انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الرجل الذي اشترى للنسيان علبة سجائر وسام هاشم في بلاد تتساقط من ذاكرة الثلج

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

23 دقائق للقراءة
74 مشاهدة
الرجل الذي اشترى للنسيان علبة سجائر وسام هاشم في بلاد تتساقط من ذاكرة الثلج
مشاركة:

في الليلة التي قرر فيها الثلج أن يتعلم البكاء باللغة العربية، عثر رجل عراقي في أقصى الشمال الأوروبي على قارب صغير يطفو داخل علبة سجائره، ولم يكن القارب مصنوعًا من الخشب، بل من أوراق قديمة تساقطت من دفاتر المدرسة، وكانت امرأة ترتدي عباءة سوداء تجلس في مقدمته، تمسك مجدافًا من قصب الأهوار، وتحاول أن تجد طريقها بين أعقاب السجائر وفتات الذكريات، بينما كانت نافذة الغرفة تطل على مدينة دنماركية لا تعرف شيئًا عن بغداد، ولا عن الأمهات اللواتي يخبئن أسماء أبنائهن في صدورهن خوفًا من أن تصادرها الحروب، ولا عن الجدات اللواتي يستطعن تحويل الماء إلى وطن بمجرد أن يرفعن أيديهن بالدعاء.  كان الرجل هو وسام هاشم، وكان القارب قد جاء من طفولته، من حي سومر الذي ظهر في إحدى قصائده مكانًا يستطيع فيه الرسم أن يغير جغرافية العالم، حتى إن الحي يتحول إلى هور، ويصبح القارب الذي رسمه الطفل وسيلة لعودة الجدة من وراء الغياب. غير أن الأمر هذه المرة كان أكثر غرابة، فقد جاءت الجدة لتسأله عن الأشخاص الذين رسمهم ذات يوم، أولئك الذين أراد أن يجمعهم مع الفرح في صندوق، فاكتشف أن الفرح لا يصلح قفلًا، وأن البشر يستطيعون الهرب حتى من الرسوم التي صنعتها المحبة، وأن القطط قد تنسى المواء حين تتعلم البكاء، وأن الورقة البيضاء ليست دائمًا مكانًا آمنًا للكائنات التي نحبها. كانت الجدة تسحب خلف قاربها خيطًا طويلًا من الماء، وكلما تحركت اتسعت بركة صغيرة على أرض الغرفة، ثم راحت البركة تكبر حتى غمرت السرير والكرسي والطاولة، وارتفعت فوقها أسماء المدن التي مر بها الرجل، بغداد أولًا، ثم عمّان، ثم المدن التي تعلمت نطق اسمه بلكنة غريبة، وأخيرًا الدنمارك التي لم تكن تعرف أن في داخل هذا القادم من الجنوب مناخًا آخر لا تستطيع نشرات الطقس قياسه.  ولم يكن المشهد مجرد لعبة من ألعاب الخيال، بل كان المدخل الأكثر ملاءمة إلى عالم شاعر جعل الأشياء اليومية تعيش حياة إضافية، كأن وجودها العادي لا يكفي لتفسير ما أصاب الإنسان العراقي من تشقق داخلي، وكأن الشعر لا يبدأ حين يكتشف المرء الكلمات، بل حين يكتشف أن الكلمات نفسها أصبحت عاجزة عن حمل ما جرى، فيضطر إلى تعليمها السباحة والطيران والبكاء والاختباء. كان وسام هاشم، المولود في بغداد، قد درس المسرح قبل أن يعمل في الصحافة والتدقيق اللغوي والكتابة، وهذه التفاصيل التي تبدو في السيرة الاعتيادية محطات مهنية متعاقبة، تتحول في قراءة تجربته إلى ثلاثة أبواب تفضي إلى غرفة واحدة، فالمسرح منحه حساسية المشهد، والصحافة وضعته أمام العالم وهو يتدفق