* القصيدة:
ساحرة وارشو الصغيرة
شعر: أغنيزكا نيميرا
ترجمة وقراءة: د.مسلم عباس الطعان
((عندما أكونُ لوحدي يأتينَ
مخلوقات لكلِّ الإحتمالات
نطيرُ
نغيّرُ الأشكالَ
نصبحُ أصواتاً من ألوانْ
وألواناً من أصوات ْ
زميلاتُ المدرسةِ يصغينَ
يأتينَ لمكاني
يحاولنَ إدهاشَ المخلوقات
أرتعشُ عندَ مراقبةِ
...الناس تحتَ وطأةِ سحري
أرحَلُ
من قصيدةٍ
لقصيدة)).
***
كتب الصديق المترجم د. مسلم الطعان، وهو يقدم ترجمة لاحدى قصائد الشاعر الاسترالية أغنيزكا نيميرا ما يلي:
((أغنيزكا نيميرا شاعرة وكاتبة أسترالية من أصول بولندية، تتناول في مقالاتها قضايا مجتمعية حسّاسة كالتعليم وحقوق الإنسان. تمّيزت الشاعرة بإسلوبها التجريبيّ عند كتابة القصيدة. لا تميل إلى تكرار الأشكال الجامدة والمتكلّسة في خطابها الشعريّ الذي رغم بساطة لغته، تحاول أن تمزجه بعجينة السحر لتنتجَ لنا خبزاً شعريّاً وجماليّاً لذيذاً تفوحُ منه رائحة السحر بوصفها ( ساحرة وارشو) كما جاء في عنوان قصيدتها أعلاه. أصدرت الشاعرة أغنيزكا نيميرا عدة مجاميع شعرية، حازت على عدة جوائز أدبية وأكاديمية مهمة.)).
في هذه السطور سنقوم بتحليل قصيدتها القصيرة (ساحرة وارشو الصغيرة) على ضوء منهج الحركات لدراسة النص الأدبي.
هذا المنهج يقوم على حركات كبرى ثلاثة، وكل حركة كبرى تنتضم حركات صغرى غير معروفة العدد فيها.
قسم النص الأدبي الى حركات ثلاثة حسب الثيم الرئيسية التي يضمها النص، أو حسب موضوعاته الرئيسية، أو حسب أحداثه الرئيسية، أو كما قسم أرسطو النص الأدبي الى: المقدمة، والوسط، والنهاية، أو حسب ما يرتأية الدارس لهذا النص، وفي هذه الدراسة قسمنا نص هذه القصيدة الى ثلاث حركات، هي: الحركة الكبرى الأولى، وهي حركة حرية التنقل. والحركة الكبرى الثانية، وهي حركة الآخرين. والحركة الكبرى الثالثة، وهي حركة السحر. إذ ان الثيمات التي تقدمها هذه القصيدة ثلاثة هي: حرية التنقل، والآخرون، والسحر.
من المفيد أن نذكر ان أثنتين من الحركات الكبرى الأولى هي فعل جماعي، فيما الحركة الكبرى الثالثة هي فعل فردي لشخصية القصيدة لوحدها، وهذا ما جعل عنوان القصيدة يحمل الطابع الفردي للشخصية (ساحرة وارشو الصغيرة).
زرت مدينة وارشو في فصل تساقط الثلوج في النصف الأول من ثمانينات القرن المنصرم لذا نجد النص يؤكد على الفعل الجماعي الذي يؤكد برودة الجو، إذ (يأتينَ مخلوقات) ليرافقنها في طيرانها، وتغير أشكالهن، فيكونن أصواتا تظهر الألون، أو ألوانا تظهر منهن الأصوات، كالفراشات، ويقوم الجميع بفعل إدهاش الآخرين. و في النهاية تظهر شخصية القصيدة انها لوحدها، وهي تكتب القصائد، بعد حلم اليقظة هذا، إذ تتنقل بين القصائد كتنقلها، وصاحباتها، في الآفاق. يبرز مرة الصوت، ومرة أخرى يبرز اللون، وهن يدهشن الأخرين.
***
* الحركة الكبرى الأولى – حركة حرية التنقل:
* ((عندما أكونُ لوحدي يأتينَ
مخلوقات لكلِّ الإحتمالات
نطيرُ
نغيّرُ الأشكالَ
نصبحُ أصواتاً من ألوانْ
وألواناً من أصوات ْ)).
في هذه الحركة يبرز مضمون حلم اليقظة التي يتراءى للشاعرة، فيما إذا اعتبرناه حلم يقظة، فهي تخبرنا انها مع صويحباتها تطير، وأثناء الطيران يراهن الغير مرة على شكل ألون، وأخرى على شكل أصوات، هذا التغير هو ما يصيب القصيدة عند كتابتها.
