لم يكن أخطر ما فعله شهاب الدين السهروردي أنّه تحدّث عن النور بل أنّه جرّد العتمة من حقّها في أن تكون نقيضه الوحيد ، فثمّة عتمات تسكن العقول وهي تظنّ نفسها مستنيرة، وثمّة أنوار لا تُرى بالعين لأنّها لا تقع في العالم الذي اعتادت العين أن تراه ، وثمّة حقيقة إذا اقترب منها الإنسان، لم تعد المشكلة في أن يهتدي إليها بل في أن ينجو من انهيار صورته القديمة عن نفسه ، هنا عند الحافّة التي يتصدّع فيها اليقين ولا يستسلم العقل، يبدأ السهروردي لا بوصفه فيلسوفًا أضاف نظرية جديدة إلى تاريخ الفكر وإنما بوصفه عقلًا قرّر أن يسأل عن الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة، وعن المسافة الغامضة بين أن نعرف الشيء وأن نحضر فيه، وبين أن نصف النور وأن نصير قادرين على إدراكه كم نحتاج من الحقيقة كي نرى، وكم نحتاج من أنفسنا كي نحتمل ما نراه؟
في تاريخ الفلسفة الإسلامية تبرز أسماء استطاعت أن توسّع حدود السؤال، وأخرى أعادت ترتيب الإجابات الموروثة غير أنّ شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي المعروف بالسهروردي المقتول، اختار طريقًا أكثر مخاطرة؛ فقد أراد أن يردّ المعرفة إلى أصل يتجاوز حدود البرهان وحده من غير أن يلغي العقل أو يعلن الحرب على التفكير.
وُلد في القرن السادس الهجري ، وعاش في زمن كانت فيه الفلسفة الإسلامية قد راكمت تراثًا واسعًا من البحث في الوجود والنفس والعقل، من الكندي والفارابي إلى ابن سينا، وكانت المناقشات الكلامية والفلسفية والتجارب الصوفية تتقاطع وتتعارض في فضاء فكري شديد الحيوية. تنقّل بين مراكز العلم، وتلقّى معارف عصره، ثم مضى إلى بناء مشروعه الخاص الذي سيُعرف لاحقًا بحكمة الإشراق ، وانتهت حياته في حلب سنة 587هـ، الموافق تقريبًا لعام 1191م، في ظروف ارتبطت بخصومة سياسية ودينية وفكرية ولا تزال تفاصيلها موضع نقاش في الروايات التاريخية.
غير أنّ اختزال السهروردي في نهايته المأساوية يظلمه مرتين:
-مرة حين يحوّل حياته إلى حكاية اضطهاد.
-ومرة حين يجعل موته مفتاحًا وحيدًا لفهم فلسفته. فالسهروردي لم يكن مجرد صاحب تجربة روحية انتهت بالمأساة، ولا متصوفًا يعلن ما يتجاوز العقل ثم يتركه خلفه؛ كان مشروعه محاولة لتأسيس رؤية معرفية ووجودية متكاملة تتصل فيها طبيعة الوجود بإمكان المعرفة، وتتصل المعرفة بحضور الذات لنفسها، ويتصل هذا الحضور بفكرة النور بوصفها مبدأ للكشف والظهور. ومن هنا تنبع فرادته: إنه لا يسأل فقط عمّا إذا كان العالم موجودًا بل عمّا يجعل الموجود ظاهرًا، ولا يكتفي بالسؤال عن صحة المعرفة بل ينفذ إلى السؤال الأسبق:
كيف ينكشف الشيء للعارف أصلًا؟
إنّ الفلسفة في صورتها المألوفة تبدأ غالبًا من مسافة بين الإنسان وما يريد معرفته ، هناك ذات تسأل، وموضوع يُسأل عنه، ومقدمات تُرتّب، ونتائج تُستخرج وهذه المسافة ضرورية لبناء البرهان، ولتمييز الوهم من الحقيقة، ولإقامة المعرفة على أسس يمكن للعقل أن يفحصها ويناقشها. لكن السهروردي يلتفت إلى معرفة لا تبدأ من هذه المسافة؛ معرفة لا يحتاج فيها الإنسان إلى أن يستدلّ على وجوده كي يكون حاضرًا لنفسه، ولا إلى أن يصنع صورة ذهنية عن الألم كي يدرك أنه يتألم، ولا إلى أن يبرهن على وجود النور كي يرى الأشياء التي يكشفها النور.
