
(( كاتب العرايض الذي يهيم في ليالي بغداد بقيضها القاتل وزمهريرها الوقح تلاحقه أشباح أبطال عرائضهِ التي ينظمها في النهار))..
جملة إختزلت حياة ضاجة وسط مدينة تلونت بصخبها وتحولاتها وأطوارعيشها عبر حركة الناس فيها،كل هذا المشهد البانورامي وجد عينه الباصرة وعدسته الحاذقة وهي تحول الفعل الأنساني الى نص محكي،جاء في التقاطاتٍ متتابعة غرضها تدوين المشهد بإنفعاله تارة واسترخاءهِ ومفارقاته تارات آخر.نحن أمام " ذات" تخلت عن لغتها الفخمة وأختارت التعبيربحسه الإنساني،منتصرة لأنفاس الفقراء والمتعبين والباحثين عن خلاص خارج حدود البلاد واسلاكها الشائكة،وهم يتوزعون شوارع وأزقة مدينة ضاجة كبغداد،فكل فرد عابرهو قصة وكل مكان هو حدث ٌما موقع بهزيمة.
(( يوميات كاتب عرايض)) الإصدار الجديد للشاعروالكاتب كاظم غيلان عن دار كوديا للنشر والتوزيع 2026.هو سيرة ذات إنصهرت في المكان ــ المدينة،وإندغمت مع أحداثه بحلوها ومرّها،ومركز السرد هو المكان " مكتب كتابة العرائض والإستنساخ في باب المعظم"،ومركز تدوين السرد ومراجعة الإحداث هو" فندق الأردن" في أحد أزقة منطقة الميدان.وهنا يكون الكاتب مركز الحدث والتقاط شحنات التأين المجتمعي،بكل محمولاته الفكرية والثقافية بمواجهة سيل عارم من أحداث ووقائع،كان زمنها تسعينيات القرن العشرين الماضي،وفي أوج سعير الحصارالإقتصادي على العراق الذي تمدد غولاً شرساً في النفس والجسد والأحلام على حد سواء.والكاتب هنا هو المختلف/ الثوري/ الشيوعي صاحب الموقف والناقد لسياسات البلاد وحاكميه،والراصد لهجنة الثقافة العراقية في تلك الفترة.وكأن بالذات الكاتبة هنا تعيش الحدث وتنغمس في تفاصيله،بل تصطدم به في اكثر الأحيان،كيف لا((والأنظمة الديكتاتورية تفرض قوتها من خلال تدخلها في كل مفاصل حياة الشعوب التي تحكمها بالنار والحديد،وتحيل الحيطان الى آذان، تزرع العيون في كل الزوايا)) ص55.
يوميات كاتب عرايض،مصفوفة امتزج فيها الاجتماعي ( حصارــ جوع ــ نقص دواء ــ حصار أفكار ــ قمع حريات ــ البحث عن خلاص ) مع السياسي في سطوته وجبروته،لذا كانت كل حكاية في هذا الكتاب هي صوت مجروح،وقلب مكلوم،وبحة مخنوقة في الضمير الإنساني.من هنا تتمة مشاهد الواقع العراقي حد اختلاط اليومي مع الفنتازي العابر، مسرحها ثلاثة عشر عاماً من حصارجائريقذف بقصصه الموجعة وذواتهِ المنكسرة،وإختلاط المواقف الفكرية في المشهد الأدبي تحديداً لدى النخب الثقافية. ما دونه كاظم غيلان هو صدمات اجتماعية بلبوس حكايات إنسانية وكل واحدة لها طعمها الخاص ولسعتها الموجعة والحاملة للمخفي والمعلن،هذه الصدمات ــ المشكلات هي صرخات وجع دفين تحول الى " نص ــ عريضة" دونها كاتب العرائض كاظم غيلان خلف زجاج " دكانه ــمكتب الطباعة والإستنساخ في باب المعظم ببغداد،لتأخذ صداها في ذات الكاتب وتعيدنسجَ حكايتها وجعاً على الورق في غرفته في فندق الأردن (( حياتي في الفندق الذي أقمت به منفصلة تماماً عن حياتي العملية في باب المعظم، انها حياة فندقية بمجمل وقائعها وشخوصها ولربما يكون للهموم الثقافية حيزها الأكبر)) ص61.
حكايا وقصص وأحداث وجدت مساحتها الخصبة في ذات الكاتب وذاكرته المتوقدة كل هذه السنين، لتنتظم لنا في مصفوفة حكائية مؤثرة جاءت بعنوان (( يوميات كاتب عرايض)) مشحونة بالهم العراقي الذي تقاسم أقداره الفقير/ المعدم/الأمهات الباحثات عن مصائر ابنائهن/ الفرد البسيط مع من ينتمي للسلطة لتوكيد حيزهُ فيها (( موسم طباعة رسائل طلبة كليتي القيادة والأركان العسكريين،من المواسم المربحة، لاسيما بعد ابتكاري طريقة اعداد الرسائل تلك)) ص136.
كاظم غيلان في كتابه هذا، يلتئم مع ذاتهِ كاتبا وانساناً يستجمع القصص والحكايات والأحداث ويوثقها شاهدة على أزمنة ٍ مُرةٍ ومصائر مجهولة وحيوات متلاطمة الأقدارفي خط تصاعدي، قدمه لنا الكاتب بلغة طيعة ٍوأسلوب طازج بقصْهِ حملت من الفكاهة والمفارقة والتهكم والوجع الكثير، لتكونَ بين أيدينا شهادة حية ووقائع مدونة ومصائر حملت وجع بلادها الى البعيد.







التعليقات