انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

تجلّيات المقدّس وجناية الروح.. مقاربة بين الأدبين الروسي والعربي في الأفق الفكري لـجاياني ستيبانيان

منال رضوان
منال رضوان

ناقدة وأديبة مصرية

6 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
تجلّيات المقدّس وجناية الروح.. مقاربة بين الأدبين الروسي والعربي في الأفق الفكري لـجاياني ستيبانيان
مشاركة:

تبدأ رحلة السبر النقدي في أغوار تجربة الأديبة والباحثة والناقدة الروسية جاياني ستيبانيان بالوقوف أمام تلك التجارب الاستثنائية التي تتناول الأدب باعتباره كائنًا حيًا ينبض بأسئلة تتشابك مع الوجود والضمير الإنساني.

في هذا المشهد المعاصر، استضاف البيت الروسي بالقاهرة الباحثة والناقدة الروسية جاياني ستيبانيان باعتبارها أحد الأصوات النقدِية المهمة التي تمتلك حساسية خاصة تجاه الأثر الإنساني، حيث تتجاوز القراءة النمطية الجامدة، لتعيد إحياء الإرث الكلاسيكي بوعي تفكيكي يتماس وجوهر التجربة البشرية.. وعقب انتهاء حدثيها، أخبرتها بمدى أهمية ما تقدمه من قراءات تمس جوهر الأدب العربي  مما مثل لي سعادة بالغة.

وبالعودة إلى الباحثة الكبيرة جاياني، فقد تجلى هذا التوجه نحو الأثر الإنساني في الأدب الروسي في مشروعها النقدِي عبر أربعة مؤلفات مفصلية، تتقصى فيها الروح الروسية وعبورها لمنعطفات شديدة الحدة عبر القرنين الماضيين.

ويأتي في صدارتها مؤلفها النوعي "دوستويفسكي وهدايا الخلود الست"، بحيث تخطت فيه نمط التدوين البيوجرافي (السيري) للغوص في كنه الهدايا الأخلاقية والفلسفية التي أورثها دوستويفسكي للأدب العالمي؛ كما استطاعت تتبع كيفية اشتغال الألم، والحرية المشفوعة بالمسؤولية، والازدواجية النفسية لشخوص فيودور، والجمال المُخلص في بناء الكينونة الإنسانية، مع إبراز الصراع بين الأنا والأنا العليا من ناحية، وبين الذات المتألمة والسلطة الأبوية من ناحية أخرى.. لا سيما من منظوري جاك لاكان وسيجموند فرويد.

يمتد هذا الأفق الحواري بنا في مؤلفها المشترك مع ميخائيل فيزيل (بوشكين وزمننا: لقاءات على متن سفينة الحداثة)، فيبدو ألكسندر بوشكين كأنه يترجل تاركًا منصته التاريخية ليشتبك مباشرة مع أسئلة اليوم الفكرية، أما عن الكتاب، فتوضح جاياني أنها تجاوزت حدود السرد التقليدي فيه، لتقدم صيغة ميتاسردية باقتدار ترتكز على الوعي الذاتي التام فيها، متعمدة كشف اللعبة للمتلقي عبر حوارية نصية بالغة الشفافية.

 أما في منجزها التوثيقي (من بونين إلى برودسكي تاريخ نوبل في الأدب الروسي)،  تجدها تستعرض المسارات الشاقة للانتشار والاعتراف العالمي، متتبعة تلك النبضات الحية والتوترات المستمرة بين أدب الداخل والمنفى؛ فمن المعلوم أن إيفان بونين هو أول من حاز نوبل من أدباء المهجر عام ١٩٣٣ عن رائعته حياة أرسينيف.

تصل هذه الرحلة البحثية إلى ذروة التكثيف الفلسفي في كتابها الأهم (أنت من قتل يا سيدي: فلسفة الحبكة الجنائية في الأدب الروسي في القرن التاسع عشر)، لتلتقط جاياني بذكاء شديد، عبارة الاتهام الشهيرة التي وجهها المحقق "بورفيري بيتروفيتش" لـ"راسكولنيكوف" بطل  الجريمة والعقاب، فتتخذها مفتاحًا تأويلًا لعتبة النص؛ إذ تحول بواسطته سهم التلقي بمهارة عن الحبكة المتماسكة لتتجاوزه إلى مأساة وجودية تفكك عمق الذنب، ومن ثم تضع النفس البشرية أمام مرآة مسؤوليتها الأخلاقية.