إنّ الإنسان لا يعرف ذاته أولًا كما يعرف حجرًا أمامه، ولا يحتاج إلى وسيط ذهني كي يدرك حضوره المباشر ، هنا يفتح السهروردي بابًا على ما يُعرف بالعلم الحضوري في مقابل العلم الحصولي الذي تتوسط فيه الصور والمفاهيم والتمثلات الذهنية.
في العلم الحصولي تُعرف الأشياء من خلال صورها أو مفاهيمها في الذهن؛ فنحن نعرف مدينة لم نزرها بواسطة وصفها، ونفهم حدثًا تاريخيًا عبر الروايات والوثائق، ونستدلّ على أمر غائب من آثاره. أما العلم الحضوري فيقوم على حضور المعلوم لدى العارف من غير أن تكون المعرفة متوقفة على صورة ذهنية تفصل بينهما.
المثال الأوضح هو حضور الإنسان لنفسه، وإن كان هذا المثال لا يستنفد جميع أبعاد المسألة عند السهروردي. فثمّة فرق بين أن أصف خوفي وصفًا دقيقًا وأن أكون حاضرًا في تجربة الخوف نفسها؛ وبين أن أضع تعريفًا للنور، وأن أرى بفضله ما كان خافيًا ، لا يعني ذلك أنّ التجربة المباشرة معصومة من الخطأ في كل تفسير نُلحقه بها بل يعني أن هناك مستوى من الحضور لا يمكن اختزاله إلى سلسلة من الاستدلالات الخارجية.
بهذا التمييز لا يهدم السهروردي المعرفة البرهانية وإنما يضعها في موضعها ، فالبرهان قادر على أن يكشف العلاقات، ويختبر التناقضات، ويستنبط النتائج، لكنه لا يستطيع أن يستبدل بالحضور نفسه وصفًا عنه ، يستطيع المرء أن يشرح للآخرين خصائص الضوء ،
وأطوال موجاته، وكيفية انعكاسه وانكساره، لكنه لا يجعلهم يرون بمجرد الشرح ما لم يقع في مجال الرؤية. وكذلك يمكن للفكر أن يحدّد شروط المعرفة ويحلّل أدواتها لكنه لا يساوي بين تحليل التجربة وبين تحققها في الوعي. إنّ السؤال الذي يفتحه السهروردي ليس دعوة إلى ترك العقل بل تنبيه إلى أنّ للعقل حدودًا منهجية، وأنّ إدراك تلك الحدود جزء من نضجه لا اعتراف بهزيمته.
ومن هنا نفهم لماذا لم يرضَ السهروردي بالاكتفاء بالفلسفة المشائية على الرغم من معرفته العميقة بها وإفادته من منطقها ومباحثها، فقد وجد في المنهج البرهاني أداة لا غنى عنها لكنه لم يره كافيًا وحده لتأسيس الحكمة التي ينشدها، فالحقيقة في تصوره ليست مجموعة قضايا صحيحة فحسب بل انكشاف له شروطه وتحوّل في علاقة الذات بما تعرفه غير أنّ هذا التحوّل لا يمنح صاحبه رخصة لادعاء الحقيقة بلا دليل؛ إذ إنّ التجربة الإشراقية عند السهروردي لا تنفصل عن التكوين العقلي والتهذيب والاستعداد، فالحكمة لا تُنال بمجرد ترديد لغة النور، ولا بإطلاق العبارات الغامضة، وإنما تتطلب عملًا في الفكر والنفس معًا بحيث لا يبقى العقل غريبًا عن التجربة، ولا تصبح التجربة ذريعة لتعطيل العقل.
