في منتصف ليلة لم تعترف بها الساعات، استيقظت مدينة المالكية على صوت شجرة توت تقتلع جذورها من التراب، وتنفض عن أغصانها ألف عام من النوم، ثم تصعد إلى السماء كما تصعد فكرة مجنونة إلى رأس شاعر. لم تكن الشجرة تبحث عن المطر، فقد سئمت المطر الذي يأتي من الجهات المعروفة، وإنما كانت تبحث عن امرأة اختفت وراء المحيط، وتركت في جذعها جملة لم تكتمل. راحت تعبر المجرات، وتتوقف عند النجوم لتسأل عن جاكلين سلام، حتى صادفت قمرًا عجوزًا كان يصلح ثقوب الليل بإبرة من ضوء. قال لها القمر: إن المرأة التي تبحثين عنها تسكن مدينة ينام فيها الثلج واقفًا، وتكتب بلغة تستطيع أن تجعل الغائبين يتناولون العشاء مع الأحياء. وفي تورنتو، كانت جاكلين جالسة قرب نافذة تطل على بياض لا نهاية له، حين سمعت طرقات خفيفة على الزجاج. فتحت النافذة، فدخلت شجرة التوت بكامل أغصانها، يتدلى من أحد فروعها بيت قديم في المالكية، ومن الآخر شارع كندي، وبينهما طفلة ولدت في التاسع والعشرين من أيار عام 1964، تحمل مرآة لا تعكس الوجوه، بل تكشف الحيوات التي كان يمكن لأصحابها أن يعيشوها. نظرت الطفلة إلى المرأة التي صارتها، وسألتها: لماذا كبرتِ بعيدًا عن ظلي؟ لم تجب جاكلين. وضعت يدها على جذع الشجرة، فإذا بالخشب ينبض كقلب، وإذا بالثلج خارج النافذة يتحول إلى أسراب من الفراشات البيضاء. عندئذ فهمت أن الرحيل الذي حملها إلى كندا عام 1997 لم يكن انتقالًا بين مكانين، بل انشطارًا كونيًا جعل حياتها تدور في فلكين، وأن الإنسان قد يسافر بجسده مرة واحدة، لكنه يظل يسافر بذاكرته إلى آخر العمر.
مملكة الكلمات التي رفضت الموت في المنافي
كانت تورنتو تخفي تحت شوارعها مملكة لا يعرفها سكانها، تعيش فيها الكلمات التي فقدت أصحابها أثناء عبور المحيطات. هناك كانت الأسماء تنام داخل حقائب مهجورة، والأمهات يخبئن أصواتهن في أوعية زجاجية، والرسائل التي لم تصل تتحول إلى طيور عمياء ترتطم بالنوافذ. دخلت جاكلين تلك المملكة ذات مساء، فوجدت اللغة العربية جالسة على درج حجري، ترتدي معطفًا مرقعًا بأسماء المدن، وتعد أبناءها الذين تفرقوا في العالم. قالت لها اللغة: لقد أتعبني الذين يريدونني متحفًا، وأتعبني الذين يريدونني سجنًا، فهل تستطيعين أن تمنحيني نافذة؟ أخذتها جاكلين إلى الصحافة العربية في تورنتو، حيث اشتغلت منذ أواخر التسعينيات، وراحت تجمع الأصوات المتناثرة، وتمنح الحكايات الصغيرة مكانًا في الذاكرة العامة. لكن المعجزة الكبرى حدثت حين خرجت الترجمة من أحد الكتب في هيئة امرأة زرقاء، تحمل على كتفيها نهرين لا يلتقيان. قالت: أنا لا أريد نقل الكلمات، بل أريد أن أجعل الغرباء يتعرفون إلى وجوههم في مرايا بعضهم. ومنذ تلك اللحظة، بدأت قصائد من الأدب الكندي، وأصوات من آداب السكان الأصليين والأدب الأفريقي الكندي، تعبر إلى العربية ككائنات حية تحمل معها غاباتها وثلوجها وندوب تاريخها. لم تكن الترجمة عند جاكلين مجرد حرفة لغوية، بل ممارسة ثقافية تزعزع وهم المركز الواحد، وتكشف أن العالم أوسع من الذاكرة التي ورثناها. وفي إحدى الليالي، رأت الكلمات العربية والكندية تتبادل أحلامها، ثم تخلع أسماءها وتدخل البحر معًا. وحين سألتها شجرة التوت عما تفعل، أجابت: أفتح للغة بابًا كي لا تموت من فرط التشابه مع نفسها.