بأحداثه وأسمائه ووقائعه، والتدقيق اللغوي جعله يلامس الكلمات في مواضع ضعفها واختلالها، غير أن الشعر جاء ليقلب هذه الوظائف جميعًا، فبدلًا من أن يصحح العالم كما يصحح المدقق خطأ نحويًا، أخذ يكشف الأخطاء التي ارتكبها العالم في حق البشر، وهي أخطاء لا يصلحها قلم أحمر، ولا تعالجها علامات الترقيم، ولا يمكن إعادة ترتيبها في جملة مستقيمة. ولعل المفارقة العميقة هنا أن الرجل الذي اشتغل على سلامة اللغة وجد في الشعر حقًا دائمًا في تعريضها للخطر، لا من أجل إفسادها، بل من أجل تحريرها من الطمأنينة التي تمنحها القواعد حين يكون الواقع نفسه خارج كل قاعدة. ففي قصيدته المنشورة بعنوان تنين فوق نهر، لا يستعيد الطفل طفولته بوصفها حديقة بريئة، وإنما بوصفها ورشة كونية مضطربة، يصنع فيها أشخاصًا لا يستطيع الاحتفاظ بهم، ويرسم قططًا لا تؤدي وظيفتها الطبيعية، ويكتشف أن الماء قد يظهر حيث لم يكن موجودًا، وأن الرسوم تستطيع أن تتحول إلى مصائر، وهذه ليست عجائبية للزينة، وإنما طريقة شعرية لتصوير انهيار الثقة بين الإنسان وما يصنعه بيديه، فالطفل الذي يرسم صديقًا يتوقع أن يبقى الصديق حيًا في الورقة، لكن العالم يتدخل ليعلمه أن الموت يستطيع دخول الرسم أيضًا. ومن هنا تبدأ الحكاية الكبرى لوسام هاشم، حكاية الإنسان الذي لم يعد قادرًا على الفصل بين الخيال والفقد، لأن الفقد نفسه أصبح شديد الغرابة إلى درجة أن الواقعية التقليدية لا تستطيع الإحاطة به، ولأن بغداد التي خرج منها لم تكن مدينة يمكن وضعها في حقيبة وإغلاق السحاب عليها، بل كائنًا هائلًا له رئتان من غبار، وعينان من ماء دجلة، وذاكرة تختزن وجوهًا أكثر مما تحتمل الشوارع، وكانت هذه المدينة كلما ابتعد عنها أحد أبنائها أرسلت وراءه شيئًا صغيرًا، مفتاحًا فقد بابه، أو رائحة خبز فقدت فرنها، أو كلمة من لهجة قديمة، أو جدة تعرف الطريق إلى أحلامه، حتى أصبح المنفى مكانًا تتكاثر فيه الأشياء القادمة من الوطن بدلًا من أن تختفي. وفي تلك الليلة، بينما كان القارب يواصل حركته داخل الغرفة، اقتربت بغداد من النافذة، لا بصورتها الجغرافية، وإنما بهيئة امرأة ضخمة تحمل على كتفيها آلاف النوافذ، وكانت كل نافذة تضيء ثم تنطفئ كأنها عين شخص يتذكر ثم يحاول النسيان، ولم تقل المدينة شيئًا، لأنها كانت تعرف أن بعض المدن حين تتكلم تتحول كلماتها إلى مقابر، وأن الصمت أحيانًا هو اللغة الوحيدة التي بقيت لها بعد أن استهلكت الخطب والحروب والوعود قدرتها على الكلام. أما الشاعر فقد مد يده نحو القارب، فوجد أن الماء الذي يحمله ليس ماءً، وإنما زمن سائل، وأن الجدة لا تعود لتعيد إليه طفولته، بل لتخبره أن الطفولة نفسها لم تغادر المكان الذي تركها فيه، وأن الطفل الذي توقف عن الرسم لا يزال جالسًا في إحدى زوايا بغداد، ينتظر أن يعود الرجل الذي أصبحه ذات يوم، ليسأله لماذا كبر العالم كل هذا القدر، بينما بقي الخوف صغيرًا بما يكفي ليدخل في علبة سجائر.