في هذا الموضع تتحدد خصوصية الإشراق ، فالإشراق ليس استعارة شعرية أُضيفت إلى الفلسفة لتجميل عباراتها، وليس مرادفًا فضفاضًا للحدس أو الانفعال أو الإحساس الداخلي ، إنه اسم لمشروع فلسفي يجعل النور مبدأً لفهم الوجود والظهور والمعرفة ، ويصل بين النظر العقلي والتجربة التي تنكشف فيها الحقائق للذات.
لذلك لا تكفي قراءة السهروردي بحثًا عن الجمل اللامعة أو الصور التي تستميل الخيال إذ ينبغي أن نتابع كيف يتحول النور في منظومته من حقيقة مألوفة في التجربة الحسية إلى مبدأ ميتافيزيقي تتأسس عليه مراتب الموجودات وعلاقاتها.
النور في معناه الحسي هو ما يجعل المرئي قابلًا للرؤية لكنه في حكمة الإشراق يتجاوز وظيفته الفيزيائية، إنه ما يظهر بذاته ويكون سببًا في ظهور غيره ومن هذه الدلالة ينطلق السهروردي لبناء تصوره عن مراتب الأنوار، في أعلى هذه المراتب يقف نور الأنوار، المبدأ الذي لا يستمد نوره من غيره ولا يتوقف وجوده على علة خارجة عنه.
ومنه تتحدد سائر مراتب الوجود بحسب درجات النور والافتقار لا بحسب قرب مكاني أو مسافة هندسية، فالمراتب ليست طبقات مادية تتراكم في الفضاء بل علاقات وجودية تتفاوت فيها الموجودات من جهة الظهور والكمال والاستقلال والاعتماد.
تنبثق عن نور الأنوار مراتب من الأنوار المجردة، تتصل فيما بينها بعلاقات إشراق وقهر ومحبة ضمن بناء ميتافيزيقي يحاول أن يفسّر تعدد الموجودات من غير أن يجعلها منفصلة تمامًا عن مبدئها الأول ، وإلى جانب الأنوار المجردة يتناول السهروردي الأنوار المدبّرة المرتبطة بتدبير النفوس كما يفسّر العالم المادي من خلال مفاهيم البرزخ والظلمة والأجسام في مقابل الأنوار التي يظهر بها الوجود وينكشف.
وتكتسب هذه المراتب أهميتها من كونها ليست مجرد قائمة بأسماء كونية وإنما محاولة لتفسير تفاوت الموجودات في الظهور وعلاقة الافتقار بين ما يستمد وجوده مما هو أعلى منه وما لا يستمده من غيره.
ولا ينبغي أن نساوي بين الظلمة والشر الأخلاقي مساواة آلية، أو أن نختزل كل ما هو مادي في حكم أخلاقي سلبي فالتقسيم الإشراقي ذو طبيعة ميتافيزيقية في المقام الأول، يتعلق بالظهور والاستقلال والافتقار، وإن كان يتيح تأملًا فلسفيًا في علاقتنا بما نحسبه كاملًا أو ناقصًا.
ليست قيمة الإنسان، مثلًا في أن يتظاهر بالتخلي عن العالم وإنما في أن يفهم موقعه ضمن الوجود، وأن يدرك أن ما يظهر له لا يستنفد حقيقة ما هو موجود ، فالمرئي ليس كل الحقيقة لكنه ليس بلا حقيقة أيضًا؛ والمادة ليست مجرد وهم يمكن إلغاؤه بقرار روحي كما أن العالم المحسوس ليس المجال الوحيد الذي يجوز للعقل أن يسأل عنه.
وتتجلى أهمية هذه الرؤية في أنها تعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والوجود ، ففي التصور الإشراقي لا تُفهم المعرفة باعتبارها عملية محايدة تحدث داخل الذهن بمعزل عن طبيعة الموجودات وإنما باعتبارها انكشافًا يتناسب مع مراتب الظهور.
كلما كان الشيء أكثر ظهورًا بذاته قلّت حاجته إلى ما يكشفه؛ وكلما كان أكثر افتقارًا إلى ما يخرجه من الخفاء، احتاج إلى غيره كي يظهر وهكذا لا تكون المعرفة مرآة ساكنة تنقل العالم كما هو، بل علاقة بين العارف والمعلوم تتوقف على طبيعة الطرفين وشروط الانكشاف.
