صدرت منذ فترة قصيرة سيرة الشاعر المغربي المتميز صلاح بوسريف في كتاب بعنوان (بيتُ الكينونة: سرد ـ سير ـ ذاتي) بجزأين عن دار فضاءات الأردنية، وهي سيرة كبيرة بمحتواها وبشخوصها ومواضيعها المتنوعة التي تدور في فلك شاب في مقتبل العمر يبحث لنفسه عن مكان في هذا العالم ومعنى لوجوده. وإذ أعلم إن العديد من النقاد سيتناولون السيرة بالكثير من الاهتمام والبحث والتقييم، فما أثارني وحفزني على الكتابة عنها، هو معرفتي بأخبارها من الشاعر نفسه، ولأهمية ما أريد الكتابة فيه وعنه، أي التركيز عن تلك الفترة الطويلة نسبياً التي عاشها الشاعر في بغداد، وهي نقطة التركيز في كتابتي هنا، أي تلك الفصول التي يتناول فيها سيرته في بغداد، في جزئه الأول (بدءاً من ص 40) والتي ستستمر لأكثر من مائة صفحة قادمة.
لم يكن قرار رحيل الشاعر المغربي إلى بغداد في أواخر سبعينيات القرن العشرين مجرد رغبة عابرة في السفر أو اختياراً دراسياً تقليدياً، بل كان استجابة لنداء داخلي غامض وحاسم. نداء كان يتردد في أعماقه بصوت ملحّ: "انهَضْ، يا صلاح، جُبْ غَيْرِ هذا البَلَدِ، فَأَنْتَ مِنْ هُناكَ تَأْتِي، لَا مِنْ هُنَا". جاء هذا القرار في ذروة مرحلة حرجة من حياته؛ مرحلة كان يجرّ فيها خلفه شقوقاً وتصدعات نفسية وتكوينية عميقة. فقد عاش طفولة ومراهقة مثقلة بالمرارة؛ عانى فيها من بيئة أسرية متفككة، وحرمان عاطفي، وعنف جسدي ولفظي مستمر في البيت من إخوته الكبار وزوجة أبيه، وفي "الكُتّاب" على يد الفقيه الشرس، وحتى في المدرسة. هذا المناخ القمعي تسبب في طرده من التعليم الابتدائي، واضطراره للعمل طفلاً كادحاً في معامل الأحذية بالدار البيضاء، قبل أن يعود إلى التعليم الحر بجهد شاق وتأخر دراسي.
تُوّجت هذه السلسلة من الانكسارات بإخفاقه في نيل شهادة البكالوريا لعامين متتاليين في المغرب، بسبب ضعف تكوينه في بعض المواد الأساسية. هذا الإخفاق ضاعف منسوب الإحباط لديه، وجعله ينظر إلى نفسه كإنسان بلا مستقبل، يهرب مستقبله منه نحو المجهول. من رحم هذا السقوط الذريع، تشكّلت صورة بغداد في خياله كأرض "أسطورية"، فضاء كوني ناءٍ يقع على بعد آلاف الأميال، ليكون البوابة الوحيدة الممكنة للخروج من الطوق الذي أطبق عليه وحجب عنه النجاح وحياة الجامعة التي كانت تبدو له مستحيلة، كـ "أرض الخيال السماوية عند ابن عربي". ومع أنه قضى أربعة أشهر في باريس وبروكسل، إلا أن عينه وقلبه ظلا معلقين ببغداد، تلاحقه تلك الهوية والنداء الذي لا يتركه.
وصل الشاعر إلى العراق دون أن تكون لديه أدنى فكرة واقعية عن طبيعة المعيشة أو شروط التعليم هناك؛ كل ما كان يملكه هو صور متناثرة من التاريخ والأدب والشعر عن عاصمة الخلافة العباسية القديمة. ولم تكن معه سوى بطاقة سفر في اتجاه واحد "ذهاب بلا عودة"، ومبلغ مالي هزيل للغاية لا يتجاوز ثلاثمئة فرنك فرنسي. حطت الطائرة ليلاً في مطار بغداد الدولي، لتستقبله المدينة بوجه مغاير تماماً لخياله الأسطوري. كانت الشوارع فارغة، ومظلمة، والأزقة موحشة، ونار الحرب المستعرة (الحرب العراقية الإيرانية) توشك أن تلتهم الفضاء. في تلك اللحظة، شعر الشاعر بانقباض شنيع وارتباك حاد؛ تخرّبت صورة بغداد الحالمة في رمشة عين، وشعر أنه نزل في بئر بلا قرار، غريقاً وسط أمواج عاتية لا يراه أحد. حاملاً حقيبة ملابسه الثقيلة التي تهاوت معها معنوياته، تهيأ للتمدد على الرصيف لينام تحت وطأة الانهيار النفسي.
