انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المعلقات السبع ومروية تعليقها على أستار الكعبة

عبد القادر صيد
عبد القادر صيد

ناقد وأديب جزائري

7 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
المعلقات السبع ومروية تعليقها على أستار الكعبة
مشاركة:

ثمة سرديات في تراث كل أمة تتجاوز كونها أخبارا تاريخية، لتتحول إلى ما يمكن تسميته بـ«السرديات المؤسسة»، وهي تواترات تنسج للوجدان الجمعي صورة عن ذاته، وتعيد إنتاج علاقته بماضيه على نحو رمزي مفعم بالبطولة والفحر. ومن هذه السرديات في تراثنا العربي ما يعرف بتعليق المعلقات السبع على أستار الكعبة، مكتوبة بماء الذهب على القباطي المدرجة، تعظيما لها وتمجيدا لأصحابها.
لن نعالج سؤالا بسيطا: «هل وقع التعليق فعلا؟»، بل نحاول ببساطة شديدة طرح السؤال الأعمق: «كيف تشكلت هذه السردية؟ متى ظهرت؟ على أي منطق خفي تستند؟». فالمسألة في النهاية ليست مسألة إثبات أو نفي، بل مسألة فهم لآليات تشكل الذاكرة الأدبية العربية، ولكيفية تحول التسميات إلى وقائع، والمجازات إلى تواريخ.
إننا أمام أربعة تساؤلات هي (متى ظهرت السردية؟)، و(من تداولها وعلى أي نحو؟)، و(ما المعنى الأصلي للتسمية؟)، و (كيف تساءل بأدوات النقد؟). إن أول ما يستوقف العقل في هذه القضية هو الفجوة الزمنية الهائلة بين الحدث محل النقاش وأول تسجيل مكتوب عنه. فالحدث جاهلي، أي من منتصف القرن الخامس ميلادي حتى 610 تقريبا. أما أول ذكر صريح للتعليق المادي على الكعبة، فلا يرد إلا في «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت٣٢٨هـ/٩٤٠م)، أي بعد الحدث المفترض بنحو ثلاثة قرون كاملة، وفي موقع جغرافي يبعد آلاف الأميال عن مكان وقوعه.
ما معنى هذه الفجوة؟ في النقد التاريخي، تعد المسافة الزمنية بين الحدث وتسجيله مؤشرا جوهريا على درجة موثوقية الرواية. والقاعدة الإجرائية العامة هي أنه كلما طال الزمن بين الحدث وتدوينه، ازداد احتمال تدخل عناصر التحوير والإضافة والإسقاط، وضعف احتمال نقل الحدث على ما كان عليه. وثلاثة قرون ليست فجوة عادية، بل فجوة كافية لتحويل الذاكرة كاملة، وإعادة تشكيلها وفق حاجات الحاضر الذي يتذكر.
ويضاف إلى الفجوة الزمنية عامل جغرافي مهم هو ظهور السردية في الأندلس قبل أن تظهر ـ بهذه الصيغة المكتوبة الصريحة ـ في الحجاز ذاته، حيث الحدث محل النقاش. هذا التوزيع غير المتوقع للسردية يدعم فرضية بديلة، وهي أنها لم تنشأ من شهادة مباشرة، بل من إعادة بناء ثقافي متأخرة، نسجت في الأطراف وانتشرت إلى أن وصلت إلى المركز.
كما أن ثمة مفهوما أساسيا، هو مفهوم «الأرشيف» ـ بمعناه الذي طوره ميشيل فوكو ـ أي مجموعة الخطابات الممكنة في مرحلة معرفية محددة، وما يجوز أن يقال فيها وما لا يجوز. وحين نستجوب أرشيف الأدب العربي في القرنين الثاني والثالث الهجريين، نجد فيه فراغا دلاليا مدهشا حول هذه القضية.
فالجاحظ (ت٢٥٥هـ)، صاحب «البيان والتبيين»، الذي لم يترك جانبا من جوانب الثقافة العربية إلا وتناوله بالتحليل والاستقراء، يصمت عن حادثة التعليق صمتا تاما. والمبرد (ت٢٨٥هـ) في «الكامل»، الذي يستوعب أخبار العرب وأشعارها استيعابا موسوعيا، لا يذكرها. وأبو الفرج الأصفهاني (ت٣٥٦هـ) في «الأغاني»، الموسوعة الكبرى المرجعية لأخبار الشعراء العرب، يتجاهلها كأنها لم تكن، على الرغم من انه أورد المهم والحقير في كتابه.
هذا الصمت ليس صمتا عرضيا؛ إنه صمت بنيوي. ولفهمه لا بد من استحضار مبدأ منهجي مركزي وهو أنه حين يسكت الأرشيف المعرفي الكلي لمرحلة ما عن حدث يفترض أنه كان عظيما وبارزا ومعروفا في تلك المرحلة، فإن هذا الصمت يشكل دليلا نافيا بقوة تفوق قوة أي شهادة مثبتة متأخرة. فالصمت هنا ليس غيابا للمعرفة، بل حضورا للنفي.
