انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح). للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"

د. عدنان عويد
د. عدنان عويد

كاتب وباحث سوري

8 دقائق للقراءة
28 مشاهدة
دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح). للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"
مشاركة:

البنية الفكريّة للنص.

نحن أمام نص أدبي معاصر, استلهم التاريخ, فجعل من استلهامه هذا مقاربة على درجة عالية من الأهميّة والحكمة ربطت ما بين الماضي والحاضر. فقراءة التاريخ وإسقاط دلالاته على الواقع المعيش, تحتاج في الحقيقة إلى أديب أو مفكر أو فيلسوف يعرف تماماً ما يريد, وهذا ما وجدناه في نص الأديب الشاعر "بسام الشيخ عطيّة" في استلهامه لقصة "امرؤ القيس" الذي استنجد بالرومان على أهله, وبالتالي لا كسب أهله ولا كسب الرومان معا.

إن جل ما يريده الشاعر "العطيّة" من إسقاطه هذا, هو الاشارة إلى الحكام العرب الذين يستنجدون بأمريكا والغرب من أجل السلطة والوقوف بوجه أخوتهم العرب.

البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة:

"امرؤ القيس" شاعر وابن ملك, من قبيلة كندة .. كان أبوه الملك "حُجر بن ٱلحارث" ملك وسيد كندة في عصره، طرد ابنه "امرؤ القيس" وأقسم بألا يقيم معه، فهام بوجهه مع رفاق له هنا وهناك من أحياء العرب، فكان إذا صادفه صيد ذبحه وأكله هو ومن معه، وعند الانتهاء من الصيد وأكله, يشرب الخمر مع رفاقه حتى أتاه خبر مقتل أبيه على يد بني "أسد". وأخذ على نفسه عهداً بألا يأكل ولا يشرب خمراً، ولا يقرب النساء حتى يثأر لأبيه. وقال مقولته الشهيرة: (ضيعني صغيراّ، وحملني دمه كبيرا. لا صحو اليوم ولا سكر غدا. اليوم خمر وغدا أمر" .).

في اليوم التالي لبس رداء الحرب واتجه صوب بني أسد قاتلي أبيه, فخافوا منه وحاولوا استرضاءه إلا أنه لم يرض وقاتلهم حتى أثخن فيهم الجراح وفاحت رائحة الجثث, وانتقم من قاتل أبيه وذبح "عمرو بن الأشقر" سيد بني أسد. ودمرهم وأخذ ما لديهم. ثم راح  يسعى لاستعادة ملك أبيه، فذهب في رحلة طويلة إلى "القسطنطينيّة" لمقابلة الإمبراطور البيزنطي "جِستينيان الأول" (القيصر) ليمده بجيش يحقق رغبته, فأواه الامبراطور, لكن كما كان شعر "امرؤ القيس" ومجونه سبباً في إقصائه من قبل والده إلى حضرموت، بعد نظمه قصائد غزل بابنة عمه فاطمة، فقد جنت عليه أيضاً الأبيات التي كتبها عن ابنة القيصر. وتخبّر الرواية عن انقلاب القيصر على "امرؤ القيس"، إذ أرسل له حلّةً مسمومة ما إن ارتداها حتى أصابه مرض جلدي قرح جسده واكتسب لقب "ذو القروح".

يقول الشاعر في العتبة الأولى من قصيدته:

 الأول الذي استنجد بالرومان

امرؤ القيس,

طردني صغيرا وحملني ثأره

كبيراً.

فأي ثأر هذا الذي تهذي به.؟ .. 