الرجل الذي اشترى للنسيان علبة سجائر

وسام هاشم في بلاد تتساقط من ذاكرة الثلج

سهول محبوسة في قفص يتسع كلما ضاق الوطن

في الصباح التالي خرج من القارب رجل مصنوع من العشب، يحمل على كتفه قفصًا واسعًا لا طيور فيه، وكانت داخل القفص سهول تمتد حتى الأفق، وأشجار تتبادل أماكنها، وقرى تنهض عند الفجر ثم تختفي قبل الظهيرة، ونساء ينشرن الغسيل على حبال مشدودة بين زمنين، وأطفال يركضون خلف طائرات ورقية لا تستطيع الارتفاع لأن خيوطها مربوطة إلى أحجار ثقيلة في الأرض. ولم يكن هذا الكائن سوى الصورة التي يمكن أن تتخذها عبارة سهول في قفص حين تخرج من غلاف كتاب شعري لتعيش خارج الورق، فالسهل، في المعنى الطبيعي، نقيض الحبس، إنه المكان الذي تتراجع فيه الحدود وتستريح العين من الجدران، غير أن وضعه في قفص يخلق تناقضًا لا يمكن حله هندسيًا، لأن المسألة لا تتعلق بحجم المكان، وإنما بالحرية التي يستطيع الإنسان ممارستها داخله. يستطيع وطن أن يكون واسعًا على الخرائط وضيقًا على سكانه، كما يستطيع المنفى أن يمنح الجسد حرية الحركة ويترك الروح محبوسة في غرفة قديمة لا يعرف أحد عنوانها. ومن هذه المفارقة تنبثق إحدى الإمكانات التأويلية العميقة في شعر وسام هاشم، حيث لا تعود الأشياء علامات مستقرة، بل تتحول إلى كائنات تحمل أضدادها، فالبيت قد يكون مأوى وجرحًا، والشارع قد يكون طريقًا إلى الآخرين أو ممرًا نحو الفقد، والحب قد يكون خلاصًا مؤقتًا أو شكلًا آخر من أشكال التعلق بما يستحيل الاحتفاظ به. وكان الرجل العشبي يسير في شوارع بغداد المتخيلة وهو يسأل المارة عن الباب الذي يستطيع إخراج السهول منه، لكن أحدًا لم يستطع مساعدته، لأن الناس كانوا مشغولين بحمل أقفاصهم الخاصة، بعضهم يحمل قفصًا فيه وظيفة لم يحصل عليها، وآخر يحمل قفصًا فيه أخ غاب ولم يعد، وثالث يحمل قفصًا من الرسائل التي لم تصل، حتى بدت المدينة سوقًا كبرى للأشياء المحبوسة، لا يبيع فيها أحد شيئًا، وإنما يحاول الجميع استعادة ما فقدوه دون أن يعرفوا متى فقدوه على وجه الدقة. وفي هذه السوق كان الشعر يختلف عن السياسة والتاريخ والخطابة، فالسياسة تبحث عن أسباب الحبس ومن يملك مفاتيحه، والتاريخ يتتبع تواريخ بناء الأقفاص، أما الشعر فيذهب إلى الكائن المحبوس نفسه، إلى الطريقة التي يتنفس بها، وإلى الأحلام التي يراها حين ينام، وإلى الصوت الذي يصدر عن صدره عندما يسمع كلمة حرية من بعيد. وليس معنى ذلك أن الشعر يتخلى عن التاريخ، بل إنه يعيده إلى مقياس الجسد الفردي، حيث تصبح التحولات الكبرى قابلة للإحساس في ارتعاشة يد أو في صورة قطة تبكي أو في خوف طفل من أن يرسم أصدقاء جددًا، ولهذا فإن قراءة تجربة وسام هاشم ضمن المناخ الشعري العراقي الذي برز فيه جيل الثمانينيات تفتح سؤالًا يتجاوز التصنيف الزمني، سؤال الكيفية التي يستطيع بها شاعر أن يحافظ على فرديته داخل زمن يميل إلى تحويل البشر إلى أعداد، والآلام إلى بيانات، والموتى إلى حصيلة، والمنفيين إلى ملفات إدارية. لقد