ولا يجب أن ننسى أن وثيقة واحدة في مقاطعة التعامل مع بني هاشم وبني المطلب ذكرها التاريخ والأدب وكل المراجع، ولم تهمل حتى تفاصيلها الدقيقة، كما ذكرت مسألة أكل الأرضة لها.
ومن المفارقات اللافتة أن شارحي المعلقات نفسيهما ـ الزوزني (ت٤٨٦هـ) والتبريزي (ت٥٠٢هـ) ـ لم يستعملا في شرحيهما لفظ «المعلقات»، واكتفيا بـ«السبع الطوال» و«القصائد العشر». أي مفارقة منهجية أبلغ من أن يجهل شارح القصيدة السبب الذي به سميت قصيدته؟ أو أن يعرفه ولا يستعمله؟ كلا الاحتمالين يضعفان السردية الرائجة إضعافا جوهريا.
ومنطقيا يعد التناقض الداخلي في مروية علامة قاطعة على عدم اتساقها مع الواقع الذي تدعيه. فإذا اختلف الناس في عدد المعلقات التي يفترض أنها كانت معروضة للنظر العام، فإن هذا الاختلاف يقدح في أصل ادعاء التعليق على أستار الكعبة.
والمسلم به في تاريخ المعلقات أن الاختلاف على عددها كان واسعا منذ البدايات، فحماد الراوية يختار سبعة، وأبو زيد القرشي يخالفه في اسمين، والنحاس يشرح تسعا، والتبريزي يبلغ بها عشرا. هذا التفاوت لا يمكن تفسيره منطقيا في إطار فرضية التعليق المادي. فالأشياء المعلقة في فضاء عام يزوره عشرات الآلاف الحجاج سنويا لا تقبل هذا النوع من الاختلاف، فإن المشاهدة الجماعية تقطع التنازع، والعيان المباشر يسقط الخلاف.
ما يمكن قبوله منطقيا، بدلا من ذلك، هو فرضية أخرى، وهي أن القصائد لم تكن معلقة أصلا بمعناها المادي، وإنما اختارها رواة مختلفون على معايير ذوقية متفاوتة، فاختلفت اختياراتهم تبعا لذلك. الاختلاف هنا ليس انحرافا عن قاعدة المشاهدة، بل هو الحالة الطبيعية للاختيار الذوقي في غياب أي مرجعية مادية محددة.
إن القضية كلها تتمحور حول شخصية مروجة للمروية محل النقاش، وهي حماد الراوية (ت١٥٥هـ). ولفهم دوره لا بد من تجاوز الحكم الأخلاقي المباشر (صادق أو كاذب) إلى التحليل. فحماد لم يكن ناقلا محايدا للأخبار، بل كان فاعلا ثقافيا نشطا؛ يجمع، ويختار، ويرتب، ويصنف، ويسمي، ويروج. هو بلغة النقد، «وسيط ثقافي» بامتياز، يمارس سلطته المعرفية في تشكيل القانون الأدبي الذي ستتلقاه الأجيال اللاحقة بوصفه معطى جاهزا غير قابل للشك.
وقد ذهب الكثير من الثقاة إلى عدم ائتمان حماد على الرواية، فقد قال فيه أحمد بن حنبل: «صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدا يحدث عنه»، وقال الدارقطني: «متروك»، ورماه ابن الجوزي بالكذب. هذه الأحكام، بصرف النظر عن قسوتها الأخلاقية، تشير إلى أن حمادا كان يعمل خارج بروتوكولات التوثيق الصارمة التي وضعها الرواة الأثبات وأنه كان ينتمي إلى نمط آخر من إنتاج المعرفة هو نمط الأديب الراوي الذي يخلط بين النقل والإبداع، وبين التسجيل والتحرير، و يضعه في خانة نديم الخلفاء والأمراء الذي يجب أن يشغل ليله بأكبر عدد من المرويات.
بهذا النمط، يصبح من المعقول جدا أن يختار حماد قصائد سبعا ويسميها «المعلقات» بمعنى مجازي ـ أي القصائد النفيسة الجديرة بأن تعلق في الأذهان، كما تعلق القلائد في النحور ـ ثم تأتي الأجيال اللاحقة فتحمل المجاز على ظاهره، وتنسج له قصة مادية تفسره. هذا تحديدا ما اقترحه المستشرق الألماني نولدكه في القرن التاسع عشر، وما يتسق مع شواهد كثيرة في تاريخ تكون الأساطير الأدبية في الثقافات الإنسانية عامة. هذا طبعا غذا سلمنا جدلا أن المروية صدرت فعلا من حماد.
