لم تكن الكتابة في اليمن القديم مقتصرة على النقوش التي حُفرت على واجهات المعابد والصخور والسدود الضخمة، فقد عرف اليمنيون نظامًا آخر للكتابة على العصي الخشبية وسيقان سعف النخيل، بخط صغير ومتصل يُعرف بالزبور. وقد كشفت هذه النصوص عن جانب واسع من الحياة اليومية، بما فيها المراسلات والديون والتجارة والعقود والتعاملات بين الأفراد. وتساعدنا دراسة المستشرق الألماني د. بيتر شتاين، الباحث في جامعة يينا، على فهم هذه الكتابة وعلاقتها بخط المسند، وكذلك طبيعة اللغات التي استخدمتها المجتمعات اليمنية قبل الإسلام.
في دراسته المعنونة «العربية الجنوبية القديمة» ، المنشورة ضمن مرجع أكاديمي متخصص في اللغات السامية، قدم شتاين عرضًا لغويًا وتاريخيًا لأربع لغات رئيسية عرفها جنوب الجزيرة العربية، هي السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية. واعتمد على النقوش الحجرية والنصوص الخشبية، وقارن بين خصائصها الصوتية والنحوية وتطورها عبر القرون. وتكتسب الدراسة أهميتها من أنها لا تتعامل مع الكتابة اليمنية القديمة باعتبارها لغة واحدة، ولذلك درس الفروق بين لغاتها ولهجاتها، ووضح ما أضافته اكتشافات الزبور إلى المعرفة السابقة.
يشير شتاين إلى أن اللغات العربية الجنوبية القديمة استُخدمت منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد على الأقل، واستمر توثيقها حتى القرن السادس الميلادي. وقد انتشرت في مناطق واسعة من اليمن الحالي، ووصلت بعض النقوش المعينية إلى شمال الجزيرة العربية ومصر، وتم العُثور على نقوش مرتبطة بالتجار الجنوبيين في جزيرة ديلوس اليونانية. وتدل هذه الشواهد على اتساع العلاقات التجارية والثقافية، كما تؤكد أن تاريخ الكتابة اليمنية لا يمكن أن نعزله عن حركة الناس والبضائع بين مناطق الجزيرة العربية وخارجها.
كانت النقوش المكتوبة بخط المسند المصدر الأساسي لمعرفة هذه اللغات. ويذكر شتاين أن أكثر من عشرة آلاف نقش حجري وتذكاري كانت قد نُشرت عند إعداد دراسته، لكن معظمها نصوص قصيرة أو أسماء أشخاص. أما النصوص الأطول والأكثر فائدة للتحليل اللغوي، فكان عددها أقل من ثلاثة آلاف، منها نحو ألف وخمسمائة نقش إهدائي وثمانمائة نقش يتعلق بالبناء. وتضم هذه النقوش أخبارًا عن الملوك والحروب والمنشآت المائية والقرابين والأنشطة الدينية، لكنها لا تقدم صورة متوازنة عن مختلف جوانب الحياة.
هنا تظهر أهمية الزبور. فقد استُخدمت العصي الخشبية وسيقان سعف النخيل لتسجيل معاملات لا تحتاج إلى نقش تذكاري دائم وضخم. وكان الكاتب يستطيع تدوين رسالة أو اتفاق أو حساب على قطعة خشبية صغيرة يسهل حملها وتداولها. ويشرح شتاين أن هذا النوع من الكتابة تطور من الأشكال القديمة للمسند، لكنه اكتسب بمرور الزمن هيئة مختلفة بسبب طبيعة المادة المستخدمة وسرعة الكتابة. وأصبحت بعض الحروف في المراحل المتأخرة بعيدة في شكلها عن نظائرها في النقوش الحجرية، حتى أصبح يصعب على غير المتخصص إدراك الصلة بين الخطين.
ومن المهم هنا التمييز بين الخط واللغة. فالزبور ليس لغة أخرى مستقلة عن السبئية أو المعينية، لكن الأصح أن نقول إنه طريقة مختلفة لكتابة هذه اللغات. وقد أدى هذا الاختلاف إلى ظهور أشكال كتابية مرنة، مع بقاء البنية اللغوية الأساسية. ولذلك فإن المقارنة بين النصوص الحجرية والخشبية لا تكشف تاريخ تطور الحروف وحدها، بل تساعدنا على معرفة وفهم جد للفروق بين أساليب الكتابة الرسمية والمراسلات اليومية.