عرفت الثقافة العراقية في تلك العقود كثافة استثنائية في حضور الحرب والسلطة والخوف والهجرة، لكن الشعر لم يستجب لهذه التجربة بطريقة واحدة، فمنه ما واجه الحدث مباشرة، ومنه ما لجأ إلى الرمز والأسطورة، ومنه ما أعاد تشكيل الحياة اليومية في صور مفارقة، ويبدو عالم وسام هاشم، كما تكشف النصوص المتاحة، أقرب إلى هذا المسار الأخير الذي لا ينفي المأساة، بل يدخل إليها من باب الأشياء الصغيرة، لأن الأشياء الصغيرة أقل قدرة على الكذب من الشعارات الكبيرة. وقد انتخب الشاعر أمينًا عامًا لاتحاد الكتاب والأدباء العراقيين في تسعينيات القرن الماضي، وهي واقعة تضعه في قلب المؤسسة الثقافية في مرحلة شديدة التعقيد من التاريخ العراقي، غير أن قيمتها في الحكاية التي نرويها ليست في المنصب ذاته، بل في التناقض الذي ينشأ بين الشاعر بوصفه فردًا يبحث عن حريته الداخلية، والمؤسسة بوصفها بناءً يحتاج إلى التنظيم والتمثيل واللغة العامة. فالمؤسسات تتحدث غالبًا بصوت الجمع، بينما يتكلم الشعر الحقيقي من موضع لا يستطيع الجمع احتلاله، وهو موضع الإنسان حين يواجه وحدته الخاصة، وحين يعجز عن شرح خوفه للآخرين دون أن يفقد ذلك الخوف شيئًا من حقيقته. ويمكن تخيل الكلمات التي كان يدققها في الصحافة وقد خرجت يومًا من صفحاتها لتقف أمامه في طابور طويل، كلمة وطن تحمل جواز سفر منتهي الصلاحية، وكلمة سلام فقدت ذراعها في حرب قديمة، وكلمة حرية تجر وراءها سلسلة مكسورة، وكلمة غد تقف حافية لأنها لم تصل إلى يومها الموعود، وكانت جميعها تطلب منه أن يعيد إليها معانيها الأولى، لكنه لم يكن يملك سوى القصيدة، والقصيدة لا تعيد الأشياء إلى براءتها السابقة، بل تمنحها القدرة على الاعتراف بما أصابها. وهنا تظهر أهمية الحساسية المسرحية في هذا العالم، فالشخصيات ليست بالضرورة بشرًا، والديكور ليس مجرد خلفية، والحدث قد يبدأ من تفصيل بالغ الصغر، ثم يتضخم حتى يستوعب الوجود كله، كما يحدث حين تتحول علبة سجائر إلى ميناء، أو يتحول الثلج إلى جيش من المظليين البيض، أو يصبح النسيان سلعة تباع إلى جانب التبغ. إنها دراما لا تحتاج إلى خشبة ثابتة، لأن العالم كله يصبح مسرحًا، ولا تحتاج إلى ستارة أخيرة، لأن المشهد يتكرر كلما حاول الإنسان النوم، فيجد أن الأشياء التي أغلق عليها الباب قد سبقته إلى الحلم. وحين أخذ الرجل العشبي قفصه واتجه نحو دجلة، لم يجد النهر في مكانه المعتاد، بل وجد شارعًا طويلًا من الورق، وعلى جانبيه أشخاصًا يكتبون أسماءهم ثم يمحونها خوفًا من أن تتعرف إليهم الذاكرة، وكان في نهاية الشارع قطار لا يعلن وجهته، يصعد إليه الذين لم يعودوا قادرين على البقاء، دون أن يكونوا متأكدين من أنهم قادرون على الرحيل. وهناك، عند العتبة التي تفصل بين السهل والقفص، أدرك الشاعر أن الإنسان قد يغادر مكانًا كاملًا دون أن يستطيع مغادرة لحظة واحدة منه، وأن أقسى أنواع الأسر ليس أن يمنعك أحد من الخروج، بل أن تخرج فعلًا، ثم تكتشف أن شيئًا في داخلك لم يبرح مكانه.