نعم عن أي ثأر يا "امرؤ القيس" تهذي؟. وأنت الذي غرقت في ملذاتك وشهواتك المجنونة.. تقول (اليوم خمر وغداً أمر). وهل الأمر الذي أثقل كاهلك يدفعك إلى الاستنجاد بالغريب؟!.. وهل يليق بك ذلك أيها الشاعر العربي... ها أنت تمتطي سرج حصانك وتصرخ ملء فمك مستنجداً بالقيصر الروماني "جِستينيان"... الأمر الذي جعل صاحبك ورفيق دربك الشاعر "عمرو بن قُمَيئَة" يبكي حزناً عندما امتطيت سرج حصانك و رحت تصرخ ملء فمك يا "قيصر, وهذا ليس من شيم العربي الأصيل, وقد أحسست بسء فعلتك فأنشدت تقول: (بَكى صاحِبي لَمّا رَأى الدَربَ دونَنا... وَأَيقَنَ أَنّا لاحِقانَ بِقَيصَرا.. فَقُلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما... نُحاوِلُ مُلكاً أَو نَموتُ فَنُعذَرا).. نعم لقد عرفت مأساة الاحتماء بالغريب من دموع صاحبك "عمرو بن قُمَيئَة", ورغم ذلك لم تجعلك شهوة السلطة تبك, بل رحت فقط تعزيه على مأساة اللجوء للأخذ بثأرك لدم أبيك ورحت تقول له معبراً عن صدق ما يجول بخاطرك: (لا تَبكِ عَينَكَ إِنَّما... نُحاوِلُ مُلكاً أَو نَموتُ فَنُعذَرا).

كم هو الفرق شاسعاً يا "امرؤ القيس" بينك وبين تلك المرأة من بني هاشم التي صرخت مستنجدة من ظلم الروم (وا معتصماه), فكان يوم "عموريّة". الذي جاء فيه العرب للنجدة يجرون الحديد كأنما سروا بجياد مالهن قوائم.

نعم ما هكذا يورد الثأر يا ابن حجر .. وماذا كانت نتيجة استنجادك بالروم؟... لقد رجعت بقلادة من ذهب وثوب من حرير مشرب بالسم.. ويعود الشاعر عطيه هنا ليقول "لامرؤ القيس" وكأنه يقول لكل خائن ممن يلجأ للغرب للاحتماء أو الاستنجاد به, ها أنت (أكلت المرار وأصبحت ذا القروح.. هل فهت يا "مرؤ القيس".. هل أدركت .. هل تعلمت ما يفعل بك من دمه غير دمك؟؟!!.)...  (أحببت أم كرهت... لا فرق لديهم, لقد تحممت بعارك وقُتلت بثأرك يا "امرؤ القيس" وها هو الزمن يسألك أين دروعك .. أين أهل كندة.. لا زوار لقبرك ولا أكاليل غار عليه ولا رحمة رب تأتيك.).

البنية السيمائيّة أو الدلاليّة للعنوان:

تُعدّ البنية السيمائيّة أو الدلاليّة لعنوان أي نص هي المفتاح التأويلي الأول, أو عتبة النص الأولى الأكثر أهميّة في تحليل بنية  النص الأدبي ومنه الشعر بشكل خاص. فالعنوان ليس مجرد وسم تعريفي، بل هو بنية مكثفة تختزل الرؤية الفلسفيّة والجماليّة للشاعر, والمعنى العام والجوهر الدلالي للقصيدة في كلمات معدودة، مما يجعله بؤرة تتجمع فيها خيوط النص كاملة ومظلة كبرى تنضوي تحتها المعاني الفرعيّة. 

من هنا يأتي عنوان قصيدة الشاعر " بسام الشيخ عطيّة" :(هذا جزاؤك يا ذا القروح). يحمل في مضمونه دلالات كثيرة أهم ما فيها ذاك البعد السياسي والأخلاقي لملك عربي, أو وريث ملك التجأ مستنجدا بالرومان لأخذ ثأر مقتل والده بن حجر والوصول إلى الحكم, فالشاعر "بسام" لم يركز كثيراً في قصيدته على "امرؤ القيس" كشاعر, بل كحاكم عربي رهن نفسه للرومان, أي للغريب, كي  يحافظ على كرسيه أو الوصول إليه بعد مقتل أبيه.

