيب الذي يواصل عمله في ظروف صعبة. والجندي الذي يحرس أرضه. والفلاح الذي ينتظر الماء. والطفل الذي يرسم نخلة وشمس، رغم أنه لم يرَ يومًا كاملًا بلا انقطاع كهرباء.
هؤلاء… هم العراق.
أما المناصب فتمر. والحكومات… تتبدل. والأسماء… يأكلها النسيان. لكن الشعوب باقية.
لهذا… الأوطان لا يؤذيها النقد الصادق. الأوطان يؤذيها أن يصبح الصمت فضيلة، وأن تتحول المجاملة إلى سياسة.
هذه السلسلة ليست حكمًا على العراق… بل شهادة حبٍ قاسية.
الجرّاح لا يفتح الجرح لأنه يكره المريض… بل لأنه يؤمن أن ترك الجرح مغلقًا على القيح… هو الطريق الأقصر إلى الهلاك.
انتهت السلسلة… لكن السؤال سيبقى حيًّا: -ما الذي تبقّى من العراق؟








التعليقات