انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الساعة الخامسة والعشرون: الإنسان عندما يتحول إلى رقم في آلة الحرب

علاء أحمد الشاهين
علاء أحمد الشاهين

باحث وأديب عراقي

3 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
الساعة الخامسة والعشرون: الإنسان عندما يتحول إلى رقم في آلة الحرب
مشاركة:

في رواية (الساعة الخامسة والعشرون) للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو، لا تبدو الحرب مجرد صراع بين جيوش وأمم، بل تتحول إلى قوة عمياء تعيد تشكيل الإنسان، وتسلبه قدرته على فهم العالم الذي يعيش فيه. إنها رواية عن الفرد حين يجد نفسه محاصراً بين أنظمة سياسية متعاقبة، وأيديولوجيات متصارعة، ومؤسسات بيروقراطية لا ترى فيه سوى هوية ورقم وملف قابل للتصنيف.

ومن خلال شخصية يوهان موريتز، الفلاح البسيط الذي لا يحمل مشروعاً سياسياً ولا يطمح إلى بطولة استثنائية، يرسم الكاتب صورة لإنسان عادي تدفعه ظروف التاريخ إلى دوامة لا يملك إيقافها، فيصبح ضحية لأتهامات متناقضة، تتغير بتغير السلطة، بينما يظل عاجزاً عن إثبات حقيقة لا يريد أحد الإصغاء إليها.

تكمن مأساة موريتز في أن براءته لا تنقذه، لأن العالم الذي يعيش فيه لم يعد يحتكم إلى الحقيقة، بل إلى ما تقرره المؤسسات عن الحقيقة، فإذا صنفته سلطة ما عدواً، صار عدواً، وإذا أعادت سلطة أخرى تصنيفه، وجد نفسه أمام تهمة جديدة، كأن الإنسان لم يعد يملك الحق في تعريف ذاته، وإنما تتولى الأنظمة هذه المهمة نيابة عنه. ومن هنا تكتسب الرواية دلالتها العميقة، إذ لا تكتفي بإدانة النازية أو الشمولية أو العنف الذي اجتاح أوروبا في زمن الحرب العالمية الثانية، بل تتجاوز ذلك إلى نقد العقل الذي يحول القوانين والإجراءات الإدارية إلى أدوات لمحو الفرد، حين تصبح الطاعة أهم من العدالة، والتصنيف أقوى من الحقيقة، والملف الرسمي أكثر مصداقية من حياة الإنسان نفسها. أما عنوان الرواية، (الساعة الخامسة والعشرون)، فيمثل جوهر المأساة كلها، إنها ساعة تأتي بعد انتهاء الوقت، لحظة يتجاوز فيها الخراب حدود الاحتمال، و يصبح الإنقاذ متأخراً، لا لأن الإنسان لم يحاول النجاة، بل لأن العالم استنفد فرصه في الإصغاء إليه. إنها استعارة للحظة تاريخية تفقد فيها البشرية قدرتها على التمييز بين التقدم والانحدار، وبين النظام والتوحش، وبين الحضارة التي تتباهى بإنجازاتها والآلة التي تسحق الإنسان بأسم تلك الإنجازات، ويمنح جيورجيو روايته بعداً أكثر إيلاماً حين يضع شخصياته في مواجهة عالم يدعي العقلانية والتنظيم، لكنه يعجز عن الاعتراف بأبسط حقوقها، وكأن الحضارة، في أقصى درجات تطورها التقني والإداري، قد تصبح وسيلة أكثر كفاءة في إنتاج العذاب.

الساعة الخامسة والعشرون: الإنسان عندما يتحول إلى رقم في آلة الحرب

ومع أن الرواية تنتمي إلى سياق تاريخي محدد، فإن قوتها لا تنحصر في تصوير أوروبا زمن الحرب، لأن مأزق الإنسان الذي ترسمه يتكرر كلما استبدلت السلطة وجهها من دون أن تتخلى عن حاجتها إلى إخضاع الأفراد، وكلما صار الانتماء إلى جماعة أو عرق أو عقيدة سبباً للحكم على الإنسان قبل معرفة حكايته.

وقد تبدو بعض مقاطع الرواية مثقلة بالتعميمات الفكرية والنبرة التشاؤمية، غير أن هذا التشاؤم ينسجم مع عالمها الذي تضيق فيه مساحات الاختيار، ويصبح الأمل نفسه معرضاً للتحول إلى وهم مؤجل، إن مأساة يوهان موريتز ليست مأساة رجل سيئ الحظ فحسب، بل مأساة الإنسان الذي يُنتزع منه حقه في أن يكون فرداً مستقلاً عن التصنيفات التي تفرضها عليه السلطة.

ولهذا تبقى (الساعة الخامسة والعشرون) أكثر من رواية عن الحرب، إنها محاكمة أخلاقية لحضارة تستطيع أن تنظم حياة البشر بدقة، لكنها قد تفشل في رؤية الإنسان الكامن داخل كل واحد منهم, وحين نغلق الكتاب، لا يبقى السؤال متعلقاً بمصير موريتز وحده، بل بمصيرنا جميعاً: كم مرة يحتاج العالم إلى أن يعلن انتهاء الزمن قبل أن يدرك أن الإنسان كان ضحيته منذ البداية؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هادي مسير الربيعي..

 حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر
قراءات

هادي مسير الربيعي.. حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر

إسماعيل نوري الربيعي يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر،…

· 6 د
دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح).

للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"
قراءات

دراسة نقديّة لقصيدة (هذا جزاؤك يا ذا القروح). للشاعر الفراتي " د. بسام الشيخ عطيّة"

د. عدنان عويد البنية الفكريّة للنص. نحن أمام نص أدبي معاصر, استلهم التاريخ, فجعل من استلهامه هذا مقاربة على درجة عالية من الأهميّة والحكمة ربطت ما بين الماضي والحاضر. فقراءة التاريخ وإسقاط دلالاته على الواقع المعيش, تحتاج في الحقيقة إلى أديب أو مفكر أو فيلسوف يعرف تماماً ما يريد, وهذا ما وجدناه في…

· 8 د
مدارجُ الشوقِ ومحاريبُ الروحِ

 قراءةٌ في جغرافيا العشقِ الصوفيِّ عند أمال بو حرب
قراءات

مدارجُ الشوقِ ومحاريبُ الروحِ  قراءةٌ في جغرافيا العشقِ الصوفيِّ عند أمال بو حرب

أياد النصيري ***** شديدةٌ هي سطوةُ العشقِ حين يخلعُ عن الجسدِ كثافتَهُ، ويستحيلُ في أفقِ الشعرِ طقساً نورانياً تسكنُهُ الرغبةُ وتتجلّى فيه سَكينةُ الفناء؛ فالشعرُ، حينَ يلامسُ المَقامَ الصوفيَّ، لا يعودُ مجرَّدَ نظمٍ للمشاعرِ أو جمعٍ للصور، بل يصبحُ معراجاً روحياً تُستفرَغُ فيه كُوينةُ الذاتِ…

· 3 د