المحبرة التي أنجبت ألف امرأة وابتلعت الشمس
في الليلة الثالثة، تمرد الحبر على الورق. خرجت من المحبرة امرأة سوداء الشعر، تتدلى من أصابعها أنهار صغيرة، وقالت بصوت جعل النجوم ترتجف: لقد ظللت قرونًا أكتب أسماء الآخرين، وحان الوقت لأن أكتب اسمي. كانت تلك المرأة هي المحبرة أنثى، لكنها لم تقبل أن تبقى كتابًا على رف، فكسرت زجاجة الحبر وراحت تزرع حروفها في الهواء، حتى امتلأت الغرفة بنساء لا يشبهن بعضهن. إحداهن تحمل طفولتها فوق رأسها، وأخرى تجر وراءها مدينة، وثالثة تضحك في وجه العاصفة، ورابعة تنزع عن جسدها أثواب الخوف كما تنزع الأشجار أوراقها اليابسة. وفجأة ظهر رقص مشتبه به، كائن عجيب له ساقان من موسيقى وقلب من نار، وأخذ يدور حول النساء حتى فقدت الجاذبية قدرتها على إبقائهن فوق الأرض. لم تكن الرقصة احتجاجًا ينتظر اعترافًا، ولا بيانًا يبحث عن توقيع، بل انفجارًا في المعنى، وإعلانًا بأن الحياة لا تحتاج إلى تبرير وجودها. كانت جاكلين تراقب المشهد، وتدرك أن الكتابة حين تقترب من التجربة الأنثوية لا تستعيد صوتًا غائبًا فحسب، وإنما تفتح إمكانات جديدة لتصور الجسد والحرية والذاكرة. لم تعد المرأة موضوعًا يصفه الآخرون، بل صارت خالقة لعالمها، قادرة على تحويل الهشاشة إلى حساسية جمالية، والجرح إلى معرفة، والعزلة إلى فضاء تتكاثر فيه الاحتمالات. وعندما ظهر كريستال في هيئة بلورة عملاقة، انكسرت على سطحها صورة المرأة إلى آلاف الصور، غير أن كل شظية احتفظت بسماء كاملة. ضحكت المحبرة، وقالت: هكذا تكون الروح؛ كلما حاول العالم تقسيمها، اكتشف أن في كل جزء منها كونًا لا يقبل الاختزال. ثم ابتلعت الشمس للحظة، لا لتطفئ الضوء، بل لتعيد توزيعه على النساء اللواتي عشن طويلًا في ظلال الآخرين.
جسد واحد وألف حافة: الولادة الثانية للكون
عند الفجر، حدث الخلل الأخير في نظام المجرات. انفتح كتاب جسد واحد وألف حافة، فخرجت منه ألف حافة مضيئة، امتدت بين المالكية وتورنتو، ثم واصلت نموها حتى لامست أطراف الكون. على إحدى الحواف كانت طفلة تنظر إلى بيتها الأول، وعلى الثانية امرأة تعبر المحيط، وعلى الثالثة شاعرة تكتب، وعلى الرابعة مترجمة تصغي إلى حكاية لا تعرف لغتها بعد. أما الحواف الباقية، فقد ظلت مفتوحة على حيوات لم تحدث، وأحلام لم تولد، وطرقات لم يسلكها أحد. أدركت جاكلين أن الجسد ليس حدود الإنسان، بل موضع انفتاحه على العالم، وأن المنفى لا يكتمل حين يغادر المرء وطنه، وإنما حين يكتشف أن العودة إلى صورته القديمة لم تعد ممكنة. ولهذا لم تكن قصائدها، في هذا التأويل العجائبي، مراثي للمسافة، بل محاولات لإعادة اختراع القرب، ولا كانت الكتابة استغاثة من الوحدة، بل احتفالًا بالقدرة على مضاعفة الوجود. راحت شجرة التوت تتأمل المرأة التي بحثت عنها بين النجوم، وفهمت أخيرًا لماذا ظل خريفها يذرف أوراقه دون أن يموت. فالورقة الساقطة ليست نهاية الشجرة، بل رسالتها إلى التراب، مثلما أن القصيدة ليست نهاية التجربة، بل بداية حياة أخرى خارج جسد صاحبها.
وحين أوشكت الشمس على الشروق، طلبت الشجرة أن تعود إلى المالكية. فتحت جاكلين النافذة، لكن الشجرة لم تتحرك. كانت جذورها قد اخترقت أرض تورنتو، بينما بقي جذعها في سوريا، وصارت أغصانها تحمل ثمارًا من الضوء فوق مدن لا تعرف أسماءها. وفي تلك اللحظة خرجت الطفلة من المرآة، اقتربت من المرأة، وأعطتها إبرة صغيرة كانت قد سقطت من يد القمر العجوز. قالت: لقد نسيتِ هذه في بداية الحكاية. أخذتها جاكلين، ورفعت رأسها إلى السماء، فرأت ثقبًا صغيرًا في قلب المجرة، يتسرب منه ضوء لم تعرفه النجوم من قبل. أدخلت الإبرة في الثقب، لكنها لم تخطه؛ وسعته حتى صار نافذة، ثم تركت الضوء يتدفق على العالم. وعندها حدثت المعجزة التي لم يتوقعها أحد: لم تعد شجرة التوت بحاجة إلى السفر، ولم تعد المرأة بحاجة إلى العودة. لقد صار الكون كله بيتًا تتدلى من نوافذه أوراقها. وفي الصباح، اكتشف الفلكيون أن المجرة لم تفقد نجمًا، بل اكتسبت قلبًا جديدًا؛ كان ينبض كلما كتبت جاكلين سلام قصيدة.








التعليقات