في «تيرّستري»، الصادرة عام ٢٠٢٥، تجمع الكاتبة المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، مجموعة قصصية من سبع حكايات تقاطعت فيها الرحلة مع ذاكرة الشباب والصداقة والعنف. يحيلنا هذا العنوان إلى الأرض والتنقل عليها، وتأخذنا مع شخصيات تعبر مدنًا مكسيكية وطرقًا أمريكية، وصولًا إلى بلفاست وألاسكا. تسافر نساءيبحثن عن مساحة لحياتهن وحلم، ويختبر شبان أفكارهم خارج الجامعة والكتب، تصور الكاتبة بعض ما تكشفه هذا الطرق وكذلك ما تحمله هذه الأجساد العابرة من رغبة وخوف وتعب.
تختلف اساليب السرد بين الحكايات، حيث سنجد مثلاً قصة لشخصية مكتوبة تعود لملاحقة كاتبتها، وقصة أخرى فتاتان تسافران في هيئة طائري مالك الحزين، ودفتر رحلة يصل إلى قارئ بعد أكثر من قرن وهكذا تتنوع القصص. سنلمس أن الوصف الحسي يتجاور مع المقاطع الشعرية وتُستعاد فيه أفلام وكتب وشخصيات أدبية وفكرية. هذه الاختيارات منحت السفر أشكالًا تتجاوز تعاقب المحطات، وسمحت للذاكرة بأن تتردد وتختلط بالخيال.
في قصة «تدريب ميداني»، يتوجه طلاب إلى حي عشوائي بلفيديري قرب جبال أجوسكو، للمشاركة في بناء مدرسة وتنظيم الأدوية وتسجيل حكايات النساء والحراسة الليلية. هناك، تتحدد حاجات السكان بالماء والإنسولين والسكن الآمن، وهذا التضامن يكتسب معناه عندما نرى الطلبة يحملون الطوب ويتقاسمون الوقت مع المهمشين. وعندما ينطلق إنذار اقتحام الشرطة، يطلب أحد السكان من الشبان المغادرة. وعند الفجر يشاهدون المعتقلين والجثث والبيوت المحترقة على التلفزيون، و تعلن الأخبار الرسمية استعادة النظام بعد حوادث شغب وتخريب.
إن ضمير «نحن» قد منح هذه القصة إيقاعًا جماعيًا، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا حول موقع السكان، حيث نسمع مطالبهم ونرى تنظيمهم، ولكن تظل التأملات ومساحة الوعي الأوسع للشبان الزائرين في السرد. وعند النهاية، نبقى مع صدمة الذين غادروا، دون أن نعرف بالتفصيل مصائر الذين ظلوا هناك. يصبح الفرق بين المشاركة في حياة الحي وامتلاك حق روايتها مدخلًا لمناقشة النص، إلى جانب مواجهته للغة السلطة والصورة التلفزيونية.
لمزيد من الفهم والتعمق في عالم هذه الكاتبة وكتاباتها في النقاط التالية :
السفر كما يشعر به الجسد وليس مجرد جغرافيا
في مقالة للناقدة لورديس ماسورا، تبدأ من سؤال عن الغرابة التي تشعر بها المرأة عندما تسافر وحدهاوهي تتحرك بالجسد الذي تعرفه وتسكنه منذ ولادتها. ومن هنا ينطلق سؤال يدخل بنا إلى المجموعة: ماذا يحدث للجسد عندما تتغير الأمكنة المحيطة به؟
تتوقف القصص عند التعب والخوف والرغبة والدهشة، وتصور أثر الطرق والمناظر في الحواس. فالمسافرات يمشين ويحملن الحقائب وينتظرن وسائل النقل، وتظهر الرحلة في أقدام تتورم تؤلم وعيون تراقب ومعدة تضطرب. و هذا التركيز يتيح فهم جانب من جماليات ريفيرا غارزا؛ فهي تصل التجربة إلى القارئ عبر إحاسيس يمكن أن نعرّفها قبل أن تتحول إلى فكرة. والناقدة نفسها وصفت ألم قدميها وثقل حقيبتها، فتوضح أن هذه القراءة استدعت خبرة جسدية عاشتها، وفهمت النص وأتصل بذاكرة حركتها و تعب سفرها.

