انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

السخرية الغاضبة ومرثية الوطن المفقود في رواية "مذكرات كلب عراقي" لعبد الهادي سعدون

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

13 دقائق للقراءة
40 مشاهدة1 تعليق
السخرية الغاضبة ومرثية الوطن المفقود في رواية "مذكرات كلب عراقي" لعبد الهادي سعدون
مشاركة:

تأخذنا رواية عبد الهادي سعدون "مذكرات كلب عراقي" إلى الأدب الساخر، أو الأدب السوداوي، كما يبدو ذلك من العنوان والمتن الحكائي، لكن الفكرة الأساسية تقودنا إلى أن الرواية تأخذ قارئها إلى الأدب الساخر من نافذة الأدب الغاضب. فكلّ ما حول الرواية وداخلها يقود إلى حالةٍ من التباين بين الغضب والتيه معًا، وبين المأساة والتفكير، والعجز والاندفاع. فهذه الرواية تنبني على أساسيات تتقاطع فيها عوالم مرارة المنفى، وقسوة الواقع السياسي مع الحنين الجارف إلى المكان الأول (بغداد ودجلة). وهذا لا يعني أنها تكتب تاريخ البشر من منظورٍ خاص، بل تعيد كتابة التاريخ العراقي الحديث من زاويةٍ أصفى وأكثر ألمًا، زاوية الكائن الحي الذي يشهد تحوّلات البلاد والحروب والاعتقالات والخراب، وحتى التشرّد والبحث عن الحرية. لذا، أخذ الكاتب هذا الغضب إلى السخرية، وجرّ السخرية إلى الغضب، ونجح في بناء معالجة سردية ذات لغة مفعمة بالشعرية والأسى. فالبطل، كما يشير العنوان، هو "الكلب/الراوي"، الذي جعله الكاتب فيلسوفًا يراقب بصمت ويتأمل عبثية الصراعات البشرية، مستلهمًا تقاليد أدبية عريقة، مثل رواية "حوار كلبين" لثربانتس، ليقدّم شهادة أدبية لا تشبه سواها على قسوة الدكتاتوريات وفجائع الحروب.

العنوان وتشكيل الرؤية

يشكّل العنوان مفتاحًا تأويليًا رئيسيًا وعتبة دلالية عميقة تحدّد ملامح "مدينة الرواية" وعالمها السردي. فهو بوابة كبرى، والضوء الذي يسير فيه المتلقّي/القارئ في دروبها ليكتشف ما كان مخفيًا في هذه المدينة الفكرية/الحكائية. ويمكن تناول العنوان من جهات عدة:

أولًا: باب المدينة بوصفه مرآة عاكسة للواقع:

على الرغم من أن العنوان يحمل تناقضًا ظاهريًا وصدمةً معرفية، ناتجين من مفردة "مذكّرات"، التي تقترن بالإنسان وكتابة السيرة الذاتية وتوثيق لحظات الوعي والتاريخ، في حين تلتصق كلمة "كلب" بالهامش والنسيان والتحوّل الحيواني، فإن هذا المزج يعلن منذ البداية أن "مدينة الرواية" ليست مدينةً مثالية، بل فضاءٌ يعاني فيه الإنسان التهميش والقهر، إلى درجة يصبح فيها الكائن الحيواني الشاهد الأمين والراوي الأكثر صدقًا لما يرتكبه البشر من فظائع.

ثانيًا: مدينة الرواية بوصفها فضاءً مقهورًا وحياة كلبية:

يحيل العنوان، من خلال كلمة "عراقي"، إلى جغرافيةٍ محدّدةٍ ومحتقنةٍ بالحروب والدكتاتوريات والمذابح والسجون. لذا، تتنقّل البوّابة بين أزقّة بغداد وخرائط المنفى والصحراء، لتقدّمها الرواية بوصفها مساحةً فقدت آدميتها، حيث تصبح "الحياة الكلبية" استعارةً ساخرةً ومريرةً لوصف واقع المواطن الذي يجد نفسه مجرّدًا من حقوقه الأساسية، متحوّلًا إلى ضحية في جحيم صنعه الجلادون أنفسهم.

ثالثًا: عين المكان ومنظور السرد:

جعل الكاتب من الكلب راويًا محوريًا، وهو ما يمنح مدينة الرواية بُعدًا نقديًا ساخرًا وغاضبًا. فمن خلال تنقّلاته بين البيوت والشوارع والمعتقلات والحدود، تُكشف خبايا المجتمع العراقي وتحوّلات البلاد السياسية والاجتماعية بعينٍ محايدة، بريئة ظاهريًا، لكنها تنفذ إلى طبقات الوجع العميق والخراب الروحي والمكاني.

