انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

كتاب «المفردات الأجنبية في القرآن الكريم» للمستشرق الأمريكي الأسترالي آرثر جفري

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

6 دقائق للقراءة
4 مشاهدة
كتاب «المفردات الأجنبية في القرآن الكريم» للمستشرق الأمريكي الأسترالي آرثر جفري
مشاركة:

من المؤكد أن الباحث الجاد في كتب المستشرقين سيقع على كتاب «المفردات الأجنبية في القرآن الكريم» للمستشرق الأسترالي ـ الأمريكي آرثر جفري (1892–1959) فلهذا العمل مكانة هامة جدًا في تاريخ الدراسات اللغوية للقرآن؛ لأنه لم يتعامل مع الألفاظ التي يُحتمل أن تكون ذات أصول غير عربية بكونها ملاحظات متناثرة، لكنه بذل جهدًا ملحوظًا وكبيرًا بجمعها في دراسة مستقلة قامت على المقارنة اللغوية والتتبع التاريخي. كتب جفري الصورة الأولى من بحثه سنة 1926، وكانت، بحسب شهادته، تقارب أربعة أضعاف حجم الكتاب الذي وصل إلينا، ثم اضطر إلى اختصارها بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة. وأنهى تقديم الصيغة المنشورة في القاهرة في ديسمبر 1937، وصدر الكتاب سنة 1938 في بارودا بالهند عن المعهد الشرقي ضمن سلسلة غايكواد الشرقية، العدد 79 - 311 صفحة، مستفيدًا من رعاية مهراجا غايكواد بارودا التي خصها المؤلف بالشكر في خاتمة تمهيده.

يقوم الكتاب على أسئلة تعددة وأهمها : ما هي الألفاظ القرآنية التي يمكن ردّ تاريخها إلى لغات أخرى، وكيف انتقلت إلى العربية وأصبحت جزءًا من معجمها؟

ولهذا فإن جفري عاد إلى السريانية والآرامية والعبرية والحبشية والفارسية وغيرها، واستعان بالتفاسير والمعاجم والشعر القديم والدراسات اللغوية السابقة. أما قلب الكتاب بحسب فهمنا فهو معجم مرتب هجائيًا يناقش فيه الكلمات واحدةً واحدة، ويعرض مواضعها القرآنية، وآراء العلماء فيها، وأصلها المحتمل ومسار انتقالها.

وتتجاوز أهمية الكتاب مجرد إحصاء الكلمات؛ كونه وضع معجم القرآن داخل تاريخ التفاعل اللغوي والثقافي في الشرق الأدنى. كما اعاد فتح مسألة قديمة وحساسة هي العلاقة بين وجود ألفاظ معرَّبة وبين وصف القرآن بأنه عربي.

والأهم أن جفري لم يعتبر عمله خاتمة للبحث، لكنه اعتبره خطوة أولى نحو حلم أكبر وهو إنشاء معجم تاريخي شامل للقرآن تُستخدم فيه علوم اللغة والنقوش ونقد النصوص لفهم المفردة القرآنية في زمن ظهورها. ولهذا مايزال هذا المنجز، رغم مراجعة عدد من نتائجه لاحقًا، أحد المرجع التأسيسية التي يصعب تجاوزُها عند دراسة تاريخ المعجم القرآني.

نقاط هامة لمناقشة وفهم هذا الكتاب:

1. المفردة القرآنية مفتاح لفهم النص

انطلق آرثر جفري من فكرة تبدو حاسمةوهي أنه يصعب التقدم كثيرًا في فهم القرآن وبيئته الأولى قبل إنجاز دراسة شاملة لمفرداته. ويرى أن الاقتصار على التفاسير القديمة لم تعد تكفي للبحث التاريخي، لأن المفسرين قد شرحوا اللفظة وفق العربية المستعملة في أزمنتهم، ومن حق الباحث أن يسأل عن معناها في زمن ظهور القرآن. لذلك جعل جفري المفردة نفسها موضوعًا للتحقيق، أي أين كانت مستعملة؟ وما دلالتها؟ وهل عُرفت قبل الإسلام؟ وما صلتها باللغات المجاورة؟ والجديد هنا تحويل الألفاظ المتفرقة إلى مشروع بحثي منظم، لمحاولة ربط دراسة القرآن بتاريخ اللغة والبيئة الثقافية التي ظهر فيها.

