انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

(سيناريو لم تكتمل قصته).. رواية تكتب وجع الإنسان العربي

منتهى العيادة
منتهى العيادة

منتهى العيادة

7 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
(سيناريو لم تكتمل قصته)..

رواية تكتب وجع الإنسان العربي
مشاركة:

(سيناريو لم تكتمل قصته)..

رواية تكتب وجع الإنسان العربي

ليست كل الروايات تُقرأ لمعرفة نهايتها، فثمّة روايات تتجاوز الحكاية إلى مساءلة الإنسان، وتترك أثرها لأنها تجعل القارئ يعيش داخل شخصياتها، ويشاركها أسئلتها وخساراتها وقلقها الوجودي. ومن هذا النوع جاءت رواية "سيناريو لم تكتمل قصته" للروائي العراقي علي لفتة سعيد، في جزئها الأوّل الموسوم بـ "نصف البداية"، إذ لا تروي قصّة فردٍ، بقدر ما ترصد مأساة جيلٍ كاملٍ وجد نفسه وسط الحروب والخراب والخذلان.

ومن هنا يمكن أن اصف علي لفتة سعيد بـ "دوستويفسكي العرب". وليس المقصود بهذا الوصف إجراء مقارنة بين تجربتين تنتميان إلى زمنين وثقافتين مختلفتين، وإنما الإشارة إلى ذلك الاشتغال العميق على النفس الإنسانية، وإلى قدرته على تحويل الصراع الداخلي إلى القوّة المحرّكة للسرد. فالشخصيات عنده لا تتحرّك بدافع الحدث وحده، بل بدافع أسئلتها وهواجسها وشكوكها، حتى يغدو العالم الداخلي أكثر اتساعًا من العالم الخارجي.

ورغم أن الرواية تنطلق من الواقع العراقي، فإنها سرعان ما تتجاوز خصوصية المكان، لتصبح روايةً عن الإنسان العربي، الذي وجد نفسه في مواجهة واقعٍ لم يختره. فالحروب هنا ليست حدثًا سياسيًا، بل حالةٌ وجوديةٌ، والخسارات ليست فردية، وإنما خسارات أجيالٍ كاملةٍ دفعت أثمان صراعاتٍ لم تكن شريكة في صنعها.

الشخصيات.. مرايا الخراب

يبني علي لفتة سعيد شخصياته بوصفها كائنات حيّة، لا أدوات لتحريك الحدث. فكلّ شخصيةٍ تمتلك تاريخها النفسي، وصوتها الداخلي، وموقفها من الحياة، ولذلك يصعب النظر إليها بوصفها شخصيات ثانوية أو هامشية.

يتخذ الكاتب من شخصية " سامر" محورًا للرواية. وهو شاب أنهى دراسته الجامعية، لكنه لم يجد لنفسه مكانًا في وطنه. لم يحصل على وظيفة، وخسر شقيقه "ساجد" في تفجير إرهابي عبثي، فانكمش على نفسه، واختار عزلةً تبدو في ظاهرها انسحابًا من العالم، لكنها في حقيقتها احتجاج صامت على عالم لم يعد يؤمن به. وهو ما يصرّ عليه في رواياته الأخيرة ومن بينها رواية "سؤال النار"

وتزداد هذه العزلة عمقًا مع محاولات والدته وشقيقه "ماهر" وصديقه "حامد" لإعادته إلى الحياة. غير أن الكاتب لا يجعل هذه المحاولات ذات طابع ميلودرامي، بل يقدّمها بهدوءٍ إنسانيّ مؤثّر، فهو يحجز نفسه في غرفة خالية من كلّ شيء إلّا من ضوء ونافذة ومسامير للملابس، في محاولة لانتظار شيء غائب يريده أن يطلّ عليه حتى لو كان من السقف.. فلا يخرج ولا يسمح لاحد بالدخول عليه ولا يكلّم أحدًا، حتى إن الأم لا تستطيع التواصل مع ابنها إلّا برسائل قصيرة عبر تطبيق "واتساب" تخبره فيها بأن الطعام ينتظره أمام باب غرفته. إنه مشهد بسيط في ظاهره، لكنه من أكثر مشاهد الرواية كثافة، لأنه يكشف كيف استطاعت الحروب أن تبني جدرانًا نفسية داخل الأسرة الواحدة.

أما "ماهر"، فلا يؤدّي دور الأخ فقط، بل يمثّل صوت الحياة داخل النص. فهو يرفض أن تتحوّل الخسارة إلى استسلام، ويطلق عبارته المؤثرة: "أنا أحب الحياة، ولا أريد أن أمنح حياتي لمن يتاجرون بالموت." إنها ليست جملة عابرة، بل بيانٌ أخلاقي يختصر رؤية الرواية بأكملها، ويضع الإنسان في مواجهة ثقافة الموت التي التهمت أحلام المنطقة.