بمعنى أن العنوان لا يقتصر على كونه توصيفًا لحكاية حيوان، بل هو بوابة كبرى لدخول عالم روائي مليء بالأسى والسخرية السوداء، يختزل مأساة وطن بأكمله ضاع بين طغيان الداخل وقسوة المنفى.

الحكاية وراية الصراع

تنهض الحكاية هنا بوصفها الراية الكبرى التي تكشف للقارئ عوالم الرواية وصراعاتها، إذ تدور على لسان كلبٍ عراقي يُدعى "ليدر". ومن خلال هذا الراوي غير التقليدي، يتتبع الكاتب ما حدث وآثاره ونتائجه، ليجعل من الحكاية وسيلةً لفهم الواقع الذي أفضى إلى إنتاج الرواية بهذه الصيغة. فالكلب حيوان أليف، لكنه يتحوّل في الرواية إلى أداةٍ سرديةٍ تتيح للكاتب تقديم رؤيةٍ نقديةٍ غاضبةٍ ومريرةٍ لما يُعرف بـ"الحياة الكلبية" التي أُجبر المواطن العراقي على عيشها تحت وطأة الطغيان والخراب، سواء أكان مصدرهما الحكام أم الأغراب. ومن هنا، تتكشّف محاولة لفهم الكيفية التي يتحوّل بها البشر أحيانًا إلى جلادين وضحايا في آنٍ واحد، بينما يظلّ الكلب "ليدر" شاهدًا على عبثية الصراعات البشرية وفقدان الأمان:

"فها أنت تراني أقود عصبة كلاب قطاع الطرق، أجل قطاع طرق، فهذا اسمه الحقيقي في بلاد بلا قانون ولا أمان. كان عليّ أن أتركها تنهش من لحمي، لأن مواجهتها كلها كانت مستحيلة، أو أن أحكّ بظرف ثوانٍ ما وطنت نفسي على نسيانه طوال أشهر الشفاء، وهو ما حصل تمامًا" (ص 160).

البيئة وتشابك الأمكنة

تمثل البيئة إحدى الركائز الأساسية في البناء السردي للرواية، سواء أكانت البيئة المكانية والطبيعية، مثل مدينة بغداد، أم البيئة الاجتماعية والسياسية المضطربة، أم بيئة الاغتراب والمنفى. فالكاتب لا يتعامل معها بوصفها خلفية للأحداث، بل فضاءً فاعلًا تتداخل فيه التحولات المكانية مع المصائر الإنسانية، وتنعكس فيه آثار الخراب السياسي والنفسي. وتتجلى معالجة البيئة في جوانب عدة:

أولًا: تشخيص الخراب المكاني والنفسي:

تتحوّل البيئة العراقية في الرواية من فضاءات للألفة والذاكرة والجمال، إلى مساحاتٍ للرعب والمقابر الجماعية والأنقاض التي خلّفتها الحروب المتتالية والحصار والدكتاتورية. ولا يقف الخراب عند حدود المكان، بل يمتدّ إلى النفس، ليصبح سؤالًا عن معنى الحياة، وإمكان الاستمرار في واقعٍ تتوالى فيه المآسي. وهكذا، يترك الكاتب للقارئ مهمة البحث عن الإجابة:

"كنت أتساءل وحسب عن معنى حياة كلب لا رفيق ولا أهل، في بلد خرب آيل إلى خراب أعظم؟" (ص 107).

ثانيًا: البيئة الطبيعية بوصفها شاهدًا صامتًا:

يربط الكاتب بين الطبيعة المنهكة ومصير الإنسان والحيوان، فتصبح البيئة شاهدًا على ما خلّفته الحروب من دمار، وعلى أثر الأوضاع السياسية في حياة الكائنات. ولا تعود الطبيعة مجرّد إطارٍ تجري فيه الأحداث، بل جزءًا من التجربة المأساوية التي تدفع الشخصيات إلى الهرب والبحث عن مكانٍ أكثر أمانًا:

"ما إن بدأ القصف والخراب الذي طال كل البلاد، حتى اضطررنا إلى مغادرة المدينة والابتعاد، ومحاولة الوصول إلى أبعد بقعة ممكنة" (ص 141).