ان هذه الحركة الكبرى تضم ثلاث حركات صغرى: الأولى، شخصية القصيدة لوحدها، وهذه الوحدة لا تنتج شعرا، على الرغم من ان الفكرة التي تقول ان الشاعر ينتج قصيدته عندما يكون بعيدا عن الآخرين لوحده فقط، إلا انه لا يستطيع الفكاك منهم، انهم معه دائما في الواقع، أو في التصور.
والحركة الصغرى الثانية هي جمعها مع صاحباتها التي نتعرف عليهن في الحركة الكبرى الثانية على انهن زميلاتُ المدرسة.
وفي الحركة الصغرى الثالثة تظير معهن، أي انها تكتب قصيدتها بحضورهن المتصور لا الواقعي، وهذا فهم للعملية التي تؤكد ان وادي عبقر هو وادي الزميلات في المدرسة.
***
* الحركة الكبرى الثانية – حركة الآخرين:
* ((زميلاتُ المدرسةِ يصغينَ
يأتينَ لمكاني
يحاولنَ إدهاشَ المخلوقات)).
الحركة الكبرى الأولى فعلت فعلا جماعيا، إلا ان الشاعرة عرفتنا في الحركة الكبرى الثانية المكون الآخر الذي يشكل المجموع مع الشاعرة في الحركة الكبرى الأولى، وهذه الحركة تتكون من حركات صغرى ثلاثة، وهي أفعال يقمن بها، فعل الاصغاء، وفعل الاتيان، وفعل الادهاش، هذه الأفعال لم تأت بالتسلسل المنطقي بل جاءت بترتيب غير منطقي كما جاءت هذه الحركة الكبرى الثانية في الترتيب الثاني، وتسلسلها هو الأوّل، ومن هنا ينشأ واحد من قيمة ابداع هذه القصيدة حيث تركت لا على منطق تسيّرها على هديه لأنها نابعة من مخيال نشط أساسه اللامنطق، أو حلم اليقظة.
***
* الحركة الكبرى الثالثة – حركة السحر:
ليس السحر خاصا بالناس العوام، أو الانسان الأمي، أو الانسان الذي لم تصله الحضارة، والتقدم، بعد، بل هو موجود حيث وجد الانسان، بشقيه الحقيقي، أو المجازي. والسحر الذي تقصده القصيدة ليس السحر المتعارف عليه، بل هو ما تقوله القصيدة ذاتها عن أفعال شخوصها، الشاعرة، وزميلاتها. هذا السحر الذي يتركها في حالة ابداعية مستمرة من قصيدة الى أخرى كانتقال الفراشات من زهرة الى أخرى، ومن وردة الى ثانية.
هذه الحركة الكبرى تضم بين جوانحها حركات صغيرة، وكل حركة صغيرة تقوم بفعل ما، هو: المراقبة، والارتعاش، والارتحال، أي كتابة القصائد الواحدة تلو الأخرى.
* ((أرتعشُ عندَ مراقبةِ
الناس تحتَ وطأةِ سحري
أرحَلُ
من قصيدةٍ
لقصيدة)).
***
* الشكل المفترض للقصيدة:
ليس من حقي، ولا من حق أحد ان يضع أية قصيدة قالها الشاعر في صيغة ثانية غير صيغتها الأولى التي وضعها فيها شاعرها إلا ان من حق أي دراسة ان تضعها بصيغة أخرى لأجل دراسة تلك القصيدة، فكانت هذه الصيغة هي الأنسب للدراسة:
* ((زميلاتُ المدرسةِ
مخلوقات لكلِّ الإحتمالات
عندما أكونُ لوحدي
يأتينَ لمكاني
يصغينَ
يحاولنَ إدهاشَ المخلوقات
نطيرُ
نغيّرُ الأشكالَ
نصبحُ أصواتاً من ألوانْ
وألواناً من أصوات
أرتعشُ عندَ مراقبةِ
الناس تحتَ وطأةِ سحري
أرحَلُ
من قصيدةٍ
لقصيدة)).
وتبقى هذه القصيدة بالصيغة التي وضعتها بها الشاعرة لأن الأبداع الشعري يفرض عليها هذه الصيغة.
القصيدة هذه بصيغتيها، الأولى، أو المفترضة، هي قصيدة متفائلة جدا، تنبع من مخيال متفائل لا يعرف للتشاؤم مكانا.
***
الهوامش:
1 – لي تجربه في اعادة كتابة قصيدة للشاعر رشيد مجيد في صيغة جديدة إلا ان الصيغة التي خرجت من قلم الشاعر هي الصيغة الابداعية التي يراها الشاعر حسب حسه، وتجربته الشعرية. نشرت هذه الدراسة في مجلة الاقلام في عدد أيلول - تشرين الاول 2000 - وأعيد نشرها في كتابي "رشيد مجيد .. الانسان والشاعر – دار المتن – بغداد – 2024".







التعليقات