وبوجه عام يبدو الملاحظ أن الشغف في كتابات جاياني ستيبانيان ينبع من قدرتها على تتبع الخيوط الخفية التي تربط النص بالواقع؛ إذ تعكف – كمثال – على قراءة متأنية ورصينة لنظرة ليف تولستوي (1828 ـ 1910) إلى الذات العليا والمقدس، وهي الزاوية ذاتها التي تتماس بدقة مع عالم نجيب محفوظ، ولا سيما في روايتيه "الطريق" و"أولاد حارتنا"، فصابر سيد سيد الرحيمي أو عرفة حفيد الجبلاوي، يمثلان الرحلة الشاقة للبحث عن الأب أو المطلق السامي؛ فالطريق قد تتوازى مع المكابدة الروحية لبعض شخصيات تولستوي وهي تتوق للتحرر والانعتاق بغية الارتقاء.

بينما تتجلى المقاربة في أعمق صورها حين نضع مفهوم الجريمة عند دوستويفسكي في مواجهة عالم "أولاد حارتنا"؛ ففعل القتل الذي يرتكبه "عرفة" في حق "الجبلاوي" يمثل انسلاخًا قيميًا عن الموروث الفطري، تقف به الشخصية على حافة السقوط الهاوي عبر إفساح المجال لـ "حنش" تابع عرفة الذي يمثل الغواية وسطوة الغريزة، تمامًا كما يتخبط "راسكولنيكوف" في أزقته النفسية المظلمة قبل أن تصدمه المحاكمة الأخلاقية ويدفعه الندم نحو التكفير الروحي.

تجلّيات المقدّس وجناية الروح..

مقاربة بين الأدبين الروسي والعربي في الأفق الفكري لـجاياني ستيبانيان

أما عن محاضرة جاياني الرائعة فقد استدعت السؤال السابق الذي تم توجيهه إليّ في إحدى المقابلات التلفزيونية، حين باغتتني الإعلامية بسؤالي حول مساري الكتابي والنقدي، ولماذا يتركز الطرح فيه على قطبين يبدوان متباعدين، وهما الأدب الروسي وأدب التصوف؟

ربما دهشتها كانت تنطلق من رؤية شائعة.. ترى في التصوف تحليقًا في سماء الملكوت، وفي الأدب الروسي قسوة أرضية شاقة وانغماسًا في التفاصيل الباردة!

 غير أن الإجابة تكمن في نقطة التماس الجوهرية التي يلتئم عندها هذان العالمان؛ وهي موقع الإنسان ذاته في تلك المنطقة المشحونة بالصراع بين الفطرة الأولى بكل نقائها وبراءتها، وبين الغريزة الهوجاء وما تفرضه الميول والأهواء البشرية من سطوة.

إن الأدب الصوفي يتحرك  كتجربة توق وجدانية تسعى نحو المكاشفة والوجد، للوصول إلى صفاء الذات ونقائها، بينما يسلك الأدب الروسي مسارًا يعتمد التعرية الصريحة والمواجهة المباشرة عبر طرح الأسئلة القاسية وإسقاط الأقنعة عن الروح، ليتماس في النهاية مع الغاية الصوفية ذاتها.

 من هنا تتضح الرابطة الوثيقة التي تجعل الأدب الروسي من أقرب الآداب قاطبة إلى التجربة الصوفية؛ استنادًا إلى غوصه العميق في أعماق النفس الإنسانية، ولو أتيح الوقت في ذلك اللقاء المتلفز لتتبع هذا الخيط السردي، لكانت تجربة ليف تولستوي هي الشاهد الأبرز؛ فهو يقدم مكاشفة صوفية حقيقية يُعول عليها في فهم الذات والتسامي بها عبر الزهد والعودة إلى البساطة الفطرية.

أما تلك المقولة المتكررة التي تجعل من الأدب الروسي مجرد (أدب مأساوي)، فهي قراءة يجانبها الصواب النظري والنقدي؛ إذ يتكشف الإبداع الإنساني دائمًا مع حشرجة الواقع وسياقاته التي ولد من رحمها ولا يمكن لنا بحال عزل المبدع عن بيئته وما يحيط بها من ظروف.