إن الشاعر "العطيّة" أرد أن يقول بطريق غير مباشر من خلال (التناص) التاريخي لقضيّة "امرؤ القيس". إن ما قام به "امرؤ القيس", راح يتكرر عبر التاريخ العربي من قبل سياسي وحكام عرب حتى اليوم, وهم لم يتعلموا من درس "امرؤ القيس" كيف أهانه قيصر الرومان "جستنيان", وكيف يهان الكثير من الحكام العرب اليوم ويستغلون من حكام أمريكا والغرب.

اللغة في القصيدة:

تظل  اللغة هي الوسيلة التي ينقل من خلالها الكاتب أفكاره ومشاعره وتجاربه إلى صور ودلالات محسوسة يدركها القارئ.

كما أنها هي من تشكل المشاهد وتبين الأثر على المتلقي. فاختيار كلمة واحدة أو تركيب بلاغي معين, يمكن أن يغير انطباع القارئ، ويوجه إحساسه ويفتح فضاءات التأويل عنده. وباللغة تبني الشخصيات والمشاهد بدقة.

لقد جاءت اللغة في هذه القصيدة سهلة وبسيطة ومباشرة وشفافة, وخالية من الغموض, وبالتالي ظلت قريبة جداً من المتلقي رغم وجود بعض الخلل في تراكيب وجمل القصيدة, ولكن الأهم في بنية القصيدة هو امتلاكها القدرة على تبيان فكرة حالة ضعف الحاكم العربي واستنجاده على قهر ذوي القربى بالغريب.. وكذلك قدرتها على منح المتلقي للقصيدة فهم وإدراك دلالاتها.

التناص في القصيدة:

تكمن أهمية التناص, أي (تداخل النصوص وحوارها مع بعضها البعض) داخل النص الأدبي, في عدّة جوانب منها الفكريّة والجماليّة والأخلاقيّة.. الخ, لتساهم في إثراء مضمون النص وتحقيق وتعميق البعد الدلالي له. مثلما يمنح التناص, النص الأدبي عمقاً فكريّاً وجماليّاً يتجاوز المعنى المباشر. ويفتح أفقاً واسعاً أمام القارئ لتأويل النص وفهمه عبر استدعاء ظلال معاني النصوص السابقة.

     إن كل ذلك تحقق في الحقيقة في نص قصيدة:(هذا جزاؤك يا ذا القروح), فتداخل الأحداث ومحاولة الشاعر ربط قضيّة استنجاد "امرؤ القيس" بالرومان, تجعل ذهن المتلقي يتجه مباشرة إلى ما جرى ويجري في واقعنا العربي اليوم, من حيث التجاء الكثير من السياسيين والحكام العرب إلى الغرب للوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها. وما هي الآثار السلبيّة التي تنعكس على واقع دولنا وشعوبها, وأهمها زيادة استبداد هذه السلطات وتهجير شعوبها وقمعها, إضافة إلى ما يتعرض له المستنجدون من ضعف يصل إلى حد إهانتهم من قبل قادة الغرب وأمريكا لهم.

أهمية قصيدة النثر:

تكمن أهميّة قصيدة النثر في كونها شكلاً أدبيّاً حديثاً, أحدث ثورة في المفاهيم التقليديّة للشعر، وتظهر أهميتها في النقاط التالية:

التحرر من القيود الشكليّة للقصيدة حيث فكّت القصيدة النثريّة الارتباط الإلزامي بالوزن والبحور الشعرية والقافية الموحدة، مما منح الشاعر حريّة مطلقة في التعبير دون التقيد بقوالب النظم القديمة. وكذلك قدرتها على تجديد جوهر الشعر حيث نقلت الشعر من مجرد "كلام موزون ومقفى" إلى التركيز على الطاقات الداخليّة للغة، وصناعة الإيقاع الداخلي، وتكثيف الصور، وبناء المناخات الشعوريّة العميقة. والأهم في قصيدة النثر هو قدرتها على التعبير عن روح العصر. حيث جاءت في الحقيقة كضرورة فنيّة وفلسفيّة لتواكب إيقاع الحياة الحديثة وتعقيدات الإنسان المعاصر، وفرديّته، وحاجته إلى كسر الرتابة والتقاليد الجامدة. ومن أهميتها أيضاً توسيع آفاق التلقي حيث تتيح للقارئ مشاركة أوسع في تأويل النص وإسقاطاته، كما تحقق قصيدة النثر تحول اللغة فيها إلى فضاء بصري وتخيلي مفتوح على تأثيرات متعددة, ينتج عنها المزج  ببراعة بين سلاسة النثر وقوته البنائيّة, وبين كثافة الشعر وشحنته العاطفيّة والإيحائيّة، من خلال التركيز على وحدة القصيدة وعضويتها.