غير أنّ هذه الفكرة لا تعني أن الحقيقة تتبدل وفق أهواء الأشخاص وإنما تعني أن طرق معرفتها ليست واحدة وأنّ بعض ما نعرفه بالبرهان قد يحتاج إلى مستوى آخر من الحضور كي تتضح دلالته الوجودية.
ولعلّ هذا ما يجعل مشروع السهروردي جديرًا بالقراءة في زمننا حيث تتكاثر المعلومات إلى حدّ يهدد بتحويل المعرفة إلى تراكم لا يمسّ صاحبه.
قد يعرف الإنسان أسماء الأشياء وتواريخها ومصطلحاتها لكنه يظل عاجزًا عن إدراك أثرها في فهمه لذاته والعالم، وقد يمتلك أدوات دقيقة لتحليل التجارب من غير أن يلتفت إلى المسافة بين امتلاك وصف لتجربة وبين اختبارها.
ليس المقصود هنا أن المعرفة الحديثة عاجزة أو أن التجربة الداخلية تتقدم على العلم في كل مجال؛ إنما المقصود أن التمييز الإشراقي يذكّرنا بأن المعرفة ليست مستوى واحدًا، وأنّ صحة المعلومة لا تساوي دائمًا اكتمال الفهم ، فهناك ما نعرفه لأننا استدللنا عليه وما نعرفه لأننا نعيشه، وما لا نفهم دلالته إلا حين تتغير علاقتنا به.
وإذا كان السهروردي قد منح النور هذا الموقع المركزي فإنّ علاقته بالحلاج تستحق أن تُقرأ بحذر وعمق بعيدًا عن وضع التجربتين في سلة واحدة عنوانها التصوف.
الحلاج الذي ارتبط اسمه بعبارة "أنا الحق " يمثل في الذاكرة الصوفية لحظة شديدة التوتر بين التجربة الوجدانية والتعبير عنها، بين ما يعيشه العارف في حال الاستغراق وما تسمح به اللغة في المجال العام ، لا يمكن اختزال عبارته في معنى واحد، ولا التعامل معها بمعزل عن سياقها الروحي والتاريخي والتأويلي ، إنها تفتح سؤالًا عن حدود الأنا حين تبلغ التجربة الوجدانية ذروتها:
هل تتحدث الذات عن نفسها، أم ينهار في تجربتها الإحساس المعتاد باستقلالها؟
وكيف تتحول لغة الحال إلى عبارة تُقرأ خارج لحظتها فتثير التأويل والجدل والخوف؟
أما السهروردي فعلى الرغم من وجود تقاطعات بينه وبين الحلاج في الاهتمام بما يتجاوز المعرفة الخارجية فإنّ مشروعه لا يقوم أساسًا على العبارة الوجدانية الصادمة ولا على جعل الشطح مفتاحًا وحيدًا للحقيقة.
إنه يحاول إقامة بنية فلسفية تشرح النور ومراتبه، وتبيّن شروط المعرفة، وتربط التجربة الروحية برؤية للوجود.
الحلاج يضعنا أمام مأزق القول حين تتجاوز التجربة حدود التعبير المألوف بينما يضعنا السهروردي أمام مأزق المعرفة حين لا يكفي القول البرهاني وحده لإحاطة ما ينكشف للذات ، كلاهما يزعزع الاطمئنان إلى اللغة المعتادة لكنهما لا يفعلان ذلك بالطريقة نفسها:
-عند الحلاج تتقدم حدة التجربة وما تثيره من سؤال عن الأنا والحق.
-وعند السهروردي تتقدم محاولة تأسيس فلسفة تجعل الانكشاف جزءًا من نظرية المعرفة والوجود.

