ليست كل الحكايات التي تبدأ بالمأساة تنتهي عند حدودها؛ فبعضها يتحوّل إلى رحلة طويلة في مقاومة الخوف، واستعادة الحياة من بين أنياب القهر. وهذا ما تمنحه رواية «الشنبيشة» للكاتب عبد الكريم مختار الجربي، لقارئها، إذ تتخذ من مصير امرأة ليبية حكايةً إنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتطرح أسئلة أوسع عن الهوية، والسلطة الاجتماعية، والأمومة، والثمن الذي قد تدفعه المرأة كي تحمي أبناءها وتمنحهم مستقبلًا مختلفًا.
تبدأ الحكاية من بيئة ليبية تتداخل فيها الأعراف الاجتماعية مع قسوة الحياة اليومية، حيث تجد الشنبيشة نفسها في مواجهة ظروف تهدد أمنها ومستقبل ابنتيها. وحين تضيق بها السبل، تختار الانتقال إلى طرابلس، متخفيةً في هيئة رجل، ومتخذةً اسم رجب مرزوق الفزّاني. ليس هذا التحول مجرد حيلة للتمويه، بل هو منعطف حاسم في حياتها؛ إذ تضطر إلى أن تعيش بهوية جديدة، وأن تتعامل مع العالم من موقع مختلف، فيما تظل ذاكرتها الأنثوية وتجربتها القديمة حاضرتين خلف القناع.
من هنا، تستمد الرواية جانبًا مهمًا من قوتها الدرامية. فالمرأة التي ترتدي هيئة الرجل لا تغيّر مظهرها فحسب، وإنما تدخل في اختبار طويل لعلاقتها بذاتها وبالمجتمع. يصبح الاسم الجديد وسيلةً للنجاة، ويغدو اللباس حدًّا فاصلًا بين حياة سابقة مثقلة بالخوف وحياة أخرى تتطلب الصلابة والانضباط والقدرة على إخفاء الضعف. وفي هذا التناقض تكمن مفارقة الرواية: أن تضطر امرأة إلى التخلي عن مظهرها الأنثوي كي تتمكن من حماية ما هو أكثر عمقًا في أنوثتها، أي أمومتها وحقها في رعاية ابنتيها.
لكن «الشنبيشة» لا تجعل من هذا التحول غايةً قائمة بذاتها؛ فجوهر الحكاية يتمثل في ما تفعله الشخصية بهويتها المستعارة. إنها تعمل، وتتعلم، وتشق طريقها بصبر، وتستثمر ما تتيحه لها الحياة الجديدة من فرص. ومن خلال الخياطة، ثم إقامة مشروعها الخاص، تبدأ في بناء استقلالها، وتحوّل العمل من وسيلة لتأمين العيش إلى أداة لمقاومة العجز. كذلك يصبح تعليم ابنتيها جزءًا أساسيًا من مشروعها؛ فهي لا تريد لهما أن ترثا الخوف الذي حكم حياتها، بل أن تمتلكا القدرة على اختيار مستقبلهما.
وتبلغ هذه الرحلة دلالتها الإنسانية حين تنجح الابنتان في بناء حياتيهما العلمية والمهنية، فتغدو إحداهما أستاذة جامعية والأخرى طبيبة. عندئذ لا يعود ما بذلته الأم مجرد تضحية شخصية، بل يصبح استثمارًا في مستقبل جيل كامل. ومع ذلك، فإن نجاح الابنتين لا يمحو السنوات التي عاشتها الأم في ظل شخصية مستعارة، ولا يعيد إليها تلقائيًا ما افتقدته من طمأنينة وحرية. فالتضحية، مهما كانت نبيلة، تترك آثارها في النفس، وقد يتحول القناع الذي يحمي صاحبه مع مرور الزمن إلى عبء يصعب التخلص منه.
ومن أبرز ما تثيره الرواية سؤال العلاقة بين الهوية والمظهر. هل نحن ما نختاره لأنفسنا، أم ما يفرضه المجتمع علينا؟ وإلى أي حد يستطيع الإنسان أن يغيّر صورته الخارجية من دون أن يفقد صلته بجوهره؟ لا تقدّم الرواية هذه الأسئلة في صورة تنظير مباشر، بقدر ما تجعلها تنبثق من حياة الشنبيشة اليومية، ومن تفاصيل عملها وعلاقاتها وحرصها على استمرار التخفي. وهكذا يتحول الجسد والاسم والملابس إلى علامات سردية تحمل دلالات تتجاوز وظيفتها الظاهرة.