ثالثًا: بيئة المنفى والشتات:

يمتد الفضاء الروائي إلى خارج الحدود، حيث تصبح أمكنة المنفى الباردة والغريبة امتدادًا لشعور الاغتراب وفقدان الهوية. ولا يقتصر أثر الانتقال على تبدّل المكان، بل يتّصل بالذاكرة، وما تحمله من صورٍ وحنينٍ إلى عوالم بعيدة. ويتجلّى ذلك في استعادة الراوي حكايات أمّه عن إسبانيا ومدريد والجنوب، بما تتضمنه من صور للطبيعة والبشر والطعام:

"كنت أتعلم على يد معلّم ما يذكره لي بالإسبانية، ويمضي حتى خصّ أمي، ونبدأ بالتناحي وتكرار العبارات، وكانت في كل مرة تحكي لي عن إسبانيا ومدريد والجنوب، مسقط رأسها، حكايات عن الطبيعة والبشر والأكلات" (ص 21).

وهكذا، تتداخل بيئات الرواية بين المكان العراقي المثقل بالخراب، وفضاءات المنفى المحمّلة بالحنين، لتصبح البيئة عنصرًا فاعلًا في تشكيل التجربة السردية، ومعبّرًا عن صراع الإنسان مع المكان والذاكرة وفقدان الأمان.

الفكرة ودلالة القصدية

لم يكن اختيار الكلب والحيوانات الأخرى مجرّد نزوعٍ إلى المغايرة أو العبث، بل جاء محمّلًا بقصديةٍ فكريةٍ، أراد الكاتب تمريرها، تتمثّل في طرح رؤيةٍ فلسفيةٍ ووجوديةٍ مفادها أن قسوة الاستبداد والحروب والخراب السياسي، لا تدمّر الإنسان وحده، بل تحيل المجتمع بأكمله إلى فضاءٍ عبثيّ يتقارب فيه المصير البشري والحيواني. ففي ظلّ القهر، يفقد الإنسان كرامته وآدميته، ليجد نفسه في درك أدنى من "الحياة الكلبية"، ويتحوّل المجتمع إلى جحيمٍ يصنعه البشر بعضهم لبعض. فالكاتب لا يهدف إلى التسلية أو سرد حكاية غرائبية مجرّدة، بل يوجّه نقدًا لاذعًا لثقافة الطغيان والحروب المدمرة التي استنزفت العراق وأثقلت ذاكرته بالألم، وأجبرت أبناءه على التشرد واللجوء، محوّلةً الذاكرة العراقية إلى مساحة للوجع المشترك:

"الغضب والكره هما المحركان الوحيدان للعالم الذي نعيش.. وأي عالم هو هذا.. أنه الجحيم بعينه، لا أثر لرحمة ولا مكان للمحبة، الجحيم بعينه.. الجحيم الذي نعيشه هو نحن أنفسنا.. جحيم نحن.. نحن الصنعة ونحن الجلادون ونحن الضحايا كذلك!" (ص 149).

السخرية الغاضبة ومرثية الوطن المفقود 

في رواية "مذكرات كلب عراقي" لعبد الهادي سعدون

الشخوص والاستعارة الدلالية

لا يتّجه الكاتب إلى كشف عيوب المجتمع من خلال الحشد الكبير للشخصيات البشرية، بل يلجأ إلى استعارة الكائن الحيواني ليتولّى مهمة الكشف عنها، في بناءٍ سرديّ يقوم على المغايرة. لذلك، لا تعتمد الرواية على عددٍ هائل من الشخصيات البشرية المعقّدة، بل تتمحور حول شخصيةٍ رئيسيةٍ هي الراوي، إلى جانب شخصيات أخرى تتقاطع مع رحلته، وتمثل وجوهًا مختلفة من الواقع العراقي وتحولاته.

أولًا: ليدر، الكلب الراوي والشخصية المحورية:

يمثل "ليدر" بطل الرواية وراويها الأساسي، وهو كلبٌ منحه الكاتب وعيًا نقديًا وتأمليًا يتجاوز، في كثير من المواقف، وعي الشخصيات البشرية المحيطة به. ومن خلال نظرته، تتكشّف عبثية الحرب وويلات الدكتاتورية ومرارة المنفى والتشرّد، ليغدو مرآةً تعكس تناقضات الإنسان وما يصنعه بنفسه وبالآخرين"

"عندما أفقت من خدري، وجدتني مرميًا رمية الكلاب ـ سحقًا لهذا الوصف! ـ في زريبة ملأى بالبراز والقاذورات وروائح لا تدرك" (ص 63).