الاشتغال السردي.. الرواية بعين الكاميرا

من أبرز ما يميّز هذه الرواية أنها لا تعتمد البناء السردي التقليدي، بل تنفتح على تقنيّات السينما في تشكيل المشهد. فالفصول تبدو أقرب إلى لقطاتٍ متتابعة، والانتقال بين الأزمنة يتم عبر القطع والاسترجاع والتداعي، لا عبر التسلسل الزمني المألوف.

وهذا ما يجعل العنوان جزءًا من البنية الفنية، لا عتبة نصية مجرّدة. فالرواية تُكتب بمنطق السيناريو فعلًا، إذ تتحرّك الشخصيات داخل فضاءٍ بصريّ، وتتجاور الصور والحوارات والذكريات كما لو أن القارئ يشاهد فيلمًا روائيًا.

كما ينجح الكاتب في تطويع تيار الوعي من دون أن يغرق في الغموض. فالتداعيات النفسية تأتي منسجمةً مع الحالة الشعورية للشخصية، وتظل مرتبطة بخيط السرد، فلا يشعر القارئ بالانقطاع أو التشظي، بل يظلّ ممسكًا بخيوط الرواية حتى نهايتها.

اللغة.. شعرية تُثري السرد

تمتلك الرواية لغةً تنبع من الداخل الإنساني، أكثر مما تنشغل بوصف العالم الخارجي. فهي لغةٌ شاعرية، لكنها لا تسقط في الزخرفة أو الاستعراض البلاغي، بل تأتي منسجمةً مع الحالة النفسية للشخصيات، حتى تبدو الجملة السردية امتدادًا لقلق البطل وتأملاته. ويحرص سعيد على أن يجعل الصورة الشعرية جزءًا من البناء السردي، لا عنصرًا منفصلًا عنه، لذلك تبقى اللغة محافظة على إيقاعها وحيويتها من المشهد الأول حتى النهاية.

وتبرز هذه الشعرية بوضوح في المقاطع التأمّلية التي تمتزج فيها الصورة بالإحساس، كما في قوله: "لعلّ بصيص أملٍ ينزل على شكل بياضٍ أو غيمةٍ أو حتى طير، ليذيب الجليد الذي كلما تدرج زادت قوته في المكان، ويطفئ النار المستعرة"، حيث تتحوّل مفردات البياض والغيمة والطير إلى رموز للخلاص في مواجهة عالم تحاصره الكراهية والموت.

وفي موضع آخر تبلغ اللغة ذروة بعدها الصوفي والتأملي حين يصف الراوي لحظة انكشافه الداخلي بقوله: «خيّل إليّ أن ضوءًا أزال بعض ظلام الغرفة... فتتحول الظلال إلى ضوء... إلى حدائق متألئة... خرج السؤال من فمي: لماذا أنا مخلوق معذب؟»، وهي صورة لا تكتفي بوصف المشهد، بل تكشف التحول النفسي للشخصية، وتجعل اللغة أداةً لاستبطان الذات أكثر من كونها وسيلةً للإخبار.

كما تتجلى قدرة الكاتب على توظيف الشعرية في الحوارات الداخلية، إذ تأتي الجمل محملة بدلالاتها النفسية والفلسفية من غير أن تفقد بساطتها أو انسيابها. ولهذا لا يشعر القارئ أن اللغة تعيق السرد، بل تمنحه عمقًا إضافيًا، وتفتح أمامه مساحات واسعة للتأويل، فيغدو النص تجربة شعورية بقدر ما هو تجربة حكائية.

العنوان.. مفتاح القراءة

من الصعب فصل عنوان الرواية عن عالمها الداخلي. فـ "سيناريو لم تكتمل قصته" ليس عنوانًا يصف حدثًا، بل يختزل رؤيةً كاملةً للحياة. فالسيناريو هنا لا يخص سامر وحده، ولا يخص العراق وحده، وإنما يخص الإنسان العربي الذي وجد نفسه داخل قصة لم يكتب بدايتها، ولا يستطيع أن يكتب نهايتها.

أما عنوان الجزء الأول، "نصف البداية"، فيضاعف هذا الإحساس بالنقص والتعليق، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن ما نعيشه ليس سوى بداية لحكاية لم يُكتب لها الاكتمال بعد.

النهاية.. التأويل بوصفه شريكًا في الكتابة

واحدة من نقاط قوة الرواية أنها لا تقدم خاتمة مغلقة. فالنهاية المفتوحة ليست حيلة فنية، وإنما جزء من فلسفة النص. فالكاتب لا يريد أن يجيب عن الأسئلة بقدر ما يريد أن يتركها مفتوحة أمام القارئ، ليصبح التأويل امتدادًا للكتابة نفسها.

ولهذا يغلق القارئ الصفحة الأخيرة، لكنه لا يغادر الرواية، لأن الأسئلة التي طرحتها تظل تلاحقه، ولأن الشخصيات تستمر في العيش داخل ذاكرته.

رواية تكتب الإنسان

لا تتحدث "سيناريو لم تكتمل قصته" عن الحرب بوصفها حدثًا، بل عن آثارها في الإنسان. إنها رواية عن الذاكرة، والعزلة، والفقد، والبحث عن معنى الحياة في عالم فقد توازنه. وهي، في الوقت نفسه، رواية عن الإنسان العربي الذي ما زال يحاول أن يعثر على نفسه وسط ركام السنوات.