كتاب «المفردات الأجنبية في القرآن الكريم» 
للمستشرق الأمريكي الأسترالي آرثر جفري

2. عربية القرآن لا تعني العزلة اللغوية

حاول الكتاب أن يعالج القضية الأكثر حساسية: كيف يكون القرآن عربيًا مع وجود ألفاظ ترجع إلى أصول غير عربية؟

هنا لا يرى جفري تعارضًا ضروريًا بين الأمرين، لأن اللغات تستعير ثم تُخضع الكلمات لنظامها حتى تصبح جزءًا من معجمها. ويذكّر بأن علماء مسلمين متقدمين ناقشوا الألفاظ المنسوبة إلى الفارسية والحبشية والسريانية وغيرها.

وعمل علىربط الظاهرة بتاريخ الجزيرة العربية واتصالها ببلدان الشام وبلاد الرافدين وفارس والحبشة. ومن أهم نتائج الكتاب أن البحث في أصل الكلمة لا يعني نفي عربيتها زمن استعمالها القرآني؛ فالأصل التاريخي للفظة شيء، وانتماؤها إلى اللغة بعد تداولها واستقرارها فيها شيء آخر.

3. معجم مقارن بدل الأحكام العامة

ربما إن القيمة الأساسية للكتاب في بنائه التطبيقي. فهو لم يكتفي بالقول إن القرآن يحتوي ألفاظًا دخيلة، لكن جفري جمع الكلمات ورتبها هجائيًا، ثم درس كل واحدة من خلال مواضعها القرآنية وما قيل فيها، وقارنها بالعبرية والآرامية والسريانية والحبشية والفارسية وغيرها. واستفاد كثيرًا من المعاجم والتفسير والشعر القديم والدراسات الاستشراقية السابقة. وهو لم ينسب جميع الكلمات إلى مصدر واحد، لكنه عرض أحيانًا احتمالات متنافسة واشار إلى مواضع الشك. وهكذا قدّم أداة بحث يمكن مراجعة مفرداتها منفردة، ولم يضع أطروحة عامة أو نتائج مغلقة يصعب اختبارها.

4. الكتاب خطوة وليست نتيجة نهائية

من أكثر جوانب جفري أهمية وعيه بحدود عمله. فقد كتب الدراسة أصلًا سنة 1926 في صورة تقارب أربعة أضعاف الكتاب المنشور، ثم اختصرها بسبب تكاليف الطباعة، وحذف مناقشات وشواهد وملحقًا يتضمن نصًا للسيوطي حققه من مخطوطتين بالقاهرة. كما صرح بأن قدراته الفيلولوجية لا تبلغ مستوى نولدكه، وتمنى أن يأتي باحثون أفضل تجهيزًا ليصححوا عمله ويطوروه. لذلك ينبغي قراءة الكتاب بكونه تأسيسًا لبرنامج بحث، وليس معجمًا نهائيًا لأصول كل الكلمات. وهذه الصراحة المنهجية مهمة لأنها تجعل المراجعة والتصحيح جزءًا من طبيعة المشروع نفسه، ورحب بأي اعتراضات عليه.

5. الحلم الأكبر: معجم تاريخي شامل للقرآن

أهم توصية تركها جفري تجاوزت موضوع الكلمات الأجنبية نفسه. فقد حلم بمعجم للقرآن يماثل المعاجم التاريخية الكبرى المخصصة للعهدين القديم والجديد، ويستثمر فقه اللغة وعلم النقوش والنقد النصي في دراسة كل مفردة.

ومن هنا يمكن فهم كتابه باعتباره جزءًا صغيرًا من مشروع لم يُنجز بصورته الكاملة إلى اليوم. فالغاية ليست معرفة أن كلمة ما سريانية أو فارسية أو حبشية فحسب، وإنما أن يتم استعادة كاملة لتاريخها، وتحولات معانيها، وبيئتها، وطريقة توظيف القرآن لها.

ومن أبرز استنتاجات هذا الكتاب أن دراسة المعجم القرآني تحتاج إلى عمل جماعي مقارن، يجمع العربية القديمة والنقوش واللغات المجاورة والتفسير والتاريخ، مع إبقاء النتائج مفتوحة دائمًا للمراجعة.

خاتمة

تكشف قراءة كتاب «المفردات الأجنبية في القرآن الكريم» أن آرثر جفري لم يدرس العربية بمعزل عن محيطها، بل وضع المفردة القرآنية داخل شبكة واسعة من الصلات اللغوية، وكانت السريانية والآرامية من أبرز اللغات التي عاد إليها، إلى جانب العبرية والحبشية والفارسية واليونانية وغيرها.