يكشف هذا المقطع عن مفارقة دلالية تقوم على استخدام عبارة "رمية الكلاب" في وصف الإهانة، فيما يتولى كلبٌ نفسه رواية التجربة. وهكذا، تنقلب العبارة على دلالتها المألوفة، ويغدو الكلب شاهدًا على عالم لا يتردد في إهانة الإنسان والحيوان معًا.

ثانيًا: البشر المتعدّدون في حياة ليدر:

يمثل البشر الذين يلتقيهم "ليدر" طيفًا متنوّعًا من المجتمع العراقي، يضم الجلادين وأصحاب البيوت الذين تبدّلت أحوالهم والعابرين في مسيرته. ومن خلال هذه الشخصيات، تكشف الرواية التناقضات الكامنة في السلوك البشري، حيث يتجاور الضعف والقسوة، ويتحوّل الإنسان أحيانًا إلى سجّانٍ لغيره، بل قد يصبح أسيرًا للخوف الذي يسكنه.

ويتجلّى أثر الحرب في المشهد الذي يصف فيه الراوي سماء بغدادًا:

"راقبت سماء بغداد تضاء بمئات الأنوار التي ما إن تنطفئ حتى تليها قرقعة ودوي مثيل له يدك كلّ عرض دكًا ويهزّنا كدمى من خيوط لا حيلة لنا نتجنبها" (ص 93).

لا يقتصر المشهد على تصوير القصف وما يخلّفه من رعب، بل ينقل إحساس الكائنات بالعجز أمام قوة تزلزل المكان وتسلبها القدرة على التحكم بمصائرها. وتكشف صورة البشر الذين يهتزّون كالدمى عن تحولهم إلى كائنات مسلوبة الإرادة، تتحكم بها قوى الحرب والدمار.

ثالثًا: العابرون والمهمشون:

يمثل العابرون والمهمّشون، من لاجئين وهاربين ومنفيين في أصقاع الأرض، امتدادًا للمأساة التي يعيشها "ليدر" خلال رحلته. وعلى الرغم من حضورهم الثانوي، فإنهم يكشفون جانبًا من المعاناة الجماعية للعراقيين الذين دفعتهم الحروب والظروف القاسية إلى مغادرة أوطانهم، ليواجهوا الغربة والبحث عن مأوى في أماكن لا تمنحهم دائمًا الشعور بالأمان والانتماء:

"كانوا يمتنعون عن قبولي ضيفًا في إحدى الغرف، مما يجعل المعلم مضطرًا إلى البقاء معي في السيارة، لأنه، كما أخبرني، لن يسمح لنفسه بتركي وحيدًا في سيارة محكمة الإغلاق" (ص 58).

يكشف هذا الموقف عن مفارقة تتّصل بمعنى الضيافة والأمان في حياة المنفيين؛ فحتى المأوى المؤقّت لا يكون متاحًا دائمًا، ويصبح البقاء في السيارة بديلًا من غرفة ترفض استقبالهم. ومن خلال هذه التفاصيل، تتسع دلالة الرحلة لتتجاوز تجربة الكلب الفردية، وتلامس أحوال المهمشين الذين يواجهون قسوة الحدود وغربة الأمكنة وصعوبة العثور على مكان يشعرون فيه بالأمان.

اللعبة السردية والوعي الإنساني

قد يبدو اعتماد السارد المتكلّم، واتخاذ ضمير المتكلم "أنا"، اختيارًا سرديًا ذكيًا وجريئًا، إذ يجعل التدوين فاعليةً جماليةً تشعر المتلقّي بأن ثمّة من يتحدّث إليه مباشرة. وتكتسب هذه التقنية تأثيرها من طبيعة الراوي نفسه، فهو كلبٌ يتولّى سرد الأحداث ومراقبة البشر، الأمر الذي يمنح الحكاية منظورًا مغايرًا للسرد التقليدي. ولا يقتصر هذا الاختيار على تغيير صوت الراوي، بل يسهم في تعميق المفارقة الساخرة، ويقود النص إلى منطقة يتداخل فيها الأدب الغاضب مع السخرية السوداء.

