انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رحلتي مع الخط الأحمر، لسلوى المهندي من تصحيح الأخطاء، إلى رسم الحدود

وفاء بونيف
وفاء بونيف

ناقدة وأديبة جزائرية

4 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
رحلتي مع الخط الأحمر، لسلوى المهندي من تصحيح الأخطاء، إلى رسم الحدود
مشاركة:

 تتشابه التّجارب الإنسانية عموما، لكن أثرها يختلف من شخص إلى ٱخر، ويفكر أغلبنا في سرد تفاصيل تلك التّجربة؛ ليثبت أنّه أخذ نصيبه من السّقطات الّتي تجعله مؤهلا لتمهيد الطريق لغيره، لكن الكثير منا يتراجع عن تدوين تلك التّجربة؛ لأنّه يكتشف أنّ الكتابة فعل يتطلب شجاعة أكبر من تلك الشّجاعة الّتي اجتاز بها تجاربه. وهناك من تلهمه الحياة قوة مضاعفة فيحمل قلمه وينقل تجربته بكل صدق.

الأستاذة سلوى المهندي تنتمي إلى الفئة الثّانية، امرأة اكتسبت من خلال مهنتها في التّعليم قوة مضاعفة، جعلتها تكتب تجربتها في قطاع التّربية؛ دون خجل أو خوف، دون مواربة ولا تزييف، دون إنكار لمشاعر الخوف والتّعب والاكتئاب ودون سعي منها لصنع الكمال البشري الّذي يريد البعض أن يجعله صفة ملازمة  للمعلم.لقد وضعت زبدة رحلتها؛ منذ حماس البدايات حتّى وجع النّهايات.

رحلتي مع الخط الأحمر؛ سيرة ذاتية للكاتبة القطرية سلوى المهندي. يُحيلنا العنوان إلى صورة الأستاذة الّتي تتراكم حولها كراريس تلاميذها وأوراق الامتحانات وهي تصحح الأخطاء، وتقيل العثرات وتكتب الملاحظات، ولكن إذا تعمقنا في محتوى الكتاب نجد أنّ للخط الأحمر معانٍ أعمق ودلالات أوسع من أن تحدها جدران المدرسة أو القسم؛ فهو يحدّد مسارات حياتنا ويرسم ما يمكن للذات أن تقبله وتعيش وفقا له.

 يوجد في الكتاب جزئين؛ الأول نقلت الكاتبة فيه واقع التّعليم، وقد جاوزت بذلك حدود التّجربة القطرية لتلامس واقع المدرسة العربية عموما، و قد أسقطتها  بشكل مباشر على التّجربة الجزائرية؛ فوجدت أنّنا نحمل الهم نفسه ونتشارك المعاناة ذاتها؛ فالأستاذة تقوم بأكثر من دور { مُنشطة، منّظمة،مصححة} ،ويجب أن تواكب تطور العملية التّعليمية الّتي تتغير باستمرار؛ حيث أصبحت الأداة فيها غاية في حدّ ذاتها، وليست وسيلة تساعد على تسهيل الدّرس؛ فالبهرجة في الأدوات التّعليمية أفقدت الفكرة معناها الواضح، بالإضافة إلى ضرورة نقل حقيقة التّلاميذ إلى الأولياء، بطريقة تكون منمقة كتلك الّتي يجب اتباعها في التّدريس، أما عن التّقليص من المهام التّربوية [ الطرد ممنوع، القصاص ممنوع، أن تقف الطالبة على رجليها طوال الحصة ممنوع، أن توجهي إليها كلاما يكسر خاطرها ممنوع] فهو يربك الأستاذة، ويجعل من القانون حجة عليها لا لها، يستغلها ضعاف النفوس ضدّ الأستاذات؛ وهكذا تتحول القوانين من ٱداة لبناء شخصية التّلميذ إلى وسيلة لهدم شخصية الأستاذة وتقليص دورها التّربوي.

هذا لا يعني غياب اللّحظات الجميلة التي تصنع مع الرّفقة الطيبة،ولا انعدام النّجاحات التّربوية الّتي تتراكم على مدى السّنين. فرغم كل هذه الصعوبات إلاّ أنّ الكاتبة أثبتت أنّها تركت في نفوس طالبتها أثرا عميقا، وأنّها كانت ترى شخصيتها موزعة بينهن.هذا الإنجاز لم يتّم تحقيقه في البداية، بل أخذ وقتا وجهدا. وهذا دليل على أنّ الصّراع الّذي تعيشه أي  أستاذة أكبر مما يمكن للعقل أن يتصوره؛ فنحن نجد أنفسنا أمام خيارين، إما أن تبني العقول وتصقل النّفوس، أو تهدم الأفكار وتُدّمر النّمو، وبين هذا وذاك لن تمر نفسيتك بسلام أبدا.

القيمة الأدبية في الجزء الأول تكمن في الصّدق؛ فتجربة الأستاذة سلوى صاغتها  ببساطة في الأسلوب ومباشرة في السّرد، بعيدة عن التّكلف اللّغوي، وتضخيم التّجارب. هي حكايات بسيطة من واقع مُعاش تجاوز الكاتبة إلى القارئة، وجعلها تتذكر وتتعرف على جزء من تجربتها. فالنجاح الأدبي لا يقرن دائما بالقصص الغربية ولا الأحداث الضخمة، يكفي أن يشعر القارئ أنّه يشارك الكاتب رحلته.

 في الجزء الثّاني من هذه السّيرة الذّاتية تنتقل بنا الكاتبة من عالمها الشّخصي وتجربتها الشّخصية، إلى فكرة الامتنان لمن ساهموا في تشكيل شخصيتها ودعم أفكارها. لا يُعتبر هذا الجزء مجرد كلمات شكر عابرة، بل هي جمل مكثفة تحمل أسمى المشاعر الإنسانية الّتي أثبتت أنّ الوفاء لا يُعتبر جزءا من الماضي فقط، بل يُشّكل طريقة سيرنا في المستقبل أيضا؛ فالأستاذة حين تتّجه إلى مدرستها الّتي تعلمت فيها سابقا، فهي لا تزور المكان فقط، بل تستدعي ذاكرة كاملة تنتقي منها لحظات كانت فيها  تلميذة تسأل وتبحث، تتأثر بمن حولها وتنتظر نظرة عطف وكلمة استحسان.وهكذا حولت الكاتبة سيرة معلمة واحدة إلى مرٱة تعكس الواقع التّعليمي في الكثير من الأماكن، ورسمت فسيفساء لمشاعر الأستاذات في أكثر من مكان على اختلاف دُوّلهن، وسنّهن وتوجهاتهن والمادة الّتي يُدّرسنّها

 لقد شاركتنا الكاتبة تجربتها، وأيقظت ذاكرتنا على تجاربنا الشّخصية السّابقة في ذات القطاع، لكنّها حمّلتنا مسؤولية وضع خطوطنا الحمراء؛ الّتي لا يجب أن نكتفي بوضعها ونحن نصحح الأخطاء التعليمية فقط، بل وجب أن تتعداه إلى حياتنا؛ حيث نصحح مسارتنا الإنسانية، ونكون واعين بمن أسهم في تشكيل ذواتنا وصقل شخصياتنا؛لنحمل الوفاء عنوانا نسلمه إلى الأجيال القادمة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
قراءات

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي إسماعيل نوري الربيعي ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض…

· 11 د