وهنا ينبغي ألا نجعل مصير الرجلين المأساوي دليلًا على تماثل تجربتيهما فالتشابه في النهاية لا يعني التشابه في المنهج كما أنّ ما تتلقاه الذاكرة من حكايات عن المحنة لا يكفي لفهم البناء الفكري ، إنّ قراءة السهروردي بوصفه نسخة فلسفية من الحلاج تُفقده استقلال مشروعه، وقراءة الحلاج بوصفه ممهدًا مباشرًا لحكمة الإشراق تفرض على التجربة الصوفية ترتيبًا تاريخيًا وفكريًا لا يبرره التشابه العام في مفردات النور والحضور والحق.
إنّ الإنصاف لا يقوم على جمع الأسماء تحت عنوان واحد بل على الإصغاء إلى السؤال الخاص الذي حمله كل واحد منهم.
ومع ابن عربي يتغير مجال المقارنة مرة أخرى ففي مشروع الشيخ الأكبر تتسع الأسئلة المتعلقة بالتجلي والخيال والوجود والإنسان الكامل ويصبح العالم مجالًا لظهور الأسماء الإلهية وتنوع صورها من دون أن يعني ذلك أن الصور المتعددة تستقل عن حقيقتها الجامعة، ويمنح ابن عربي الخيال منزلة معرفية لا تختزله في الوهم؛ فهو ليس مجرد قوة تنتج صورًا كاذبة بل مجال تتوسط فيه المعاني بين التجرد والتجسد، وتظهر فيه الحقائق في صور قابلة للإدراك ، لهذا تكتسب الصورة عنده أهمية تتجاوز الزينة البلاغية إذ يمكن أن تكون طريقًا للتأويل والكشف عن علاقة الظاهر بالباطن.
وفي شعر ابن عربي تتجلى هذه الرؤية في قوله:
"لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ
فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ"
لا تُقرأ هذه الأبيات بوصفها إعلانًا عن محو الفروق بين المعتقدات أو إلغاء الاختلافات بل بوصفها تعبيرًا شعريًا عن اتساع القلب لتعدد الصور التي يتجلى فيها المعنى، وعن مقاومة الحصر الذي يظن أنه امتلك الحقيقة حين أغلقها داخل صورة واحدة ، ومع ذلك لا ينبغي أن نساوي بين اتساع الخيال العرفاني عند ابن عربي وبين مراتب الأنوار في فلسفة السهروردي فكلاهما يسعى إلى تجاوز ظاهر الأشياء إلى ما يكشفه باطنها، لكن السهروردي يبني نسقًا إشراقيًا يجعل النور أساسًا لترتيب الموجودات وتفسير المعرفة بينما يمنح ابن عربي التجلي والخيال والتأويل موقعًا مركزيًا في فهم الوجود وتنوع مظاهره.
إنّ الاختلاف بينهما لا يقل أهمية عن التقاطع ، فحين نتحدث عن النور عند السهروردي فإننا نتحدث عن مبدأ ميتافيزيقي منظم لمراتب الوجود، وعن مفهوم يفسر الظهور والافتقار والعلاقة بين الموجودات، أما حين نتحدث عن التجلي عند ابن عربي فإننا ندخل في شبكة من العلاقات بين الأسماء الإلهية وصور العالم وقابلية الموجودات للتجلي حيث تتطلب الحقيقة قراءة لا تتوقف عند الصورة الظاهرة ولا تلغيها. كلا المشروعين يرفض الاكتفاء بالقشرة، لكن لكل منهما جهازه المفهومي الخاص ولا يصبح أحدهما شرحًا للآخر لمجرد أنهما يستعملان لغة تتصل بالنور والباطن والكشف.
أما جلال الدين الرومي فتتقدم في تجربته قوة التحول الوجداني، ويتحول العشق إلى لغة لتجاوز الانغلاق الذي يحبس الإنسان داخل صورته المعتادة عن نفسه، ليست المحبة عنده شعورًا عابرًا ولا موضوعًا غزليًا مستقلًا عن المعرفة؛ إنها قوة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، وتكشف له أن التعلق بما يظنه ثابتًا قد يحجبه عن الحركة الأعمق للوجود، وفي شعره يصبح الفقد طريقًا إلى السؤال، والغياب مجالًا يتسع فيه الحضور، وتتحول الموسيقى والرقص والحكاية إلى طرائق للتعبير عما تضيق العبارة المباشرة عن حمله.