أولًا: "أنا" الكلب بوصفها قناعًا ساخرًا:

يخلق الكاتب مسافةً نقديةً ساخرةً وسوداء من خلال إسناد السرد إلى الكلب "ليدر"، الذي يروي الأحداث بصوت الأنا. فالسرد هنا ليس ذاتيًا بالمعنى التقليدي، بل يقوم على قناعٍ أدبيّ يتيح للكاتب كشف ما قد يصعب التعبير عنه مباشرةً من فساد المجتمع وعبثية الحروب وقسوة السلطة. ويصبح الكلب، الذي يبدو خارج الصراعات البشرية، شاهدًا على تناقضاتها، فيما تتحول براءته الظاهرية إلى وسيلة لفضح ما يخفيه البشر من قسوة وتوحش.

ثانيًا: تحطيم المركزية البشرية:

اعتادت الرواية التقليدية أن تجعل الإنسان مركزًا للسرد والوعي، لكن الكاتب يقلب هذه المعادلة حين يمنح الحيوان صوتًا يتولّى مراقبة البشر وتقييم أفعالهم. وبذلك تصبح "الأنا" أداةً لإعادة النظر في صورة الإنسان ومكانته، إذ يغدو موضوعًا للمراقبة والمساءلة بدلًا من أن يكون صاحب النظرة الوحيدة إلى العالم. وفي هذه المفارقة، يمارس الإنسان التوحّش، بينما يبدو الكلب أكثر قدرةٍ على الإحساس بالألم والوفاء، وهو ما يعمّق البعد النقدي للرواية ويكشف اختلال القيم في المجتمع الذي تصفه.

ثالثًا: تنوّع السرد ووحدة الرؤية:

إلى جانب ضمير المتكلّم، يتداخل في النص أسلوب المذكّرات واليوميات، بما يعزز الإيهام بالتوثيق والواقعية، على الرغم من غرائبية الشخصية الراوية. كما تتقاطع التأملات والاستعادات مع تداعيات الذاكرة، فينتقل السرد بين بغداد وأمكنة المنفى، حاملًا مشاعر الشجن والتأمّل الوجودي. ولا يؤدّي هذا التنوّع إلى تفكك الرؤية، بل يرفدها بأشكالٍ مختلفةٍ من التعبير عن التجربة العراقية وما خلّفته الحروب والسلطة والاغتراب من آثار. وعليه، لم يكن اختيار "الأنا" الروائية مجرّد نزوعٍ غرائبي، بل استراتيجيةٌ سرديةٌ أسهمت في بناء فضاءٍ يمزج السخرية بالرمزية، والوجع العراقي العابر للحدود. وقد أعلن الكاتب عن هذه اللعبة منذ استهلال الرواية، حين جعل الكلب يتولى تدوين مذكراته، قائلًا:

"في بلد لا أريد أن أذكره اسمًا، أجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي، كي أدون هذه المذكرات التي مرّت من عمري. كما تعرفون فجنس الكلاب من فصيلتي لا نعيش لأكثر من اثنتي عشرة سنة من سنين البشر" (ص 5).

يؤسّس هذا الاستهلال لعلاقةٍ مغايرة بين الراوي والمتلقي، فالكلب لا يكتفي برواية حكايته، بل يعلن عن فعل التدوين نفسه، مستعينًا بالمذكّرات بوصفها وسيلةً لاستعادة الماضي وتسجيل التجربة. كما أن الإشارة إلى عمر الكلاب مقارنة بسنوات البشر تفتح منذ البداية باب المفارقة، وتضع القارئ أمام راوٍ حيواني يتحدث بوعي إنساني، ويستعد لتقديم شهادته على عالم فقد كثيرًا من معاني الرحمة والأمان.

لسان الحال والقصدية الفلسفية

لا تلتزم الرواية بصوت الكلب من حيث وجوده البيولوجي وحده، كما لا تتحوّل إلى سردٍ بشريّ مباشر، بل تمزج بين المنظور الحيواني والوعي الإنساني، في صيغةٍ يمكن وصفها بالتهجين السردي. ويمنح هذا التداخل اللعبة السردية بُعدًا فلسفيًا يتجاوز مجرّد التعبير عن الغضب، إذ يحوّل التجربة إلى مادّةٍ للتأمّل والمساءلة، ويدفع القارئ إلى إعادة النظر في طبيعة الإنسان وما يصنعه بنفسه وبالآخرين. ويتجلّى هذا المزج في ثلاثة مستويات:

أولًا: الجانب الحيواني الظاهري:

يتمثّل هذا الجانب في الشكل الخارجي للراوي، فهو كلبٌ يتعامل مع العالم عبر حواسّه وحركته، من الشم والتتبع والركض في الأزقّة، إلى الهروب من العصي وتلقّي الركلات أو البحث عن الفتات. وتمنح هذه التفاصيل السرد ملمسه الحسي وغرائبيته، كما تؤسّس للمفارقة التي تنشأ من وضع كائنٍ حيوانيّ في قلب تجربةٍ إنسانيةٍ مثقلةٍ بالقهر والخوف والخراب.

