
الكاتب علي لفتة سعيد الذي كتب المقال الصحفي والرواية والقصة القصيرة والنقد ،الكاتب سعيد أخلص لهذا الفن السردي من الفنون الابداعية لمدة عقود ، وما زال يواصل الكتابة، وسرعان ما لجأ إلى التجديد في الشكل والمضمون، فأصبحت لغته أكثر تكثيفا ومال إلى توظيف الرمز في مسروداته، والذي أثار وما زال يثير تساؤلات كثيرة، هدف الكتابة عنده تحقيق شرط النقد الاجتماعي والسياسي والمتعة بالقراءة ،والتلقي.
اقول مرة أخرى يعاود الشاعر والكاتب والروائي علي لفتة سعيد إبهارنا بفريدة جديدة ، مجموعة قصصية بعنوان سبع طباق، معلنًا البوح الذي اختار أن يسلك دروب القص الوعرة ،لذا قرر القاص سعيد أن يسلك سبل الكلمات، في كتابة قصص لعلها مفارقة قدرية عن عالم ما ورائي ،عالم ما بين الارض والسماء، فقد اِنسالت حروفه رقراقة كمياه بين أصابعه، لم تفتر أبدًا ولم يهدأ مَور أمواجها؛ فأبدع حتى صنع لنا عالما يزخر بالوجع السردي المختزل وكأننا امام ومضات شعرية ،نتلمس قراءتها وبذلك الحس الشعري، أدرك أن تكثيف اللحظة الآنية وحضور الذات في اكثر من مئة قصة، من التشويق فيها قد لا يشبع نهم قارئها ، استطيع تسميتها جمرة الكاتب ،نقلت ذات الاحساس للقارئ كما منحته الجمرة ذاتها، الغريب ان الكاتب بعد هذا الاحتراق بالكتابة ما زال في جعبته الكثير من فنون الكتابة ؛ ليخرج لنا ما في جرابه من حكايات رغم قصرها لكنها لاتمل ابدا
في مجموعته سبع طباق والتي صدرت عن دار وتريات في محافظة بابل المجموعةُ القصصيةُ القصيرةُ جدًّا للروائيّ والناقد العراقيّ علي لفتة سعيد، وحملت عنوان (سبعٌ طباق) وقد سبق للكاتب أن أصدر (17) رواية، وسبعَ مجاميعَ قصصية، وستَّ مجاميعَ شعرية، ومجموعةً كاملةً، واثني عشرَ كتابًا نقديًّا، ومسرحيتين، وكتابًا عن أدب الرحلات.. تضمّ المجموعة مجموعة كبيرة من القصص القصيرة جدًّا، قدّم لها رائدُ القصة العراقية هيثم بهنام بردى،أما تصميم لوحة الغلاف للفنان فاضل ضامد.
اما عن العنوان سبع طباق فقد اختاره الكاتب سعيد بعد قراءة (فلسفة التصوف)البحث في عالم الغيب والعرفان وما يفصل بينهما من سبع طباق ويوصل إلى الله ،بمعنى معرفة غيبية ، وهنا تبرز المفارقة الجدلية، ويتكشف الصراع الوجودي لدى كاتب النصوص ومن خلال محاولته لشق حجاب الحجب والوصول الى العرفان الذي يحجب عن الانسان النور ومن ثم الحياة، لتتكشف لنا أسرار هذا العالم المليء بالخبايا. اللذان يمنحان رحابة في التأويل؛ والتعدد في سياقات التلقي
القصص في المجمل تستحضر الذاكرة، الفقد، وتداعيات الحروب، إضافة إلى ملامسة الوجع العراقي في قصص مثل “سبايكر”، وقضايا الذات ,والواقع بأسلوب بعيد عن المباشرة، مما يجعل من المجموعة تجربة إبداعية تستحق القراءة والتحليل، اقول امتازت قصص هذه المجموعة بخصائص عديدة منها ، كتابة الواقع اعتمادا على اللاواقع – أي الخيال واللامعقول .اولا الإفادة من عمله في الصحافة في بناء القصة ، النقد الاجتماعي والسياسي بمعنى ظهور النزعة التحريضية ، وهذه النزعة نجدها عموما في قصص المجموعة ، تشظي الذات وجلدها ،طغيان سمة التشاؤم في كثير من القصص ..