لكن الرومي لا يقدّم فلسفة الإشراق بصيغتها السهروردية كما أنّ السهروردي لا يكتب شعر الرومي بلغة فلسفية، الرومي شاعر ومعلّم صوفي يجعل العشق محورًا للتحول الروحي ويستثمر الحكاية والمفارقة والمثال لتقريب المعاني إلى التجربة الإنسانية ، أما السهروردي فيسعى إلى إقامة بناء فلسفي يفسر مراتب النور وكيفية انكشاف الموجودات ويمنح التجربة الروحية موقعًا ضمن تصور كلي للوجود.
عند الرومي كثيرًا ما نُدعى إلى أن نتحول كي نفهم، وعند السهروردي يُطلب إلينا أن نفهم كيف يكون التحول نفسه جزءًا من شروط المعرفة، لا ينفي أحد المسارين الآخر لكنهما لا يتطابقان:
أحدهما يضيء طريق العشق من الداخل، والآخر يحاول أن يشرح البنية التي تجعل الانكشاف ممكنًا.
وتبدو المقارنة بابًا مفتوحًا على سؤال أكبر:
هل يمكن للتصوف أن يكون معرفة من دون أن يفقد خصوصيته التجريبية، وهل يمكن للفلسفة أن تتعامل مع التجربة الداخلية من دون أن تختزلها إلى موضوع خارجي؟ لقد أجاب السهروردي عن هذا السؤال بطريقته الخاصة فلم يكتفِ بأن يجعل التجربة الروحية شهادة شخصية، ولم يحوّلها إلى بديل من التفكير بل سعى إلى إقامة صلة بين الاستدلال والحضور، بين البرهان والإشراق ، وهذه الصلة لا تعني ذوبان أحدهما في الآخر ، فالبرهان يختبر ما يمكن صياغته في قضايا واستنتاجات بينما يكشف الحضور عن مستوى لا يستنفده التمثيل الذهني ، إنهما طريقان مختلفان قد يتكاملان لكن لا يجوز أن نستخدم أحدهما لإلغاء الآخر.
ومن الضروري هنا أن نتذكر أثر ابن سينا في خلفية مشروع السهروردي فقد ورث السهروردي جانبًا مهمًا من المباحث الفلسفية التي صاغها ابن سينا ومنها البحث في النفس والعقل والوجود لكنه لم يقف عند حدودها.
إنّ فكرة معرفة الذات لنفسها وما تفتحه من أسئلة عن الوعي والحضور تمثل نقطة تقاطع مهمة في تاريخ الفلسفة الإسلامية غير أن السهروردي أعاد إدراج هذه المسألة في إطار أوسع يتخذ من النور مبدأً للوجود والمعرفة.
لذلك لا يصح أن نقرأه بوصفه قطيعة مطلقة مع الفلسفة المشائية، ولا تابعًا يكرر ما سبقه إليه ابن سينا؛ إنما هو مفكر استفاد من تقاليد فلسفية قائمة ثم أعاد تنظيم عناصرها ضمن مشروع يطمح إلى الجمع بين البرهان والذوق الإشراقي.
وكذلك لا ينبغي أن يُختزل مشروعه في امتداد مباشر لتجربة الغزالي أو لمفهوم النور عنده. فكتاب "مشكاة الأنوار " للغزالي يفتح تأملًا في آية النور وفي مراتب النور ومعانيه، ويكشف عن صلة بين الظاهر والباطن وبين الإدراك الحسي والهداية الروحية ، لكن اشتراك الغزالي والسهروردي في مركزية النور لا يجعل تصوريهما متطابقين فلكل منهما سياقه وأسئلته وبنيته الخاصة، والسهروردي يبني في "حكمة الإشراق " نسقًا فلسفيًا أكثر تفصيلًا في تفسير مراتب الموجودات وعلاقاتها بينما يتحرك الغزالي في أفق له صلته بمشروعه في المعرفة والهداية والتأويل، إنّ التشابه في المفردة قد يكشف عن تقاطع لكنه لا يكفي لإثبات وحدة المنهج أو النتيجة.