ثانيًا: العمق الداخلي والوعي الفلسفي:

يتجاوز الراوي حدود التجربة الحيوانية حين ينخرط في تأمّلات تتّصل بطغيان السلطة وخراب بغداد ونفسيات الجلّادين ومعنى المنفى والشتات. ويكشف هذا الوعي عن صوتٍ يتجاوز حدود الإدراك الحيواني المألوف، ليقترب من وعي المثقّف العراقي الذي يحاول فهم ما أصاب وطنه والإنسان فيه. وهنا يستثمر المنتج قناع الكلب لتقديم رؤيته النقدية، فيجعل من صوته وسيلةً للتعبير عن أسئلةٍ قد تعجز الشخصيات البشرية عن مواجهتها أو الإفصاح عنها بحرية.

ثالثًا: الامتزاج والتداخل بين الوعي الحيواني والإنساني:

يتحقّق الامتزاج حين ينظر "ليدر" إلى العالم بعين الحيوان، الذي يختبر الخوف والألم والجوع، لكنه يروي تجربته بلغةٍ تتسّع للتأمّل والتحليل واستعادة الذاكرة. وبهذا التداخل، تتجاوز الرواية حكاية حيوانٍ أليفٍ إلى بناءٍ رمزيّ، يكشف مأساة الإنسان العراقي، بين وطنٍ مهدّمٍ ومنفًى بارد. ولا يعود الكلب مجرّد وسيلةٍ لنقل الأحداث، بل يصبح أداةً لكشف التناقض بين التجربة الحسية المباشرة والمعنى الإنساني الذي يتولد منها.

ويتّضح هذا الانتقال من الوصف الحسي إلى الوعي بالتجربة في المقطع الذي يروي فيه "ليدر" استعادته لوعيه وسط مشهد الموت والإصابة، إذ يقول:

"حركت جسدي ورأيت أن بمقدوري القيام ولو بصعوبة بالغة. كنت مصبوغًا بالأحمر، بدماء ودماء الجثث المجاورة، لمعرفة أين تمضي بي الشاحنة حتى شعرت بألم الإصابة" (ص 108).

يضع هذا المقطع الراوي في مواجهةٍ مباشرةٍ مع آثار العنف، حيث يتداخل الإحساس الجسدي بالألم مع مشهد الجثث والشاحنة التي تنقله إلى وجهة مجهولة. ولا يحتاج المشهد إلى تأمل فلسفي مباشر كي يكشف فداحة التجربة، فالصورة الحسّية نفسها تنقل أثر الحرب في الكائن الحي، وتمنح المتلقّي/ القارئ فرصةً لاستشعار المأساة من داخل التجربة، لا من خارجها. وهكذا، تتكامل الطبيعة الحيوانية للراوي مع الدلالة الإنسانية للمشهد، لتغدو معاناته جزءًا من صورة أوسع للخراب الذي يطال الإنسان والحيوان والمكان معًا.

بمعنى ان الرواية لا تعني بوجود الكلب على انه راوٍ لحكاية غرائبية مجرّدة، بل شاهدًا على وطنٍ أنهكته الحروب والاستبداد، وفقد كثيرًا من ملامحه الإنسانية. فمن خلال تنقّلاته بين بغداد والخراب والمنفى، تتكشف مأساة الإنسان العراقي في عالمٍ تتداخل فيه مواقع الجلّاد والضحية، ويتحوّل فيه الغضب إلى سخريةٍ سوداء، والمأساة إلى سؤال عن معنى الحياة والحرية. و الكاتب يمنح الحيوان صوتًا يفضح تناقضات البشر وعبثية صراعاتهم، ويجعل من الحكاية مساحةً تتقاطع فيها الذاكرة والاغتراب والوجع الوجودي. وهكذا، تتجاوز الرواية حكاية الكلب لتصبح مساءلةً للإنسان، حين يصنع جحيمه بيديه، وللوطن حين يتحوّل من مكانٍ للحياة، إلى ذاكرةٍ مثقلةٍ بالفقد والخراب.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
قراءات

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي إسماعيل نوري الربيعي ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض…

· 11 د