ويشير شتاين إلى أن نحو 240 نصًا خشبيًا كانت منشورة وقت إعداد دراسته، منها مجموعة تضم 205 نصوص سبئية من المرحلتين الوسطى والمتأخرة، تناولها في كتابه الصادر سنة 2010 عن النقوش المكتوبة على العصي الخشبية المحفوظة في مكتبة ولاية بافاريا بميونيخ. وتضمنت هذه النصوص وثائق قانونية وتعليمات وتسويات مالية ومراسلات تجارية وشخصية وتمارين كتابية وملاحظات متصلة بالممارسات الدينية البسيطة.
ومن النماذج المهمة، سنجد رسالة يشير فيها المرسل إلى وصول خطاب سابق، ويعبّر عن سروره به، ثم يتحدث عن إبلاغ الأقارب بالأخبار ويطلب استمرار المراسلة. مثل هذه التفاصيل نادرًا ما تظهر في النقوش الملكية أو الإهدائية. وتسمح لنا بفهم طبيعة التواصل بين الأفراد، وتكشف أن الرسالة كانت تؤدي وظيفة اجتماعية إلى جانب وظيفتها العملية.
وتتضمن النصوص كذلك معاملات مالية محدودة. ففي إحدى الوثائق مثلاً، يرد ذكر أربع وخمسين قطعة نقدية جرى تحويلها ودفعها من شخص إلى آخر. وتعرض نصوص أخرى شروطًا تتعلق بتسديد المستحقات وفرض الفوائد أو الغرامات عند التأخر. وكل هذه الأمثلة تعتبر مهمة لأنها تقدم شواهد مباشرة على استخدام الكتابة في تثبيت الالتزامات، وتحديد الحقوق، وتنظيم المعاملات. ومع ذلك، لا ينبغي أن نستنتج منها أن جميع السكان كانوا يعرفون القراءة والكتابة، حيث لا تزال معرفتنا محدودة بمن كانوا يكتبون هذه الوثائق وبمدى انتشار مهارات الكتابة بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وتكشف تمارين الكتابة جانبًا آخر من هذا العالم. فوجود نصوص تدريبية يعني أن تعلم الحروف وفنون الكتابة كان جزءًا من نشاط بعض الأفراد. ومن المحتمل أن إعداد الكتبة احتاج إلى تدريب عملي على أشكال الحروف وصياغة الوثائق. لكن الدراسة لم تتمكن من الوصول إلى أدلة كافية تسمح بوصف نظام المدارس أو تحديد طبيعة التعليم وانتشاره.
أما الإضافة اللغوية الكبرى للزبور، فتظهر في صيغ المخاطبة والأمر والضمائر. فالنقوش الرسمية تتحدث غالبًا عن شخص أو جماعة بصيغة الغائب، بينما احتاجت هذه الرسائل إلى استخدام المتكلم والمخاطب. ولهذا ساعدت النصوص الخشبية على استكمال جوانب من نظام الضمائر وتصريف الأفعال، وهذه النقطة كانت ناقصة في الدراسات السابقة.
ومن الأمثلة التي يناقشها شتاين صيغ الأمر التي لم تكن معروفة بصورة كافية قبل دراسة الرسائل الخشبية. ففي إحدى الرسائل يظهر أمر مباشر بمعنى «اكتبوا»، وفي أخرى يطلب المرسل من مخاطبه إرسال شيء أو القيام بعمل محدد.
إذن فإن هذه العبارات توفرت مادة مهمة لفهم العلاقة بين الصيغة النحوية والوظيفة التي تؤديها في الكلام.
كما تكشف المقارنة بين الخطين عن تغيرات صوتية. وقد لاحظ شتاين أن بعض الحروف التي ظلّت متميزة في النقوش الرسمية أصبحت تتبادل مواقعها في الكتابة الخشبية، وهو ما قد يشير إلى اندماج أصوات معينة في النطق. ومن أبرز الأمثلة استعمال حرف الضاد في مواضع كان يُنتظر فيها حرف الظاء في النصوص السبئية المتأخرة المكتوبة بالخط الصغير. وهذه الظاهرة تسمح للباحث باقتراح تغير في اللغة المنطوقة، لكنها قد لا تعني أن كل اختلاف كتابي يمثل بالضرورة تحولًا صوتيًا.
وتتسع هذه الدراسة لتناول التنوع اللغوي داخل اليمن القديم. فالسبئية نفسها لم تبقَ على صورة واحدة، ويؤكد الباحث بأنها مرت بمراحل مبكرة ووسطى ومتأخرة، وعرفت اختلافات إقليمية بين الشمال والوسط والجنوب. ويتوقف شتاين عند اللهجة الأميرية، التي كانت مستخدمة في منطقة الجوف، ويكتب ملاحظات على خصائصها وقربها من بعض البنى اللغوية في شمال الجزيرة العربية. ومن بينها استعمال أداة نفي تشبه «لم» العربية، وبعض الاختلافات في الضمائر وتصريف الأفعال.
