ارتبطت التفكيكية بالفلسفة، وقد بنت منهجها اعتمادا على مقولة نيتشه ـــ الأب الشرعي لها ـــ حول( موت الاله ولامركزية الكون) ، واصبحت هذه المقولة الاساس الفلسفي لنقد المركزية لدى التفكيكيين الذين يشككون في المعنى الثابت للنص، ويدّعون أنّ للنص عددا لايحصى من المعاني والدلالات، و ظهرت التفكيكية (وهي العمود الفقري لنظريات ما بعد الحداثة) خلال ما يسمى مرحلة (مابعد الحداثة) وهي فترة امتدت من العام 1970 الى عام 1990.
واعتمدت التفكيكية في بناء أسسها على مرتكزات ثلاثة(الثورة على العقل، ونقد سلطة الحضور،وأخيرا الثورة على البنيوية)، فالفكر الفلسفي عند دريدا يعبر عن أفق فلسفي جديد، ينأى عن انغلاق الذات ، وسجن النسق، ويعمل على خلخلة ميتافيزيقيا الحضور، واجتثاث بُناها، ثم اجترح" ستراتيجية التفكيك"، والغاية منها تقويض كل التراث الفلسفي والفكري الغربي، ثم إعادة بنائه من جديد بمنأى عن كل تصور ميتافيزيقي ينسب الحقيقة والمعنى الى العقل، فالتفكيك من المصطلحات الغامضة التي توحي بالتفتت والبعثرة والضياع، وفي مقابل ذلك هو مصطلح غني ومليء بالدلالات الفكرية، حيث يقدم لنا جاك دريدا مفهومه الخاص للتفكيك، إذ يؤكد على أنه ((ليس تحليلا ولا نقدا))،كما يعرّفهُ صاحب كتاب( معرفة الآخر) على النحو الآتي ((بذر الشك في مثل هذه البراهين ويقوض أركانها ويرسي على النقيض من ذلك دعائم الشك في كل شيء، فليس ثمة يقين))، لذلك ينبغي قبل كل شيء أن يقوم سؤال التفكيك على تأثيث الشك، ثم إعادة بناء اليقين على أنقاضه، وهي نظرية تقوم على" الهدم وإعادة البناء"، ففي الرأي التفكيكي يقوم النص على المساءلة والأسئلة، مساءلة النص بغرض هدمه وإعادة بنائه، حيث يزعم التفكيكيون ان للنص عددا لا يحصى من المعاني والتفسيرات، وهم بهذا يصلون الى القول ان فيوض المعاني النصية لا تدرك وليس لها آخر، وهم متعطشون الى الهدم ربما اكثر من رغبتهم في اعادة البناء، ما داموا يركنون الى فرضياتهم العجيبة ومنها (قراءة الاساءة)، حيث يمنحنا النص من خلالها و عبر سلطة اعادة القراءة تفسيرات لمعانيه الجديدة، كما ان ثورة التفكيكيين اكبر من احلامهم وطموحاتهم، وهذا ما خلق لهم اعداء رأوا ان خطورة هذا المنهج واضحة تحت قائمة مسببات.