إن كل هذه السمات والخصائص في قصيدة النثر كادت أن تحوز عليها قصيد (هذا جزؤك يا ذا القروح), عدا غياب الصورة والرتم الموسيقي في القصيدة, وهذا يعود برأي إلى أن الشاعر اعتمد كثيرا على فكرة القصيدة أكثر من فنياتها, وما ساعده على ذلك بساطة اللغة (المباشرة) المستخدمة وشفافيتها وقدرتها على الايحاء وإيصال الفكرة بسهولة إلى المتلقي وتحقيق الدهشة عنده.  

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(هذا جزؤك يا ذا القروح).

الأول الذي استنجد بالرومان

امرؤ القيس,

طردني صغيرا وحملني ثأره

كبيراً

عن أي ثأر يا مرؤ القيس تهذي؟.

اليوم خمر وغداً أمر

وكأنك تقول اليوم خمر وغداً

خمر

أتراه جميلاً ما تقول؟.

وتمتطي سرج حصانك وتصرخ

ملء فمك يا قيصر

(بكى صاحبي لما رأى الدرب)

لم لم تبك أنت؟.

بكى حين غادر أرضه وأنت

تعزيه

بئسك من ملك

يا امرؤ القيس

ما هكذا يورد الثأر يابن حجر

استنجدت بقيصر

وأغريت روميّة

ورجعت بقلادة من ذهب وبثوب

من حرير مشبع بالسم

أكلت المرار وأصبحت ذا القروح

هل فهت.. هل أدركت .. هل تعلمت

ما يفعل بك من دمه غير دمك

قالوا إن تمثالاً لك هناك هل

أحببت أم كرهت

لا فرق لديهم تحممت بعارك

وقُتلت بثأرك

يا امرؤ القيس

أين دروعك .. أين أهل كندة

لا زوار لقبرك ولا أكاليل غار عليه

ولا رحمة رب تأتيك.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هادي مسير الربيعي..

 حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر
قراءات

هادي مسير الربيعي.. حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر

إسماعيل نوري الربيعي يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر،…

· 6 د
ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها

 "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.
قراءات

ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.

بقلم: ذ. الحسن التزكيني. إن المتمعن في ديوان الشاعر لحسن أيت بها يجد نفسه أمام مقطوعة موسيقية تتداخل ألحانها بين نغمة الألم ونغمة الأمل، فلم يكن الشاعر ليرسم ملامح لوحاته الشعرية هاته، ويسلك فيها مسلك كبار الشعراء، ويختار لها الأسلوب واللغة المثاليين لولا تشربه من معين الشعر عموده ومكسوره، لأن…

· 4 د
المعلقات السبع ومروية تعليقها على أستار الكعبة
قراءات

المعلقات السبع ومروية تعليقها على أستار الكعبة

ثمة سرديات في تراث كل أمة تتجاوز كونها أخبارا تاريخية، لتتحول إلى ما يمكن تسميته بـ«السرديات المؤسسة»، وهي تواترات تنسج للوجدان الجمعي صورة عن ذاته، وتعيد إنتاج علاقته بماضيه على نحو رمزي مفعم بالبطولة والفحر. ومن هذه السرديات في تراثنا العربي ما يعرف بتعليق المعلقات السبع على أستار الكعبة، مكتوبة…

· 7 د