من المحتمل أن يولد الإنسان حراً، لكنه حتماً سيولد منسياً على حافة الكون،
ولكنه حين يُولَدُ متعباً، ويتيماً في الشعور هذا قد يؤهله أن يصبح لصاً أو شاعراً خطيراً.
كان جان جينيه طفلاً ذكياً لامعاً حرصت أمه على تربيته تربيةً دينية لتجعل منه قساً قبل أن تضعه للتبني بعد سبعة أشهر من حياته التي تعرض فيها في وقتٍ باكر ٍ للعنة الفقد ثم عَكَر الكدر صفو أيامه بسبب المضايقات ضد أطفال مؤسسة الرعاية أو كما عرفوا ( بالباريسيون الصغار أو قاع باريس)
"كان عليَّ أن أخون اللصّ الذي كنتُه، لأصبح الشاعر الذي آمل أنني صرتُه" هذا ما قاله
جينيه، الشاعر الذي كان يسرق الكتب ليقرأها ثم يبيعها، لقد منحته الزنزانة هوية وجودية ليسرق ثم يكتب نصوصه ويستقي منها عمله الأدبي من داخل القضبان.
لقد قال مرةً:
" لن يسمحوا لي أن أزيد شيئاً سوى كلماتي"
قالها ، بسبب جهل أغلب الموقوفين وغبائهم الفكري الذي أثار حنقه وزاد من شقاءه مما دفعه للبحث عن طريقة للتخفيف من الضجر والشفقة في آن واحد.
كان السجناء يتسلمون كميّة من الورق يومياً لصنع نسبة كبيرة من الأكياس، وكان جينيه يستعمل هذا الورق لكتابة مسودات روايته "عذراء الزهور"، وأثناء خروجه من زنزانته تمّ تفتيشها واستدعاه مدير السجن ليخبره بتهكّم وسخرية بأن هذا الورق ليس مُخصّصاً لكتابة الروائع الأدبية"
غير أنه اشترى دفتراً صغيراً من كشك في السجن واستأنف الكتابة
"كانت السجون بالنسبة إليّ أشدّ امتلاء بالحنان الأمومي من الأزقّة الساخنة لإمستردام وباريس وبرلين وبرشلونة"
لقد صنع ذلك المُشّرَد قَدَرَهُ بيده ورغماً عن تعاسته، وظروفه التي لا يحسد عليها ورغم ما عرفه من موبقات ومحرمات وتمرد على القانون لكنه كان صادقاً ورقيق الطباع وأفضل بكثير من أقرانه.
فكان يخون مجتمعه بالسرقة، ولكنه لم يخن ذاته يوماً بل كان متمرداً حتى يوم خان الشر خانه بالشِعر.
وفي مقاضاته وعند المثول أمام القاضي بعد سرقته لكتاب باهظ الثمن أجاب :
"لم أكن أعرف سعره، لكنني أعرف قيمته"
لذا فإن القيم التي كان يحملها في جعبته وتصنيفها ضمن الجماليات لقد أنقذت جانو
وعلمته الجمال وأبعدت عنه الفظاظة.
وعندما وقعت المجازر في مخيمات بيروت فقد نشر كتاباً له بعنوان "أربع ساعات في صبرا وفي شاتيلا "، هذا إلى جانب مواقفه العضوية وتضامنه مع حرب الاستقلال الجزائرية.
وكما عشق البلدان العربية ولا سيما الجزائر وتونس والمغرب وأوصى بأن يدفن في هذه الأخيرة واحتراماً لرغبته نقلته السلطات الفرنسية إلى مقبرة العرائش المسيحية قبالة المحيط الأطلسي.
أما عن موت الإله في حياته، فقد آمن بأن الإله قد تنكر في صورة القديسة مريم ويوسف الصديق بينما هو في الواقع قد خلق الرغبات المستترة، فهو غائباً وغير مبالٍ بالشر، ولكن المرء يولد بفطرته ثم يحتفظ بالإيمان الذي عرفه في طفولته حتى لو رفض كل الأديان زمناً طويلاً.
"ما هو مثالي في الدين هو الذي أثر بي وهزني حقيقة، وأعتقد أنني لم أفقد كل شيء طالما لا زالت لدي السذاجة لأحتفظ بإيماني"
وكتب أيضاً اللص والكلاب، معجزة الوردة، يوميات لص، شؤون جنائزية، الفتى الجميل الخائن، العاشق الأسير، الملاك الأسود، الحارس المتلصص، نوتردام دي فلور، الشرفة، الزنوج، الحواجز ، وسبقتها الخادمات والكثير من الإنجازات الشعرية والمسرحية والروائية.
وأخيراً لقد مات وحيداً ليلة 14/15 نيسان 1986 وهو يصحح نسخة من كتابه الأخير في إحدى غرف الفندق الصغير حيث كان يصارع ورم الحنجرة الخبيث لسبع سنواتٍ متتالية.
مات جان جينيه ليترك رسالة خالدة لعالم فوضوي، لايؤمن سوى بلغة واحدة الا وهي لغة العِقاب دونما العودة الى الأسباب التي حَوّلت الإنسان من مكانته الوجوديه الحقيقية الى كائنٍ آخر ، وأن الإبداع الحقيقي غالباً ما تخلقه المآساة.
* الكتاب يتناول ملامح من الشاعر والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي الشهير جان جينيه من تأليف آرنو مالغورن وترجمة إيمان فاضل







التعليقات