إن ما يجري في تاريخ هذه السردية هو نمط دلالي معروف في علم اللسانيات التاريخي ودراسات تطور اللغة وهو تحول المجاز إلى حقيقة عبر الزمن. اللفظ ينشأ في الأصل بمعنى مجازي شفاف، يفهمه أهل اللغة في عصره فهما تلقائيا، ثم يطول الزمن، وينسى المتأخرون السياق الذي ولد فيه المجاز، فيتعاملون مع اللفظ بوصفه إشارة حرفية، فيخترعون له قصة مادية تفسر معناه الجديد.
ولفظ «المعلقات» نموذج تطبيقي ممتاز لهذه الحركة الدلالية. فاللفظ في الأصل يحمل دلالة تشريفية مجازية تريد القول بأنها قصائد معلقة في الأذهان، أو قلائد تتداول كالحلي النفيسة (ولذا سميت أيضا «السموط» أي القلائد). ومن أسمائها كذلك «المذهبات» و«السبع الطوال» ـ وكلها أسماء مدح وتشريف لا أسماء وصف مادي بحادثة بعينها.
لكن هذا المعنى المجازي يتآكل عبر القرون، حتى يأتي ابن عبد ربه في القرن الرابع الهجري ـ في الأندلس البعيدة ـ فينقل عن مصادر مجهولة قصة مادية تزعم أن القصائد كتبت بماء الذهب وعلقت فعلا على أستار الكعبة. وفي هذه اللحظة بالضبط، تكتمل دورة التحول الدلالي، وهو أن المجاز يصير حقيقة، والاستعارة تصير حدثا تاريخيا، والتعبير البلاغي يصير سردية مؤسسة.
كما أن ابن الكلبي الإخباري والنسابة (الكتوفي سنة204 ه) ذكر مسألة تعليق القصائد الطوال، ويكفينا الرد عليه ما جاء من حديث عن حماد وابن عبد ربه.
إن النتيجة التي ننتهي إليها بعجالة ليست انتقاصا من قيمة المعلقات السبع، وكيف يكون هذا وهي قمة من قمم الشعر العربي الكلاسيكي، شهد لها التاريخ بخمسة عشر قرنا من النقد والتلقي؟ وإنما هي نتيجة منهجية تتعلق بإحدى السرديات الملتصقة بها، لا بقيمتها الجمالية في ذاتها. فالقصيدة العظيمة لا تستمد عظمتها من المكان الذي علقت فيه، بل مما تحمله في داخلها من بلاغة وعمق وكثافة شعرية.
ومن هنا، فإن هذه الدردشة ليست انتقاصا للمعلقات، وإنما تنقيتها من السرديات المؤسسة المتأخرة التي التصقت بها فحجبت قيمتها الحقيقية بقيمة رمزية متوهمة. حين ننزع عن المعلقات أسطورة ماء الذهب وأستار الكعبة، فإننا لا ننزع عنها شيئا من قيمتها الفنية الحقيقية، بل نعيد توجيه الانتباه إلى ما يستحق الانتباه فعلا: النص الشعري نفسه، ببنيته الإيقاعية، ودلالاته العميقة، وتجربته الإنسانية الكثيفة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي
قراءات

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي

قد لا يكون من الدقّة إطلاق وصف المجموعة القصصية على كتاب علي السباعي "بنات الخائبات"، الذي يضم قصتين قصيرتين فقط، لكن قلّة النصوص لا تعني بالضرورة محدودية التجربة أو انغلاق دلالاتها. فالقصتان "فرائس بثياب الفرح" و"سيوف خشبية" تتجاوزان حدود الحكاية المنفردة، لتشكّلا معًا نسيجًا سرديًا متجانسًا،…

· 15 د
ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها

 "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.
قراءات

ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.

بقلم: ذ. الحسن التزكيني. إن المتمعن في ديوان الشاعر لحسن أيت بها يجد نفسه أمام مقطوعة موسيقية تتداخل ألحانها بين نغمة الألم ونغمة الأمل، فلم يكن الشاعر ليرسم ملامح لوحاته الشعرية هاته، ويسلك فيها مسلك كبار الشعراء، ويختار لها الأسلوب واللغة المثاليين لولا تشربه من معين الشعر عموده ومكسوره، لأن…

· 4 د
هادي مسير الربيعي..

 حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر
قراءات

هادي مسير الربيعي.. حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر

إسماعيل نوري الربيعي يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر،…

· 6 د