فبالنظر إلى الحقبة  الكلاسيكية وصولًا إلى العصر الفضي وما أعقبه، نجد أن أغلب الرواد الذين صقلوا الذاكرة الإنسانية بروائعهم عاشوا محنًا إنسانية طاحنة؛ فمنهم من ألمَّ به أو بأقاربه من الدرجة الأولى مرض عضال كأنطون تشيخوف، ومارينا تسفيتايفا، ودوستوفيسكي، ومنهم من سحقته ضغوط الحياة ومرارة التضييق كبوكوفسكي وباسترناك وماياكوفيسكي وأخماتوفا وغيرهم.

ولو أن أولئك الأدباء الفطاحل اختاروا الهروب من حميمية واقعهم وكتبوا لمجرد التطهر  السطحي أو استجلاب 'نيرفانا' أدبية متخيلة، لما امتد إرثهم، ولما ظل حيًا يتنفس في وجدان العالم حتى اللحظة متمتعا بأصالة وثراء شديدين.

تتجسد هذه الأصالة في أنصع صورها عند فيودور دوستويفسكي؛ فعندما يتقصى شعرية الجريمة، يضع القارئ في قلب مختبر أخلاقي ونفساني يختبر حرارة الصراع بين المباح والمحرم، ولعل هذا الصدق السردي هو ما يميز الأدب الروسي لتركيزه على الإنسان المأزوم واقتفائه لـ "الهامارتيا" أو الزلة التراجيدية كما صاغها أرسطو قبل قرون، وتجاوز هذا الأدب للنماذج المعصومة (كالأنبياء والقديسين) التي تظل استثناءات نورانية في المسار البشري،

أو النموذج الهوليودي للبطل الخارق الذي لا يسقط أبدًا!

بينما يظل الإنسان المبتلى كائنًا يتراوح بين شعاع الفطرة وزلات الخطأ، مقتفيًا أثر هذا الامتداد الحي للنص الكلاسيكي والرؤى المعاصرة التي تدققها باحثات بحجم جاياني ستيبانيان.

لنظل أمام التساؤل المنهجي والوجداني الذي يتجه صوب المشهد الأدبي الراهن، من واقع التماس المباشر مع نبض التجربة الأدبية وعمقها الفلسفي،

هذا التساؤل لجاياني الذي أتمنى أن تجيب عليه في مرات قادمة تزور مصر فيها، هل ترين أن بعض الأدباء الروس من المعاصرين يحاولون الانسلاخ من إرثهم الكلاسيكي بغية الانطلاق إلى عالم أكثر سرعة وانفتاحا؟

 ومن يعلم لعل هذا التساؤل يكون عنوانا لكتابها القادم الذي سننتظره بشغف شديد

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هادي مسير الربيعي..

 حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر
قراءات

هادي مسير الربيعي.. حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر

إسماعيل نوري الربيعي يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر،…

· 6 د
دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح).

للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"
قراءات

دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح). للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"

د. عدنان عويد البنية الفكريّة للنص. نحن أمام نص أدبي معاصر, استلهم التاريخ, فجعل من استلهامه هذا مقاربة على درجة عالية من الأهميّة والحكمة ربطت ما بين الماضي والحاضر. فقراءة التاريخ وإسقاط دلالاته على الواقع المعيش, تحتاج في الحقيقة إلى أديب أو مفكر أو فيلسوف يعرف تماماً ما يريد, وهذا ما وجدناه في…

· 8 د
ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها

 "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.
قراءات

ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.

بقلم: ذ. الحسن التزكيني. إن المتمعن في ديوان الشاعر لحسن أيت بها يجد نفسه أمام مقطوعة موسيقية تتداخل ألحانها بين نغمة الألم ونغمة الأمل، فلم يكن الشاعر ليرسم ملامح لوحاته الشعرية هاته، ويسلك فيها مسلك كبار الشعراء، ويختار لها الأسلوب واللغة المثاليين لولا تشربه من معين الشعر عموده ومكسوره، لأن…

· 4 د