وهكذا تنهض ذاكرة النص تحت قائمة أسئلة يمكن تحليلها وتأويلها وتفسيرها مرة بعد اخرى في كل قراءة جديدة للنص، ويمكن تفكيك النص الشعري ــ مثلا ــ بعدد من العناصر منها( الثنائيات الضدية)،حيث يبحث التفكيك قبل شيء من أجل إقامة مشروعه الهدمي التقويضي عن فراغات ونقاط ضعيفة، يدخل من خلالها الى أسس البناء، ويهدمها، من أجل إزالة الضعف والخلخلة التي في النصف، ولاشيء يساعد التفكيكيين على ذلك أكثر من( التناقض والتضاد في بنية النص)، لذلك فإن الثنائيات الضدية في النص تشكل (تعالقا/ تداخلا/ تجاذبا/ تنافرا) وهي بهذه الطريقة تعبر عن جدلية ( الشيء وضده)، أي انها تصنع جدليتها الخاصة، والجدلية هي ’تصارع فكرتين متضادتين او متعاكستين في المعنى، تنتج عنهما فكرة ثالثة تحتاج الى فكرة جديدة تصارعها وهكذا‘.والثنائية تمنح النص حياة جديدة، تعتمد على
التفكيكية شأنها شأن البنيوية، التي رفضت اي مركز او مرجع للنص مهما كان اجتماعيا تاريخيا نفسيا وغير ذلك، وكما قال الفيلسوف جاك دريدا رائد التفكيكية" التفكيكية حركة بنائية وضد بنائية في آن واحد" : اي تبني وتهدم الى ما لانهاية وهي سلسلة متواصلة من الدلالات"،واهم المصطلحات التفكيكية هي:
* نقد المركزية: وهي ان النص لامركزية ولامرجعية له، بل هو كيان قائم بنفسه على نفسه، وهو يطابق كلام البنيويين ( النص ولا شيء غير النص)
|* الحضور والغياب:قائمة على ان الذوات تحمل مدلولات متعددة(يظهر معنى ثم يغيب ويحضر معنى جديد ويغيب )وهكذا
* الاختلاف والارجاء: اعتمد على مفهوم (هيدجر) عن الكينونة( المعرفة والذات العارفة)وهما يتغيران بتغير عوامل الزمن، ومعناه ان الحقيقة التي نصل اليها اليوم هي حقيقة مرجأة لحين ظهور حقيقة اخرى.
* الأثر: هو العلامة التي توحي بامكانية (الاثر والإزالة) وهي امكانية المحو لأثر قديم بظهور أثر جديد.
* قراءة اساءة: كل قراءة جديدة لمعنى لنص تسيء ( اي تلغي) المعنى السايق.
* التشظي: وهو تكاثر المعنى باشكال مختلفة يساعد على ظهور اللعب الحر.
* اللعب الحر: هو لعب لاتوجد قواعد تحد من حريته، وهو يشير الى عدم الثبات وعدم الاستقرار للنص.
* التناص: قراءتنا للنص الادبي تستدعي نصا آخر، حيث ينفتح النص على معاني ودلالات جديدة.
واهم اجراءات النقد التفكيكي:
*البحث عن المتناقضات في النص بوصفها معول هدم لبنيته.
* البحث عن المسكوت عنه.
* رفع المهمش لرتبة المركزية مؤقتا.
تفكيك التفكيك
في مناقشة مصطلحات التفكيكية يمكن ان نخرج بعدد من النتائج التي تثبت جنون المنهج التفكيكي وتبين خطورته:
* قبل كل شيء المنهج التفكيكي يشتغل على تكرار لازمة واحدة وهي (النص له معنى غير ثابت يتغير باستمرار)، هذه اللازمة هي كل المنهج التفكيكي ، وتتغير بصيغ وأساليب مختلفة في اللفظ ، لكن المعنى واحد، لذلك يمكن وصف المنهج التفكيكي بالمنهج الأعرج ، لأنه يتوكأ أو يمشي على قدم واحدة هي (التكرار) الذي من المفروض أن يقدم عشرات المعاني والدلالات المختلفة لنص واحد ، بمعنى لوقرأنا نصا معينا عشرين مرة، نخرج بعشرين معنى مختلفا للنص، وهذا كلام مضحك وغير منطقي.
* نقد المركزية: من هنا التفكيكية منهج نقدي خطير لأنها تشتغل على نقد وتفكيك للمفاهيم السائدة ، وذلك باعتمادها التشكيك في كل شيء،فقامت فلسفتها على التشكيك وزعزعة كل يقين ، كما انطلقت التفكيكية من التشكيك في العلم ثم تحوّل إلى الشك في كل شيء،ثم شككّت التفكيكية في العلاقة القائمة بين الدال والمدلول والمعنى المتولد عنهما وهذا ما لا يقبله المنطق.
* التشظي: بمعنى المفردة الواحدة تتشظى الى عدة دلالات،مثال مفردة " الليل" قديكون معناها الظلام، والضوء، والبرق.. الخ، وهذاكلام غيرمنطقي أن تتشظى المفردة الى عدد غير معلوم من الدلالات.
هناك ملاحظات وآراء اخرى نستطيع من خلالها أن نثبت أن التفكيكية منهج نقدي خطر ومجنون، رغم أن "دريدا" يقول: التفكيكية "ليست منهجا ولا تحليلا"!، ولكننا اكتفينا بهذا القدر اختصار وايجازا.