المشهد الطبيعي يقتحم المسافر
سوف نلاحظ توالى الأفعال في هذه القصص ولكل مشهد علاقة بالمسافرين وسنجد أشياء في جغرافيا الأمكنة قد تهاجم، وتهدد الشخصيات أو تدهشهم، ويترك أثره فيهم. وتزخر النصوص بمفردات تمنح المكان قوة تؤثر في الجسد، أي لا تظل الجغرافيا منظرًا يمر خلف النافذة. وينتقل التأثير من العين إلى ما تحت الجلد، وهكذا تبدع الكاتبة في خلق صور تجعل أثر الرحلة مستمرًا بعد مغادرة الطريق. ويجتمع الانبهار بالخطر داخل العبارة نفسها؛ ويحدت ارتباك للشخصيات ليكشف ضعفها الإنساني. وتساعدنا ملاحظت الناقدة على الانتباه إلى اختيار الأفعال تحديدًاوتنوه أن الكاتبة لا تحتاج إلى وصف طويل لكل منظر، لأن طريقة وقوعه على الشخصيات تكشف شدته أو خطره. ومن هنا يتضح لنا جاذبية عبور المكان، خاصة للمرأة التي تواجه احتمال التهديد وتواصل النظر والاستكشاف.
المقاطع القصيرة وإيقاع التنفّس
سنتوقف مع بعض ملاحظات الناقدة ماسورا في مقالتها بمجلة «كاسابايس»الإلكترونية، ضمن قسم «كتب وكتّاب» والتي نشرت بعنوان: «مغازلة الرغبة: عن تجاوز الحدود في تيرّستري لكريستينا ريفيرا غارزا». وقد نوهت إلى أن نصوص هذه المجموعة بنيت من مقاطع تفصل بينها مسافات أو عناوين فرعية، وتربط ذلك بمراحل الرحلة من لحظة الاستعداد إلى الخروج، ثم التجربة، والعودة،وأخيرًا محاولة فهم و استيعاب ما حدث. لكننا نؤكد على ملاحظتها الأهم التي تتعلق بالإيقاع؛ فالتقطيع والتكرار يجعلان القراءة قريبة من حركة التنفّس. تتقدم الجملة، ثم تتوقف، وبعد ذلك تستأنف بصيغة سبق ربما أن سمعناها، فيكون اتصال بين المقاطع رغم انفصالها البصري. ويظهر هذا بوضوح في قصة «تدريب ميداني»، حيث سنجد تكرر في البداية مثل «نأتي» و«بعضنا» و«هنا»، فتتجمع أفعال متفرقة داخل حركة واحدة. هذا المثال من قراءتنا للقصة يوضح ما تقصده الناقدة على مستوى المجموعة. فالتكرار يضبط سرعة السرد ويوزّع الانتباه بين الأجساد والأعمال والأماكن والطقس، وسوف نلمس أن التوقف القصير له وظيفته المهمة داخل تجربة القراءة نفسها.
التجريب يطلب جهدًا من القارئ
لا يجب أن نتعامل مع تنوع التقنيات كنجاح مضمون يمكن أن يقلده أي كاتب. فهذا الكتاب أشبه برحلة تتطلب المثابرة، ويزخر بالكثير من الألعاب السردية والتي تضع تحديات قد يواجها القارئ أو كأن مهمتها خلق تعثير للقراءة. ويمكن أن نستنتج أن هذه التقنيات تغيّر طريقة تلقّي الوقائع، وتفرض على القارئ أن يعيد تركيبها بنفسه وهذه الشجاعة في التجريب قد يعتبرها البعض تنفير للقارئ.
الذاكرة تعيد تركيب الرحلة
إن هذه المجموعة تضعنا مع تساءل عن فن كتابة القصة القصيرة حيت نكتشف وقائع تخمينية أو حكايات سفر بعضها في شكل شذرات وتعصف ببعض الأجزاء فجوات وتفاصيل قد تغيّر معناها بمرور الزمن. نعيش إذن وقائع حققية تتداخل مع ما تعيد المخيلة بناءه، ويتجاور الوصف مع الشعر والتأمل وتتفنن الكاتبة بربط الذاكرة بالتخييل والالتباس ويأتي السرد غير مبسط وفيه بعض الصعوبات.فالنصوص ليست توثيق مذكرات دقيقة لمجرد حضور إشارات شخصية فيها؛ وكذلك فإن هذه النصوص تزخر بالكثير من الاختيارات والحذف والمشهدية.
ضمير «نحن» وبناء الذاكرة المشتركة
تتوقف الناقدة لورديس ماسورا صراحة عند «تدريب ميداني» ونذكر ملاحظتها المهمة بأن الذاكرة تُبنى في هذه القصة بضمير المتكلم الجمع. كون التجارب تُروى عبر علاقات، ويظهر الآخر داخل الرحلة بكونه الرفيق الذي يشارك في صنعها وتذكرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* وُلدت ريفيرا غارزا في ماتاموروس عام ١٩٦٤، ودرست الاجتماع والتاريخ. تناول بحث تخرجها مشاركة نساء بلفيديري في الحركات الشعبية بين ١٩٨٠ و١٩٨٥. وفازت ببوليتزر عام ٢٠٢٤ عن «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، المستعيد حياة شقيقتها المقتولة؛ وهذه خلفية قد تساعد على فهم اهتمامها بالعنف والذاكرة، دون أن نختزل كل قصصها في شهادات شخصية واحدة مباشرة.







التعليقات