نحن أمام مقال وجداني دفاعي بامتياز، ينطلق من فكرة المقارنة ليصل إلى الإنصاف.. الكاتب شوقي كريم حسن يفتتح بجملة صادمة ومقصودة: (حين يحرق الأوروبيون مدنهم يُسمى غضبا وحين يثور العراقيون يُتهم بالتخريب)
هذه ليست مجرد جملة خبرية، بل هي حجة بلاغية تسمى ( الكيل بمكيالين). يضع القارئ أمام تناقضه المحتمل في الحكم، ويجبره على مراجعة موقفه من تشرين من خلال مرآة ما يحدث في أوروبا. مقاربة ذكية ترفع النقاش من المحلي إلى الإنساني العام: (الغضب لا جنسية له).
المقال لا يقدم أرقام أو تواريخ، بل يعتمد على الذاكرة الجمعية للساحة. صوره منتقاة بعناية:
(أحلامهم وأعلامهم، نصبوا خيامهم، أسعفوا جرحاهم، تقاسموا الطعام).
استاذ شوقي يرسم تشرين كمدينة فاضلة مصغرة، كـ (صورة للعراق الذي يريدونه). هذا الخطاب يخاطب القلب قبل العقل، ويريد تثبيت صورة تشرين المثالية في وجه الصورة التي تختزلها بالتخريب.
يحسب للمقال أنه لم ينفِ الأخطاء، وهذه هي نقطة قوته النقدية..
جملة (لم تكن تشرين بلا أخطاء، ولم تكن كل مشاهدها مثالية) تمنح النص مصداقية وتخرجه من دائرة التقديس المطلق. لكنه مباشرة يعود ليقول إن اختزالها بالتخريب هو (ظلم لذاكرة جيل دفع ثمنا باهظا). أي أن الكاتب استاذ شوقي يعترف بالخطأ الجزئي ليدافع عن الكل.
المقال ينتهي بسؤالين أخلاقيين مهمين:
- المتظاهر ليس عدوا، بل صاحب مطلب.
- حماية الممتلكات دفاع عن الناس لا عن السلطة.
والسؤال الختامي ( لماذا نتذكر أخطاء المحتجين أكثر مما نتذكر أسباب خروجهم؟)
هو خلاصة المقال. يحول النقد من المحتج إلى المجتمع الذي يحاكم المحتج.
بشكل عام، المقال ليس تحليلا سياسيا باردا لأسباب تشرين ونتائجها، بل هو مرافعة أخلاقية لإنصاف جيل، كتبت بلغة بسيطة وواضحة وقريبة من وجدان الشارع...








التعليقات