وضع الصديق والزميل الصحفي عبد الجبار العتابي لكتابه الصادر عن دار (نايا) بغداد عام ٢٠٢٣، عنوانا رئيسا (من ذكريات القطار) وعنواناً فرعياً (أسرار ومشاهدات)، وضمّنه (٦٦) حالة عاشها مُعيناً ثم فاحص تذاكر (تي تي) كما يُطلق عليه، بين عامي ١٩٩١ - ١٩٩٩ في صباحات وليالي قطارات سكك حديد العراق، الواصلة ما بين بغداد والبصرة والموصل وكركوك، أي في سنيّ الحصار الذي واجهه العراق معاقَباً باسم مجلس الأمن الدولي، بعد اجتياح الكويت في الثاني من آب ١٩٩٠.
وفي الذكريات التي دوّنها الصديق العتابي ونشر أولاها تحقيقا صحفيا في جريدة (الجمهورية) التي عمل فيها أيامئذ، كثير مما يُعد من الأسرار بالفعل عن رحلات القطار، لما يتعلق منها بأمور "رسمية" ترتبط بإجراءات رئاسية وحكومية، وما يتعلق منها بما هو شخصي مرتبط بالعتابي نفسه في وظيفته تلك، وفي جميعها يقف القارئ على معلومات تستحق أن تتحول إلى أفلام وأعمال تلفزيونية، من شأنها إثارة فضول المتلقي لما فيها من تفاصيل يجهلها حتى الذين اعتادوا استخدام القطارات في تنقلاتهم، فهي كما جاء في العنوان الثانوي للكتاب مما يُعدّ - كما سبق وذكرت - من الأسرار، وهي "لقطات" عاشها العتابي ودوّن منها ما استطاع، فيها ما يدخل في باب "المغامرات" على اختلاف سُبُلها، وفيها ما يدخل في باب "عرض مشاهد من الأحوال" التي تُعنى بالشأن الإنساني؛ السياسي والاجتماعي والاقتصادي، سواء ما كان إيجابياً منه أم سلبياً، يمكن اختصار عدد منها في عنوانات "الأسرار والمشاهدات" الدالة على مضامينها.

فثمة حياة غير التي نعرف في (ليلة في حياة قطار) ثم في (محاولة اغتصاب)، وفي(نذالتي مع جندي) وفي (الأعمى.. علامات القطار الفارقة)، ثم في (الشواذ والخارجات عن الطريق) وفي (كوميديا الفقراء)، مما له علاقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها العاملون في داخل وسيلة النقل هذه، وثمة (قوّاد الأسرة الحاكمة) وحكاية (القطار الرئاسي) الأنيق، في مقابل (خراب القطارات) العامة وما واجهته من نقص في كل شيء من جراء ظروف الحصار، مما يدخل في باب المفارقة بين أحوال السلطة وأحوال الناس.
وثمة من العنوانات ما يثير الأسى وما يثير الغرائز، وما يثير الألم لما يتعرض له القطار من هجمات (الحجارة) في عدد من المناطق التي يمرّ منها في طريقه إلى محطته الأخيرة، ولاسيما باتجاهه نحو البصرة أو الموصل، فضلاً عما قدّمه الصديق العتابي من معلومات جغرافية وتاريخية وسياحية، عن عدد من المواقع التي مرّ بها في خلال أدائه لعمله، مستفيداً من تخصصه (يحمل شهادة بكالوريوس في علم الوثائق والمكتبات) من كلية آداب المستنصرية.
أخيراً؛ سأنقل عن العتابي ما لخّصه هو عن كتابه، إذ وضع على مطويّة غلافه الأول: "القطار.. المدينة العائمة على سكك الحديد.. فيه من الأسرار الشيء الكثير، وفيه من الأعاجيب ما لم يدركها إلا العارفون ببواطن الأمور؛ أسراز دقيقة جداً أبطالها المسافرون والعاملون على متن القطار. فإذا كنتَ قد شاهدتَ فيلم (قطار شنغاي) فاعلم أن ذلك جزء مما حدث، وإن كنتَ قرأتَ رواية (القطار السريع)، فاعلم أن تلك جزء منه"!
يوما.. أنتجت مؤسسة/ دائرة السينما والمسرح فيلماً واقعياً اسمه (الجابي) عن معاناة قاطع التذاكر في حافلة نقل الركاب العمومية، ولو وجِدَ اليوم مَن يفيد من كتاب (من ذكريات القطار) هذا، لوقف على مادة غنيّة بالمشاهد الصالحة لأكثر من فيلم، أولمسلسل تلفزيوني ممتع مضمون النجاح.







التعليقات