مملكة الرماد والمرأة التي خبأت المطر في عنقها

كان القطار الذي حمل الحكاية بعيدًا عن بغداد يسير على سكة مصنوعة من رماد الأشخاص، ولم تكن له عجلات، بل ذكريات مستديرة تدور تحت عرباته، وكلما عبر مدينة تساقط من نوافذه وجه قديم، ثم نهض الوجه من الأرض ومشى قليلًا قبل أن يتحول إلى غبار. لم يكن الرماد هنا أثر احتراق مادي بالضرورة، وإنما الصورة التي يبقيها الزمن من الناس حين تتآكل التفاصيل التي كانت تمنحهم حضورهم الحي، فيصبح المرء قادرًا على تذكر صوت شخص فقده، لكنه يعجز عن استعادة الطريقة التي كان يرفع بها حاجبيه، أو يبتسم، أو يضع يده على الطاولة. وفي هذا المعنى يبدو عنوان رماد الأشخاص شديد القدرة على اختزال إحدى المعضلات الكبرى للذاكرة، فالأشخاص لا يختفون دفعة واحدة، وإنما يواصلون موتهم البطيء داخل الذين يتذكرونهم، وكل نسيان صغير هو احتراق إضافي لجزء من صورتهم. لكن شعر وسام هاشم لا يترك هذه الفكرة في تجريدها الحزين، بل يفتح لها نافذة على الحميمية، على جسد المرأة وحرارة العناق والرائحة التي تقاوم البرد، كما يتجلى في نص علبة نسيان، حيث يتجاور الثلج والسجائر والحب والإخوة والحقول والنعناع والفراشات، دون أن تتحول هذه العناصر إلى زينة تصويرية، لأنها تؤدي وظيفة وجودية دقيقة، هي إعادة بناء الإنسان من المواد التي لم تستطع الخسارة مصادرتها تمامًا. ففي المنفى يصبح البرد أكثر من ظاهرة مناخية، إنه اختبار للمسافة بين الجسد والعالم، وبين الذاكرة والواقع، وبين ما يستطيع الإنسان لمسه وما يستطيع استعادته في المخيلة، ولذلك فإن دفء المرأة البعيدة ليس مجرد استعارة غزلية، بل مقاومة لبرودة الوجود نفسه، محاولة لصناعة مناخ داخلي لا يخضع لسلطة الجغرافيا. ويمكن تخيل الشاعر وهو يفتح علبة السجائر في إحدى المدن الشمالية، فيخرج منها بستان صغير من النعناع، ثم تمتد من البستان يد امرأة تحمل مطرًا لم يسقط بعد، وحين يحاول الإمساك بها تتحول اليد إلى شارع في مدينة مجهولة، ويصبح الشارع حافة انتظار طويلة، وتخرج من النوافذ فراشات حزينة تحمل رسائل لا تعرف أصحابها. وفي هذه اللحظة لا يعود الحب وعدًا بالاكتمال، وإنما يصبح الطريقة التي يتعايش بها الإنسان مع نقصه، فالمرأة ليست حلًا نهائيًا لمأساة العالم، وليست بديلًا عن الوطن، وإنما كائن يستطيع أن يجعل المأساة محتملة للحظات، وأن يمنح الجسد فرصة ليتذكر أنه لم يخلق للألم وحده. وهنا تتجلى فرادة التوتر بين العاطفة والسخرية في العالم الشعري الذي تقدمه النصوص، فالرجل يستطيع أن يصف نفسه بالحمق والطيبة، وأن يعترف بفشله في إدارة حياته، وأن يحول النسيان إلى علبة يشترى مثل