وتثير هذه الظواهر أسئلة مهمة عن العلاقات القديمة بين المجتمعات اليمنية ومناطق شمال الجزيرة. لكنها لا تسمح بالقول إن العربية الفصحى نشأت مباشرة من السبئية، أو إن جميع اللغات اليمنية القديمة كانت مجرد لهجات عربية. فشتاين يتعامل مع السبئية والمعينية والقتبانية والحضرمية بأنها لغات سامية متمايزة، رغم اشتراكها في نظام كتابي واحد ووجود صلات لغوية بينها.
ومن القضايا التي تستحق الانتباه أيضًا العلاقة بين السبئية المتأخرة وما سماه العلماء المسلمون في القرون الوسطى «الحميرية». ويشير شتاين إلى وجود خلاف علمي حول طبيعة هذه اللغة، فبعض الباحثين يعدّها لغة مختلفة عن العربية الجنوبية القديمة، بينما يرى آخرون، ومنهم شتاين، احتمال اتصالها بالتطور المتأخر للسبئية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند قراءة ما نقله الهمداني عن لغات اليمن ولهجاتها، كونها تضع شهادته ضمن نقاش لغوي وتاريخي أوسع.
وتقدم الدراسة أيضًا ملاحظة منهجية مهمة تتعلق بحدود معرفتنا. فالنصوص التي وصلت إلينا لا تمثل بالضرورة كل ما كتبه اليمنيون القدماء. فلقد ساعدت الظروف البيئية على بقاء بعض المواد العضوية، بينما فُقدت وثائق أخرى كثيرة بفعل الرطوبة والتلف والتحولات التاريخية. ولذلك فإن غياب نوع معين من النصوص لا يكفي لإثبات أنه لم يكن موجودًا.
وينطبق هذا على الأدب القديم. فلا تقدم مجموعات الزبور المنشورة التي يناقشها شتاين أرشيفًا واضحًا للشعر والملاحم والحكايات الأدبية، لكن هذا الغياب لا يثبت أن اليمنيين لم يعرفوا هذه الأشكال. وربما كان للأدب تداول شفهي أو مواد كتابية لم تصل إلينا. ولا يمكن تحويل هذه الاحتمالات إلى حقائق دون العثور على شواهد جديدة ودون بحث معمق.
وتبرز قيمة عمل شتاين في دقته عند المقارنة بين اللغات الأربع، وفي تمييزه بين ما تؤكده النقوش وما يزال موضوعًا للخلاف. فهو لا يكتفي بتقديم أشكال الحروف أو ترجمة النصوص، بل يدرس الضمائر والأفعال والأسماء وأدوات الربط والنفي وترتيب الكلمات، واستخدام الاختلافات بين النصوص لإعادة بناء بعض جوانب النحو والنطق.

وتبقى هناك حدود لهذه الدراسة، فهي في أساسها بحث لغوي متخصص، وليست تاريخًا اجتماعيًا شاملًا لليمن القديم. كما أن وفرة المادة السبئية مقارنة بالمعينية والقتبانية والحضرمية تجعل معرفتنا بهذه اللغات غير متساوية. وقد نُشرت منذ إعدادها دراسات ونصوص أخرى تستدعي متابعة البحث وتحديث بعض النتائج.
تساعدنا قراءة بيتر شتاين على إدراك أن الكتابة اليمنية القديمة كانت أوسع من النقوش الحجرية المعروفة. فقد استخدمها الناس لتسجيل الديون وإرسال التعليمات وتوثيق الاتفاقات وتبادل الأخبار، إلى جانب استخدامها في المعابد والعمارة والأنشطة السياسية. ومن خلال الزبور نقترب من جانب لا يظهر كثيرًا في النقوش الرسمية والضخمة، ونفهم كيف أسهمت الكتابة في تنظيم العلاقات اليومية.
ولعل أهم ما نستخلصه من هذه الدراسة أن تاريخ اليمن القديم لا يجب أن يُقرأ من أخبار الملوك والحروب والمنشآت وحدها، ولكن مثل الرسائل الصغيرة والوثائق التي تركها أفراد لا نعرف عن حياتهم إلا القليل يمكنها أن تقدم جوانب أخرى مهمة. وما تزال هذه النصوص الخشبية بحاجة إلى مزيد من التحقيق والترجمة والدراسة، لأنها تحمل واد ثمينة لفهم تاريخ اللغة والمجتمع في اليمن قبل الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Ancient South Arabian Inscriptions in the Minuscule Script on Wood (Zabūr): A New Type of Document in Pre-Islamic Epigraphy
German orientalist Dr. Peter Stein – University of Jena







التعليقات