وتكتسب الرواية خصوصيتها أيضًا من فضائها الليبي، ومن حضور المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل المصير. فالانتقال من برّاك الشاطئ إلى طرابلس ليس مجرد انتقال جغرافي، وإنما خروج من محيط تحكمه علاقات وضغوط معينة إلى فضاء جديد يتيح للشخصية هامشًا أوسع للحركة. ومع ذلك، لا يبدو المكان الجديد جنةً خالية من الصعوبات؛ فالنجاة لا تتحقق بمجرد تغيير الجغرافيا، وإنما عبر العمل اليومي ومواجهة الحاجة والقلق، وبناء شبكة من العلاقات تسمح بمواصلة الحياة.

على المستوى السردي، تعتمد الرواية مسارًا زمنيًا واسعًا يتابع الشخصية عبر مراحل متعددة، من الطفولة والتجارب الأولى إلى الأمومة والعمل ثم مراجعة الذات. ويمنح هذا الامتداد الحكاية طابع السيرة الإنسانية، إذ يتيح للقارئ أن يرى كيف تتراكم التجارب وتترك أثرها في الشخصية. غير أن هذا الخيار يضع الرواية أحيانًا أمام تحدٍّ فني يتمثل في الموازنة بين سرد الأحداث وتقديمها في مشاهد حيّة. فبعض المواقف تكتسب قوتها حين تُترك للشخصيات كي تكشف عن نفسها من خلال الحوار والفعل والتفاصيل، بدل أن يتولى السرد شرح دلالاتها أو تأكيد معناها للقارئ.
كما أن الرغبة في إبراز صلابة البطلة ونبل تضحياتها قد تدفع، في بعض المواضع، إلى تكرار المعنى العاطفي أو الأخلاقي نفسه. وكان من الممكن أن تزداد الشخصية عمقًا لو أُتيح لها مجال أوسع للتردد والتناقض والانكسار، بما يجعل قوتها أكثر إنسانية وأبعد عن صورة البطولة المثالية. فالشنبيشة لا تحتاج إلى أن تكون صلبة في كل لحظة كي تستحق تعاطف القارئ؛ بل إن لحظات ضعفها، إن حضرت بمزيد من التفصيل، قادرة على جعل تجربتها أكثر صدقًا وتأثيرًا.
ومع ذلك، تظل القيمة الأساسية للرواية كامنة في فكرتها المركزية وفي قدرتها على تحويل تجربة امرأة إلى سؤال اجتماعي وإنساني. إنها لا تروي فقط حكاية أم ضحّت من أجل ابنتيها، بل تكشف أيضًا عن عالم يجعل بعض النساء مضطرات إلى التخفي كي يحصلن على الحد الأدنى من الأمان والاستقلال. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى هيئة الرجل التي تتخذها البطلة بوصفها انتصارًا بسيطًا على القيود، بل بوصفها دليلًا على قسوة تلك القيود نفسها: فحين تصبح النجاة مشروطة بالتخلي عن الهوية الظاهرة، فإن المشكلة لا تكمن في المرأة التي تخفي حقيقتها، وإنما في المجتمع الذي يدفعها إلى ذلك.
في النهاية، تبدو «الشنبيشة» رواية عن السنوات التي قد يقضيها الإنسان في حماية الآخرين، قبل أن يجد نفسه مضطرًا إلى الالتفات نحو ذاته. فالعودة إلى الأنوثة ليست مجرد استعادة لهيئة أو لباس، بل مواجهة متأخرة مع حياة كاملة عاشت فيها البطلة بين شخصيتها الحقيقية وصورتها التي فرضتها الضرورة. وبين الشنبيشة ورجب الفزّاني تمتد حكاية امرأة قاومت لتمنح ابنتيها مستقبلًا أرحب، لكنها تترك للقارئ سؤالًا لا يقل أهمية عن نجاحها: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يقضي عمره في إخفاء جزء من نفسه كي يتمكن من العيش؟
بهذا المعنى، تفتح الرواية بابًا للتأمل في الهوية بوصفها تجربة متحركة، وفي التضحية بوصفها فعلًا نبيلًا لكنه ليس بلا ثمن. وتستمد أثرها الأعمق من ذلك التوتر بين الرغبة في النجاة والحاجة إلى أن يعيش الإنسان، أخيرًا، باسمه ووجهه الحقيقيين.







التعليقات