السجائر، وهذه القدرة على السخرية من الذات تمنع الحزن من التحول إلى بطولة خطابية، وتمنع المنفى من اكتساب هالة أخلاقية مجانية، لأن الشاعر لا يقدم نفسه بوصفه ضحية نقية أو نبيًا للخراب، بل إنسانًا مرتبكًا، متناقضًا، قابلًا للخطأ والرغبة والضعف، يحمل مأساته دون أن يدعي امتلاك تفسير شامل لها. ويكفي التأمل في عنوان لقد أفسدت حياتي الفاسدة لندرك طبيعة هذه المفارقة التي تجعل اللغة تلتف على نفسها، فالحياة موصوفة بالفساد قبل أن يعلن المتكلم أنه أفسدها، كأن الاعتراف بالذنب يأتي متأخرًا عن الخراب، وكأن الإنسان يحمّل نفسه مسؤولية شيء لم يكن سليمًا أصلًا. إن العبارة تفتح بابًا فلسفيًا على العلاقة بين الذات والعالم، فإلى أي حد يكون المرء مسؤولًا عن حياة تشكلت داخل شروط لم يخترها؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يميز أخطاءه الشخصية من الأذى الذي ألحقه به التاريخ؟ وأين تبدأ الحرية حين تكون الخيارات المتاحة نفسها مصابة بالعطب؟ لا يقدم العنوان إجابات، لكنه يضع القارئ أمام ضحكة مرة تنشأ من التناقض بين الاعتراف والعجز، وهي ضحكة أقرب إلى النجاة منها إلى التهكم، لأن الإنسان الذي يستطيع السخرية من خرابه لا يزال يحتفظ بمسافة صغيرة بينه وبين الخراب، وهذه المسافة قد تكون آخر ما تبقى له من الحرية. وفي مملكة الرماد التي يمر بها قطار الحكاية كانت الكتب تتحرك بين الركاب كأنها كائنات فقدت مؤلفها، وكان أحدها يحمل سقفًا من جسد امرأة، في إشارة إلى العنوان الجريء نهداك سقفي، حيث تنقلب وظيفة العمارة إلى وظيفة عاطفية، ويصبح المأوى شيئًا لا يبنى بالطوب والحجر، وإنما بالاقتراب الإنساني. ويمكن لهذه الصورة أن تقرأ بوصفها تمردًا على المفهوم التقليدي للبيت، فالبيت الذي يحمي الإنسان من المطر قد يعجز عن حمايته من الوحدة، بينما يستطيع جسد محبوب أن يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان حتى لو كان العالم كله مكشوفًا من حوله. ولا يتعلق الأمر بإلغاء الفارق بين المكان والجسد، بل بإظهار الحاجة الإنسانية التي تجعل المكان بيتًا، وهي حاجة لا تتحقق بالجدران وحدها، لأن الإنسان يستطيع أن يمتلك بيتًا كاملًا ويظل مشردًا في داخله. ومن هنا تتصل صورة المرأة بصورة الجدة اتصالًا خفيًا، لا بوصفهما شخصية واحدة أو علاقة قابلة للاختزال، بل لأن كلتيهما تظهر في فضاء شعري تتراجع فيه الحدود الصلبة بين الحماية والحنين، بين الجسد والمكان، وبين العاطفة والنجاة. كانت الجدة في البداية تقود قاربًا عبر هور الطفولة، وكانت المرأة في الثلج تمنح الجسد دفئًا يتحدى المسافة، وبينهما يقف الشاعر كمن يعبر جسرًا مصنوعًا من