شكلت أرض الرافدين منذ فجر التاريخ الحاضنة الأولى للخيال الإنساني، وظل الشعر فيها ينبوعاً للقوة الروحية وسجلاً حياً للضمير الجمعي، وليس مجرد ترف بلاغي عابر، وهو ما سعىت إلى تفكيكه هذه الدراسة برؤية علمية رصينة، حيث اتخذت من تجارب ثلاث شعراء واكبوا تحولات البلاد على مدى نصف قرن وهم كل من (عبد الرزاق عبد الواحد وساجدة الموسوي ورعد بندر)، اتخذت مداخل كاشفة لعوالمهم الإبداعية، اعتمد فيها الناقد على إطار منهجي تكاملي يجمع بين الأسلوبية والبنيوية النصية والتحليل الدلالي، واسلوب تبسيط النص الأدبي ليكون متاحاً ومفهوماً للقارئ العادي دون الغرق في التعقيدات المصطلحية الجافة.
ويكشف التحليل المعمق الذي قدمه الكتاب أن فضاء العراق، على الرغم من وحدته المرجعية والجغرافية، لا ينتج خطاباً شعرياً أحادياً، بل يتشظى إلى أنماط بنيوية متعددة تختلف باختلاف زاوية النظر والحساسية الجمالية لكل مبدع، حيث تتبدى بوضوح الفروق الجوهرية في البنية الأسلوبية وصياغة الخطاب، إذ يميل عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته (سلام على بغداد مرة أخرى) إلى نزعة كلاسيكية جديدة تتسم بالفخامة اللفظية والجزالة التركيبية الممتدة والمنتظمة على إيقاع عروضي صارم، مما يمنح نصه طابعاً احتفالياً خطابياً يهدف إلى تمجيد الوطن ورفعه إلى مصاف المطلق التاريخي، في حين تنحاز الشاعرة ساجدة الموسوي في قصيدتها (تساؤلات عراقية) من ديوانها "بكيت العراق" إلى أسلوب مغاير تماماً يقوم على البوح الذاتي والتكثيف الوجداني، متخلية عن الزخرفة التقليدية لصالح جمل رشيقة وقصيرة تنبض بالحزن والتأمل، مستغلة مرونة النهج الشعري الذي تنتهجه للتعبير عن الانفعال الإنساني الحميم، بينما يقف الشاعر رعد بندر في قصيدته (لأرض العراق العصي ثراها) في منطقة وسطى يمتزج فيها النفس التراثي الجزيل بالمرونة التعبيرية الحديثة، مشكّلاً أسلوباً تركيبياً متوازناً يخفف من حدة الخطابة ويفتح العبارة على أفق معاصر.
هذا التباين الأسلوبي ينعكس بشكل مباشر على هندسة الصورة الشعرية وآليات إنتاج الرمز داخل النصوص، بينما تتخذ الصورة عند عبد الرزاق عبد الواحد بعداً ملحمياً كلياً تتحول فيه بغداد إلى كيان أسطوري سرمدي يشبه طائر الفينق الذي ينبعث من رماده مستدعياً الجذور السومرية والبابلية في مواجهة محاولات الطمس، نجد أن ساجدة الموسوي تبني صورة حسية انفعالية تنطلق من التفاصيل الدقيقة والمشحونة بالفقد، حيث تعيد صياغة أسطورة تموز المعاصرة من خلال ثنائية الدمع والماء، فتتحول النخلة عندها إلى رمز عمودي للخلاص يربط الأرض بالسماء ويتحدى واقعه المظلم، وتتحول النواعير إلى علامة على دوران الزمن واستمرارية الحياة، في حين ينحو رعد بندر بصوره نحو الحركية والدراما الصراعية القائمة على الفعل والمواجهة، فتظهر الأرض لديه كفضاء حي يقاوم، وتتحرك الكلمات كقوة فاعلة تفرز الأصحاب عن الأعداء بعيداً عن النزوع الرومانسي الساكن.
وتتكامل هذه المستويات الفنية لتصب في نهاية المطاف في إنتاج النواة الدلالية المركزية والحبكة التنظيمية التي تحكم انتقالات المعنى، فالحبكة عند عبد الواحد تتخذ مساراً تصاعدياً تراكمياً ينطلق من التحية الوجدانية ليصل إلى ذروة التمجيد القومي للاستقرار الحضاري، حاملاً دلالة استذكارية تجعل من الماضي مصدراً للشرعية التاريخية، وتتحرك حبكة الموسوي في مسار دائري ونفسي يتأسس على بنية استجوابية متوترة تطرح الأسئلة الوجودية حول أسباب الفجيعة دون تقديم إجابات مغلقة بل تترك النص مفتوحاً على أفق احتمالي عبر بوابات الأغنيات والذاكرة الفلكلورية الحزينة، بينما ينهض نص رعد بندر على حبكة صراعية تبدأ من مواجهة الواقع المستباح وتتحرك سريعاً نحو إرادة المواجهة واستعادة الكبرياء، لتغدو الدلالة عنده معبراً حقيقياً عن خطاب المقاومة الفعلي، وبناءً على هذه الرؤية البانورامية الشاملة يخلص الناقد الدغمان في محصلته الكبرى إلى أن هؤلاء المبدعين قد صاغوا ثلاثة أنماط تعبيرية متكاملة لتمثل الوطن، وليكون العراق بوصفه مجداً استذكارياً عند عبد الرزاق عبد الواحد، والعراق بوصفه جرحاً انفعالياً عند ساجدة الموسوي، والعراق بوصفه مقاومة وبطولة عند رعد بندر، وهي أنماط لا تلغي بعضها بل تلتقي عند جوهر الوفاء للهوية الرافدينية، لتظل القصيدة خط الدفاع الأخير عن الجمال والحق والتاريخ.







التعليقات