وبحث في التشابه الصوتي والدلالي، وفي طريق انتقال اللفظة وزمن دخولها العربية، مع الاستفادة من استعمالاتها السابقة والموازية. لذلك لا تعني «أجنبية» الكلمة عنده دائمًا أنها ظلت غريبة عن العربية؛ فقد تكون دخلتها قبل الإسلام واستقرت في استعمال أهلها.

نوقش عمل جفري بصور متواضعة عربيًا ضمن الدراسات التي تناولت المعرَّب والدخيل في القرآن ونقد الاستشراق، لكن هذا الكتابه نفسه لم يحظى بحضور عربي نقدي معمق يوازي تأثيره في الدراسات الغربية، ولا بترجمة عربية علمية كاملة واسعة التداول. وغالبًا ما يجري تناول أطروحته من خلال قضايا جزئية أو في سياق الرد على المستشرقين.

من المهم أن نشير بأن مصادره تميزت بتنوع واضح، مثل: التفاسير والمعاجم وكتب علوم القرآن، والشعر العربي القديم، وأعمال السيوطي، إلى جانب المعاجم والدراسات السامية والمصادر السريانية والعبرية والحبشية والفارسية وأبحاث زملائه المستشرقين السابقين.

وتبقى قيمة هذا الكتاب في أنه فتح سؤالًا ولم يغلقه. فكثير من أحكامه قابل للمراجعة، لكن دعوته إلى بناء معجم تاريخي شامل للقرآن، يستفيد من العربية والنقوش واللغات المجاورة، ما تزال مشروعًا علميًا جديرًا بالإنجاز.

آرثر جفري (1892–1959) مستشرق أسترالي ـ أمريكي وباحث في الدراسات الإسلامية واللغات السامية، كرّس جانبًا مهمًا من مسيرته لدراسة القرآن وتاريخ نصه ومعجمه وقراءاته. عمل في القاهرة ثم أستاذًا بجامعة كولومبيا في نيويورك. تأثر بالمدرسة الفيلولوجية المقارنة، وخاصةً المستشرق الألماني نولدكه، واستفاد من اجادته العربية والسريانية والعبرية والحبشية والفارسية. من أشهر مؤلفاته «المفردات الأجنبية في القرآن» و«مواد لتاريخ نص القرآن»، وتوصف أعماله بأنها مؤثرة ومثيرة للنقاش والنقد وبنيت عليها الكثير من الأبحاث.

The Foreign Vocabulary of the Qur’an, Arthur Jeffery, Oriental Institute, Baroda, 1938, Gaekwad’s Oriental Series No. 79, 311 pages.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٣٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رمزية الرأس وتمثيلات القمع  والذاكرة  في رواية "رؤوس بالمجان " لأحمد الحسيني
قراءات

رمزية الرأس وتمثيلات القمع  والذاكرة  في رواية "رؤوس بالمجان " لأحمد الحسيني

تمهيد تتخذ رواية "رؤوس بالمجان" لأحمد الحسيني من الرأس علامةً سردية مركزية تتجاوز دلالته الجسدية، لتفتح المجال أمام قراءة تتصل بالإنسان حين يصبح وجوده مهددًا، ووعيه خاضعًا، وصوته محاصرًا بالخوف. فالرأس في الرواية ليس جزءًا من الجسد فحسب؛ إنه موضع التفكير والذاكرة والإرادة، ومن ثم فإن تهديده أو فصله…

· 16 د
جاكلين سلام: المرأة التي ثقبت قلب المجرة بإبرة من ضوء
قراءات

جاكلين سلام: المرأة التي ثقبت قلب المجرة بإبرة من ضوء

إسماعيل نوري الربيعي في منتصف ليلة لم تعترف بها الساعات، استيقظت مدينة المالكية على صوت شجرة توت تقتلع جذورها من التراب، وتنفض عن أغصانها ألف عام من النوم، ثم تصعد إلى السماء كما تصعد فكرة مجنونة إلى رأس شاعر. لم تكن الشجرة تبحث عن المطر، فقد سئمت المطر الذي يأتي من الجهات المعروفة، وإنما كانت تبحث…

· 6 د
مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر
قراءات

مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر

نصير الشيخ 1 يرى هيدجرأن الشعر على افتراض وجود أهمية انطولوجية له،لاتكمن أهميته الانطلوجية في قدرته على الكشف عن اسرار الكينونة والاشياء في ذاتها،((إنها لاتتخطى،ولايمكن ان تتخطى تنبيهنا الى ان اللغة هي من مكونات الواقع أو أن الواقع يقيم في اللغة. وهنا تظل التجربة الشعرية،وبلاشك محاولة لاختراق جدار…

· 5 د