وسط هذه العتمة الحالكة، ظهرت "نقطة الضوء الأولى". تقدم منه رجل يرتدي زياً عسكرياً (تبين لاحقاً من صاحب الفندق أنه عنصر مخابرات) وسأله عن بلده وسبب وجوده. وحين علم أنه طالب مغربي جاء متأخراً عن الموسم الدراسي بأربعة أشهر، طمأنه وأخبره بنظام "البكالوريا الحرة" و"امتحان سبر المعلومات" الذي يمكن أن يكسبه عاماً دراسياً ليلتحق بالجامعة مباشرة. في الصباح، حمله الرجل برفقة زملائه بسيارة مدنية إلى وسط بغداد، وأنزله في فندق متهالك مقابل تمثال الشاعر معروف الرصافي، كاتبًا له العناوين الأساسية التي ستحكم مساره: القسم الداخلي للطلبة العرب "17 تموز"، ومقر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بـ "حي المغرب".

دخل الشاعر في بغداد مرحلة قاسية من الكفاح اللوجستي والمادي لضمان البقاء، عيشاً ممتزجاً بالتشريد والاضطراب. كان النُزل الذي أقام فيه بئيساً، جدرانه وأبوابه مهترئة، وسريره من حديد صدئ يصدر صريراً حاداً، والضجيج الخارجي يقتحم غرفته وكأنها مشرعة على الشارع. أمام ضآلة مصاريفه المالية، لجأ الشاعر إلى سياسة تقشف صارمة كادت تلامس حدود الجوع: كان يقتصد في الأكل ليوفر ثمن المبيت، فيكتفي بوجبة واحدة طوال النهار (لبن وقِطعة خبز "صمون") بالكاد تسد رمقه وتجعله متماسكاً لليوم التالي. لذا جرب السير على الأقدامو رفض ركوب الحافلات أو الباصات رغم أن ثمنها كان زهيداً، وكان يقطع المسافات الطويلة جوباً على قدميه. العمل الشاق والنضال العمالي لكي يؤمّن مأكله ومصاريفه اليومية، إذ اشتغل نادلاً وغاسل صحون في مقهى مقر "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب - فيديرالية المشرق العربي". كان يتولى تنظيف المقر صباحاً وترتيب الفوضى التي يتركها الطلبة، ولا يبدأ عمله الفعلي في المقهى إلا بعد انتهاء الدوام الدراسي للثانويات والجامعات. كما كان هناك نصيب من الحياة السرية في القسم الداخلي، إذ لم يكن مسموحاً له نظاماً السكن في القسم الداخلي "17 تموز" بحي المغرب؛ لذا كان الأمر معقداً للغاية في فصل الشتاء. كان عليه تدبر أمره خارجاً، والانتظار حتى منتصف الليل ليتسلل سراً إلى غرف زملائه الطلبة المغاربة بعد مرور لجنة التفتيش الصارمة، ثم المغادرة في السادسة صباحاً تجنباً للعواقب الوخيمة. على الرغم من هذا المأزق الوجودي الحرج وحالة اليأس والتذمر التي كانت تحيط به، بدأت تتشكل ملامح الانفراج الثقافي والإنساني؛ ففي بداية رحلته، قاده البحث عن مقر الاتحاد المغلق إلى لقاء طلبة "اتحاد السودانيين" في نفس الحي، الذين استقبلوه بحفاوة بالغة في مطعمهم، وقدموا له وجبة طعام كضيف، وخففوا عنه إحساسه بالتشتت والضياع، ليدشن من هناك علاقات صداقة وتضامن إنساني عروبي رفيعة.