لقد خرجت من هذه الرواية وأنا أشعر أنني لم أقرأ حكاية سامر وحده، بل قرأت حكاية جيل كامل، وحملت معي أسئلته كما لو أنها أسئلتي الشخصية.

إنها رواية تستحق أن تُقرأ أكثر من مرة، لأنها لا تمنح معناها دفعة واحدة، بل تكشف طبقاتها مع كل قراءة جديدة. وهي إضافة مهمة إلى الرواية العربية المعاصرة، وتؤكد أن علي لفتة سعيد يواصل بناء مشروعه السردي بثقة ووعي، مستندًا إلى رؤية إنسانية عميقة، وإلى قدرة فنية على تحويل الألم إلى أدب، والخسارة إلى جمال، والواقع إلى سؤال مفتوح على المستقبل.

الرؤية الفكرية.. سؤال الوجود بعد الخراب

لا ينشغل علي لفتة سعيد في هذه الرواية بتوثيق الحرب أو إعادة إنتاج وقائعها، بقدر ما ينشغل بما تركته في الإنسان من تصدعات نفسية وفكرية. فالحرب هنا ليست موضوعًا للرواية، وإنما خلفية كبرى تتشكل فوقها أسئلة الوجود. ولذلك لا يسأل سامر: ماذا حدث؟ بقدر ما يسأل: ماذا بقي مني بعد الذي حدث؟

وهنا تكمن قوة الرواية؛ فهي لا تبحث عن الجاني بقدر ما تبحث عن الضحية، ولا تتوقف عند الخراب المادي، بل تذهب إلى الخراب الذي أصاب الوعي والذاكرة والعلاقات الإنسانية. حتى الشخصيات التي تبدو حاضرة في المشهد ليست سوى مرايا تعكس أشكالًا مختلفة من الخسارة؛ فالأم تحمل فقدها بصمت، وماهر يقاوم بالمحبة والإيمان بالحياة، بينما يختار سامر الانسحاب إلى عالمه الداخلي، وكأن الكاتب يقدم ثلاث طرائق مختلفة لمواجهة المأساة.

ومن هذا المنطلق، تتحول الرواية إلى سؤال فلسفي عن معنى البقاء. هل يكفي أن ينجو الإنسان من الموت ليكون حيًا؟ أم أن الحياة تصبح شكلًا آخر من أشكال الغياب عندما يفقد الإنسان حلمه، ووطنه، وقدرته على الإيمان بالمستقبل؟ هذه الأسئلة لا تُطرح بصيغة مباشرة، وإنما تتسلل عبر السرد والحوار والصمت، وهو ما يمنح الرواية بعدها الإنساني العميق.

مشاركة:
منتهى العيادة
منتهى العيادة

روائية وناقدة سورية

آخر تحديث: ١ آب ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

واقعية الاشتغال الرمزي 

في رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي
قراءات

واقعية الاشتغال الرمزي في رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي

تدور أحداث رواية "حين يغار المشمش" لرافد حميد فرج القاضي حول حكايةٍ إنسانيةٍ عاطفيةٍ تنبض بالصمت، الانتظار، والنضج الروحي، وتتلّخص معالمها في عددٍ من المحاور المهمة تدور في فلك البيئة حيث "قرية فَرَج"، وتحديدًا من دار شاب يُدعى "آدم". تتوسط دارهم شجرة مشمش غريبة ومميزة زُرعت يوم وُلد آدم وهي عمرها…

· 13 د
قوّة المعنى

في المجموعة الشعرية ( غروبُ الأناشيد ) للشاعرة إيمان عبد الستار بدير
قراءات

قوّة المعنى في المجموعة الشعرية ( غروبُ الأناشيد ) للشاعرة إيمان عبد الستار بدير

استطاع الشاعر أن يمتلك قدرًا من الحرية في الكتابة الشعرية الحديثة، فظهرت قصيدة النثر استجابة للتغيرات الثقافية والاجتماعية، ورغم الإشكاليات الكثيرة التي أثارها بعض النقاد ولا زالت إلا أن سنّة التطوّر لا زالت تفرض نفسها على واقع الشعرية المعاصرة، وقد شكّك بعض النقاد بالهوية الاصطلاحية لقصيدة النثر،…

· 4 د
الأرض التي تحفظ أسماءها

قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك
قراءات

الأرض التي تحفظ أسماءها قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك

لا يُعدّ الموت خاتمة الإنسان بقدر ما هو بداية لاختبار أثره في الحياة. فالأعمار تنتهي، أما ما يتركه الإنسان من علم وفكر وإبداع فإنه يمتلك قدرةً على تجاوز حدود الزمن، ليصبح جزءاً من ذاكرة الأمم. ولعل أعظم ما يورثه الإنسان ليس المال ولا الجاه، بل المعرفة التي تضيء الطريق لمن يأتي بعده. ومن هنا، فإن…

· 4 د