ولأنّ السهروردي لم يكتفِ بالتأليف الفلسفي المنهجي فقد كتب نصوصًا رمزية وقصصية تتجاوز وظيفة الشرح المباشر ، في هذه النصوص تتخذ الرحلة معنى يتصل بالتحول الداخلي، ويغدو المكان علامة على حال النفس، وتصبح الغربة أكثر من ابتعاد عن موطن جغرافي، إنّها اغتراب الذات عن حقيقتها حين تنشغل بالمألوف وتظنّه نهاية العالم ، ثم تبدأ في اكتشاف أن ما اعتادته ليس كل ما يمكن أن يكون ،وفي "قصة الغربة الغربية " كما في غيرها من كتاباته الرمزية، يتداخل السرد مع الإشارة الفلسفية وتتحول الرحلة إلى بنية معرفية:
لا يكتفي المسافر بقطع المسافة بل يتغير معنى الطريق كلما تغيّر فهمه لما يبحث عنه.
غير أنّ الرمز لا ينبغي أن يُعامل باعتباره لغزًا تُستخرج منه إجابة واحدة، ولا بوصفه ستارًا يخفي حقيقة يمكن الوصول إليها بإزالة الصور فقوة الكتابة الرمزية تكمن في أنها تجعل القارئ يشارك في حركة التأويل وتضعه أمام تجربة لا تنتهي بمجرد تلخيصها في فكرة، ومن هنا يمكن أن نرى العلاقة بين فلسفة السهروردي وأدبه:
فالنظام الفلسفي يشرح مراتب الوجود وشروط المعرفة، بينما تتيح الكتابة الرمزية اختبار بعض هذه الأسئلة في صورة رحلة ومحنة وغربة وعودة، ليست القصة بديلًا من البرهان ، كما أنّ البرهان لا يستنفد ما تتيحه القصة من خبرة تخييلية؛ إنهما مستويان مختلفان يتجاوران في مشروع واحد ويكشف كل منهما عن وجه لا يظهر بالطريقة نفسها في الآخر.
وتزداد أهمية هذا الجانب حين نقرأ السهروردي من منظور الأدب والفكر المعاصر ، فالإنسان الحديث يعيش وفرة غير مسبوقة في وسائل الاتصال لكنه لا يضمن بذلك أن يكون أكثر حضورًا لنفسه أو أكثر فهمًا للعالم.
تتدفق الصور أمام العين حتى تكاد تحجب القدرة على الرؤية، وتتراكم المعلومات حتى يصبح التمييز بين المعرفة والامتلاك المؤقت للمعلومة أكثر صعوبة ، في هذا السياق تبدو أسئلة السهروردي قابلة لإعادة التفكير لا لأنّ فلسفته تقدم حلولًا جاهزة لمشكلات عصرنا بل لأنها تدعونا إلى مساءلة افتراضاتنا عن معنى المعرفة.
ماذا يعني أن نعرف؟
هل يكفي أن نمتلك تعريفًا صحيحًا؟
وهل يستطيع الإنسان أن يظل خارج ما يعرفه، أم أن بعض أنواع الفهم تفرض عليه مراجعة نفسه وموقعه في العالم؟
إنّ استعادة السهروردي اليوم لا ينبغي أن تتحول إلى تمجيد للماضي أو إلى محاولة لفرض مفاهيمه على العلوم الحديثة من دون تمييز ، فالفلسفة الإشراقية تنتمي إلى سياقها التاريخي ولها لغتها وافتراضاتها الميتافيزيقية التي ينبغي فهمها قبل عقد المقارنات المعاصرة لكن الاعتراف بهذا السياق لا يعني إغلاقها داخل زمنها؛ فالأفكار الكبرى تظل قادرة على فتح أسئلة جديدة حين نقرأها قراءة نقدية، لا حين نعاملها باعتبارها أجوبة نهائية، ويمكن لمفهوم العلم الحضوري، مثلًا أن يدفعنا إلى التفكير في الفروق بين الوصف والتجربة من غير أن نزعم أنه يساوي النظريات الحديثة في الوعي أو أنه يحسم قضاياها ، ويمكن لمفهوم النور أن يثير أسئلة عن الظهور والوضوح وشروط الإدراك من غير أن نحوله إلى نظرية علمية عن الضوء.