إذا كانت بغداد قد بخلت على الشاعر في بدايتها بالراحة المادية، فإنها أغدقته برأسمالها الرمزي والمعرفي؛ إذ يذكر الشاعر أن من الأمور العظيمة المتاحة للجميع في العراق آنذاك هي الكتب والمكتبات بأبخس الأثمان، نظراً لما كانت تطبعه مؤسسات الدولة ووزارة الإعلام. لقد تحولت القراءة بالنسبة له إلى "ترياق" حقيقي، ولحظة نسيان مطلقة يغيب فيها عن شقائه. واكتشف في بغداد مكانين مقدسين صارا جزءاً من كينونته اليومية: شارع المتنبي الذي وصفه بأنه "غابة كتب حقيقية" لم يرَ مثلها في أي بلد زاره، وفيه كان يشتري بما يتوفر معه من نقود، الدواوين الشعرية والدراسات والكتب التراثية. ثم شارع أبي نواس وضفة نهر دجلة، فنظراً لعدم امتلاكه نقوداً للجلوس في المقاهي، كانت ضفة النهر المقابلة لتمثال أبي نواس هي فضيلته وملاذه اليومي. هناك، في الفترة الصباحية، كان يختلي بكتبه ومجلاته العراقية التي يقرأها بنهم وشغف من الغلاف إلى الغلاف. في هذا الفضاء المفتوح، عكف على قراءة فحول الشعر العربي: أبي تمام، وأبي نواس، والمعري، والمتنبي، بالتوازي مع الشعر الجديد والمعاصر. كما كانت سير العظماء والشعراء الرازحين تحت وطأة البؤس تخفف عنه؛ فكان يتأمل تمثال الشاعر "معروف الرصافي" الواقف بشموخ في الساحة، ويستحضر سيرته المريرة كعالم وبرلماني انتهت به حياته إلى الفقر والآلام في بغداد، فيبحث في بؤس الرصافي عما يسوّغ به يأسه الشخصي وهو ملقى في المجهول. كان هذا الاعتكاف الثقافي بمثابة "الشرارة الثانية" لترميم وعيه الشعري والنظري الذي بدأ يتشكل قديماً في دور الشباب بالمغرب.
تمثلت العقبة الكبرى في مسار الشاعر ببغداد في كيفية انتزاع الاعتراف الأكاديمي. لم يكن تلميذاً نظامياً، ولم يدخل مدرسة أو يرى أستاذاً، ومع ذلك كان ملزماً بنفس المقررات والبرامج كاملة. سلمته وزارة التعليم العراقية كتب المرحلة (خمسة عشر كتاباً تقريباً في التاريخ، الجغرافيا، الأدب، الاقتصاد، الإحصاء، علم الاجتماع، والثقافة العامة). دخل الشاعر في صراع مرير مع الزمن؛ فما يدرسه الطلاب النظاميون في عامين كاملين، كان عليه أن يستوعبه وينجح فيه خلال أربعة أشهر أو أقل. كان يقضي الليل ساهراً يصارع الكلمات والمعضلات العلمية التي استغلق الكثير منها عليه، فاضطر للاستنجاد ببعض زملائه الطلبة لحل ما استعصى. بعد شهر واحد من القراءة المحمومة، مثل الشاعر أمام "لجنة المفتشين العامين" بمقر الوزارة لاجتياز اختبار "سبر المعلومات" (الذي يتوقف إجراء امتحان البكالوريا الحرة عليه، وبشرط الحصول على تزكية من الاتحاد الوطني لطلبة المغرب). وصف الشاعر هذه اللجّنة بـ "لجنة من الشيوخ" اتسمت بالوقار الشديد، والصرامة، والتجهم، والحياد المطلق البارد. استمر الامتحان الشفوي والكتابي لمدة ساعتين كاملتين وسط رعب داخلي هائل؛ كانوا يدققون في أساسيات التكوين: في اللغة، والنحو، والعروض، والبلاغة، ويضيقون الأسئلة لمنع أي مساحة للمراوغة أو الحشو والأجوبة العامة العائمة. تنقّل الشاعر من مفتش إلى آخر وهو ينزف معلوماته، حتى انتهى الامتحان بسؤاله عن المغرب، وثقافته، وأسباب إخفائه في بلده، ولماذا اختار العراق تحديداً. خرج الشاعر من الهيئة وهو عاجز عن تحديد ما إذا كانت اللجنة راضية عنه أم ساخطة.