بمعنى ان الكاتب سعيد يشكل ومن خلال مجموعته القصصية القصيرة فهم اخر لموضوعات مختلفة أظهر لنا قدرة فائقة من الجمال الفني لمعنى التكثيف والاختزال ، ربما بسبب ولعه بكتابة قصة تقوم على المفارقة وتنهل من تجربته الذاتية ، غير منفصلة طبعا عن واقعنا الوجودي واليومي ، إذ نجد القاص سعيد منهمكًا بشكل واعٍ وقصدي بكتابة نص قصير جدا لكنه محمل بأحداث وتفاصيل بدت كمنمنمات صغيرة، تصطف إلى جوار بعضها البعض؛ لتشكل هذا البناء الحكائي في شكله النهائي، والتي تميزت بالحرفية الشديدة، وسلاسة انتقال تلك الحكايات لنا وبسهولة ،وكما يعد التوظيف لضمير المتكلم خلال القص واضحا والذي يبرز الأنا من خلال أوتوبيوغراف – سيري، لذا استطاع الكاتب سعيد وباقتدار وذكاء النأي بنصه عن جمود التوصيف؛ ليقدم قصة مختلفة. فكان تدخله محسوبًا بدقة وتوازن. وفق معاييره سياقات التلقي ..
وهنا نجد ان كل نصوص المجموعة ظلت محافظة على شكل معمارية القص المتفرد والواحد ،فقد جاء النص قصيرا بعض الشيء، سيما وأنه رغم أهمية القضايا التي ناقشها؛ ظل مثارا للتشويق، وحضور التوهج الحدثي حاضرا والذي يتمكن من المتلقي ويخلق في وجدانه تفاعلا واحتداما شعوريا يشدّه لمتابعة النص، حيث نلتمس الجمال حتى في القبيح.
واخيرا اقول استطاع القاص بذكاء شديد إقامة معمار فني مدهش، تضافرت فيه عناصر عديدة لتقديم قص متميز، وقدرة من الإبداع والألق القصصي كأنك أمام فيلم تلتقط فيه الكاميرا عدة مشهديات، لتشكل حبكة تتداخل فيها كل الخيوط، وهذا التشابك يثري القص ويغنيه، ويعطيه أكثر من زاوية للرؤية، ربما بسبب ماتركه الكاتب من مساحة شاسعة لبوح حميمي، يقرب المسافة بين الكاتب والمتلقي، ليعبر عن شحنات زائدة من مشاعره وأحاسيسه وإرهاصاته النفسية، بمعنى يعبر كاتب القصص عن هواجس وأفكار وجودية مقلقة، مر بها ونقلها لنا بصدق ،اما عن اللغة ،فقد جاءت اللغة بصورة عامة مقتضبة، تومئ وتشير بأهدافها التي تريد ،تاركة للمتلقي مساحة لبلورة الفكرة وسبر أغوارها، لغة خلت من الوصف المثقل مما منحها وهجها الخاص وجاذبيتها المحلقة.
اقول القصص كتبت بلغة جميلة شاعرية آسرة، وهذه تدلل على ثقافة الكاتب سعيد الشاسعة التي وظّفها في ثنايا نصوصه من دون تكلّف أو افتعال، وهي التي مكّنته من الإحاطة بالتفاصيل الحميمة، والصياغات اللغوية التي تشفّ عن مرجعيات عديدة؛ غايتها متعة التلقي مقرونة برصيد ثقافي يؤكد اننا امام قاص حاذق حاول من خلال قصصه ان تأخذ قارئها إلى مجاهل النفس البشرية وإلى صراعات البشر وتناقضاتهم واضطراب حياتهم. هي سخريات عذبة تنبع من أسلوب كاتب متميز، ومن قدرته على تطويع المفردات والمواقف والمشاهد لتغدو قادرة على استحضار السخرية والنقد الاجتماعي والغوص في النفس البشرية ومن دون مواربة أو تمويه.
إذن هذه النصوص فيها ميلًا واضحًا إلى كتابة حداثية لا تكتفي بقصها فحسب، بل الحفر في ماهية ما تقول وردت بلغة موحية راقية قادرة على إيصال المشهد من دون فجاجة أو إسفاف، بل تذهب إلى تقديم المعنى بتقنيات فنية لافتة، وبصراحة ووضوح حين يقتضي الأمر ذلك، نعم اقول انها مشوقة وجميلة متميزة لأديب جاد رصين، ما زال في جعبته كثير مما يمكن أن يجود به قلمه السيّال.







التعليقات