إنّ القيمة الفكرية للسهروردي لا تكمن في أنّه جعل النور كلمة قادرة على احتواء كل شيء بل في أنّه حاول أن يمنحها وظيفة تفسيرية داخل نسق محدد، فالمفاهيم لا تصبح عميقة لمجرد اتساع دلالاتها وإنما بقدرتها على تنظيم الأسئلة، والتمييز بين مستوياتها، وفتح الطريق أمام فهم أكثر دقة.
ولو جعلنا النور مرادفًا لكل معنى جميل، أو لكل إحساس روحي، لفقد مفهوم الإشراق حدوده الفلسفية وتحول إلى استعارة عامة لا تفسر شيئًا ، أما حين نربطه بالظهور والوجود والعلم الحضوري ومراتب الموجودات فإننا نرى كيف يتحول من صورة شعرية إلى مركز نظري تتفرع عنه مسائل متعددة.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات التي تجعل السهروردي قريبًا من الأدب من غير أن يكون مشروعه أدبيًا محضًا:
إنه يحتاج إلى لغة تستطيع أن تتجاوز المألوف لكنه يحتاج أيضًا إلى مفاهيم تمنع اللغة من الانفلات إلى الغموض. فالصورة التي لا تحمل فكرة تصبح زينة، والفكرة التي لا تجد لغة مناسبة قد تتحول إلى تجريد جاف، بين هذين الحدّين يتحرك مشروعه وتظهر أهمية كتاباته الرمزية إلى جانب مؤلفاته الفلسفية ، إنّه يذكّرنا بأنّ اللغة ليست وعاءً محايدًا للمعنى لكنها كذلك ليست بديلًا من البرهان؛ إنها أداة للكشف حين تخدم الفكرة، وحجاب حين تستقل عن السؤال الذي جاءت لتضيئه.
ولا يمكن فهم تجربة السهروردي من دون الالتفات إلى التوتر الذي صاحب علاقته ببيئته الفكرية والسياسية ، فالفكر لا يعيش في فراغ، والقول الذي يتجاوز حدود المألوف قد يجد نفسه داخل صراعات تتصل بالسلطة والتأويل والمكانة الدينية والاجتماعية ، لكن تحويل هذه المحنة إلى أسطورة عن الفيلسوف الذي قُتل لأنه عرف الحقيقة يحجب أكثر مما يكشف.
لا نستطيع أن نستنتج من النهاية وحدها طبيعة الأفكار التي أدت إليها، ولا أن نجعل المأساة شهادة تلقائية على صحة كل ما قاله صاحبها.
إنّ حياة السهروردي تستدعي فهمًا تاريخيًا يميز بين الروايات والوقائع، وبين الخلاف الفكري والظروف السياسية، وبين ما نعرفه وما أعادت الذاكرة تشكيله إنّ احترام المفكر لا يكون بتقديس حكايته بل بقراءة عمله قراءة تمنحه حق الاختلاف وحق النقد معًا.
في النهاية لا يتركنا السهروردي أمام سؤال النور وحده بل أمام مسؤولية النظر ، فالحقيقة ليست زينة نضيفها إلى أفكارنا كي تبدو أكثر عمقًا وإنما احتمال يغيّر طريقة وقوفنا أمام العالم ، وربما كان أعظم ما تقدمه حكمة الإشراق أنها تنقل السؤال من الخارج إلى الداخل، من الشيء الذي نريد معرفته إلى العلاقة التي تجعل معرفته ممكنة، ومن الرغبة في امتلاك الإجابة إلى الاستعداد لمراجعة الذات التي تطرح السؤال ، عند هذه النقطة لا يعود النور موضوعًا نتأمله من بعيد بل يصبح اختبارًا لما نفعله حين ينكشف لنا شيء جديد.
فكم نحتاج من الحقيقة كي نرى، وكم نحتاج من الشجاعة كي نسمح لما نراه أن يغيّرنا؟







التعليقات