جاءت اللحظة الملحمية التي غيرت مجرى حياة الشاعر بالكامل وهدمت جدار الفشل الذريع الذي حاصره طويلاً؛ ظهرت قوافل النتائج، ليرى اسمه فِي رَأْسِ قَائِمَةِ النَّاجِحِينَ بين الممتحِنين العرب وغير العرب. كانت هذه اللحظة، كما صاغها الشاعر بعبارات وجدانية مؤثرة: "هي ولادتي الأولى، هي أنا، وأنا أنتصر على هزائمي وإخفاقاتي، وأرى الشمس بغير ما كانت تبدو لي به من إشراق". شعر بفخر واعتزاز كبيرين، واستعاد ثقته المهدورة في نفسه، وامتلأ بحماس عظيم للمستقبل وللامتحانات التالية، إذ استلم بعدها ضعف الكتب السابقة للمقرر النهائي للبكالوريا. تحولت هذه النشوة والفرح الغامر، في غفلة منه، إلى بكاء مرير، وانهمرت الدموع من عينيه كمطر مباغت وهو يجلس على كرسيه المقابل لتمثال أبي نواس على نهر دجلة. ولم يجد مكاناً يذهب إليه ليشارك العالم فرحته سوى الشارع؛ ظل يجوب الأزقة والحواري طوال النهار دون طعام، حتى وجد نفسه في "شارع المتنبي" يمشى بين الكتب والناس، وكأنه جاء خصيصاً ليشكر الكتب على الصداقة والمعروف الذي أسدته له، ويسرّ لها بنجاحه الأول في حياته.
تكشف تجربة صلاح في بغداد عن مسار تحوّل متدرج، تشابكت فيه المعاناة المعيشية مع التكوين المعرفي والنجاح الأكاديمي. فعلى المستوى المادي، عاش الشاعر ضيقًا شديدًا اضطره إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يوميًا وقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، وهو ما أكسبه قدرة استثنائية على الصبر وتحمل الشدائد والاعتماد على النفس. أما على مستوى السكن والإقامة، فقد تنقّل بين نُزل متواضعة، واضطر أحيانًا إلى التسلل سرًا إلى القسم الداخلي للطلبة، غير أن هذه الظروف القاسية أسهمت في بناء شبكة من العلاقات الإنسانية القائمة على التضامن والصداقة، خصوصًا مع الطلبة المغاربة والعرب. وفي المجال الثقافي، انتقل من قراءة مشتتة تفرضها ظروف القلق والاضطراب إلى انخراط عميق ومنهجي في عالم الكتب، حيث شكّل شارع المتنبي وضفاف دجلة فضاءً يوميًا لصقل وعيه الشعري والمعرفي. أما التحدي الأكبر فتمثل في معركته الأكاديمية؛ إذ استطاع أن يستوعب مقررات دراسية كثيفة خلال أشهر قليلة، ويجتاز امتحان «سبر المعلومات» أمام لجنة صارمة، لينتهي به الأمر إلى تحقيق تفوق لافت مثّل بالنسبة إليه لحظة ميلاد جديدة وانتصارًا حاسمًا على إخفاقات الماضي.
إن المرحلة التي عاشها الشاعر صلاح في بغداد لم تكن مجرد تجربة اغتراب دراسية، بل كانت "الرّجّة" النفسية والمعرفية الكبرى التي أخرجته من حياة سوداء معتمة وأدخلته في أخرى مضيئة. في بغداد، ومن لحظة تفوقه أمام المفتشين الصارمين، تخلّص الشاعر تدريجياً من عقد الخجل والانزواء والتوحد التي كانت وسيلته لإخفاء عجزه الأكاديمي القديم في المغرب. اكتسب الشاعر "سلطته من نفسه"، وصنع المسافة الوجدانية بينه وبين ماضيه الأسري والاجتماعي الثقيل. وفّى بوعده لوالده، ورفع رأسه عالياً بين الجيران، وتحول من طالب مطرود ميؤوس منه يتندر إخوته بفشله، إلى نموذج يُضرب به المثل في النجاح والتفوق. لقد كانت بغداد، بحق، "بيت كينونته" والمشتل الحقيقي الذي رمم انكسارات الماضي، ومنحه الجرأة والجسارة المعرفية ليعود لاحقاً إلى المغرب، لا كشخص فارغ من الشهادات، بل كمثقف وصحفي وشاعر راسخ الخطى، يمتلك رؤية واضحة لذاته وللعالم من حوله.







التعليقات