غيابين، أحدهما يعود إلى الماضي الذي لا يمكن استعادته، والآخر يتجه نحو مستقبل لا يمكن ضمانه. أما قبلة في زحام المترو، فإنها تصلح في هذه الحكاية لتكون لحظة اصطدام بين أكثر الأمكنة حداثة وأقدم حاجات الإنسان، فالمترو آلة لتنظيم الحركة الجماعية، والقبلة فعل شخصي يوقف الزمن في وعي صاحبه، والزحام يلغي الفروق بين الوجوه، بينما تعيد القبلة إلى وجه واحد فرادته المطلقة. وفي هذا التناقض تنشأ دراما الإنسان المعاصر الذي يعيش بين ملايين البشر، لكنه يبحث عن لحظة يستطيع فيها أن يشعر بأنه ليس مجرد جسد إضافي في الحشد. ويمكن تخيل عربات المترو وهي تمتلئ بأشخاص بلا ظلال، يحمل كل واحد منهم هاتفًا يعرض مدينة لا يعيش فيها، بينما تتدلى من سقف العربة ساعات فقدت عقاربها، وفجأة تنفتح بين الوجوه مساحة صغيرة تكفي لقبلة، فيتوقف القطار لحظة لا تسجلها جداول الرحلات، وتخرج من أنفاقه رائحة نعناع قادمة من جنوب بعيد. لم يكن في المشهد انتصار على المنفى، لأن المنفى لا يهزم بقبلة، ولا يعالج بعناق، ولا ينتهي بمجرد أن يجد الإنسان مكانًا آمنًا للإقامة، لكنه يكشف أن الحياة لا تستسلم بالكامل للشروط التي تحاصرها، وأن الرغبة في الحب ليست ترفًا خارج التاريخ، بل واحدة من الطرق التي يعلن بها الجسد رفضه أن يتحول إلى وثيقة خسارة. وحين وصل القطار إلى المحطة الأخيرة، اكتشف الركاب أن الرماد الذي كان يغطي الأرض قد أنبت فراشات، وأن الفراشات لم تكن تعرف الطيران، فحملها الشاعر إلى النافذة، لكنه وجد وراء الزجاج عاصفة ثلجية هائلة، وكان عليه أن يختار بين إبقائها في دفء العربة أو إطلاقها في البرد، ولم يكن القرار سهلًا، لأن الحرية قد تكون أحيانًا شديدة البرودة، ولأن الحماية قد تتحول إلى قفص آخر، حتى لو صنعت من الحب.

الرجل الذي اشترى للنسيان علبة سجائر

وسام هاشم في بلاد تتساقط من ذاكرة الثلج

حين نسي الثلج عنوانه وعادت بغداد تبحث عن طفلها

في الدنمارك، حيث انتهت إحدى محطات الرحيل التي بدأت من العراق ومرت بالأردن، لم يكن وسام هاشم بحاجة إلى أن يثبت أن المنفى بعيد، فالبعد لا يقاس بالكيلومترات حين تكون المسافة الحقيقية بين زمنين لا بين مدينتين، وكان يستطيع أن يرى في الصباح شوارع منظمة وواجهات زجاجية وسماء تتغير ألوانها وفق الفصول، لكنه يحمل في داخله شوارع أخرى لا تخضع لهذا الانتظام، شوارع قد تنتهي فجأة عند بيت لم يعد موجودًا، أو عند صديق ابتلعته السنوات، أو عند كلمة كان يسمعها في طفولته ولم يعد يجد لها نظيرًا في اللغات التي تحيط به. ومن الخطأ أن نختزل هذه التجربة في الحنين وحده، لأن الحنين قد يتحول إلى عادة عاطفية تكرر صورة الماضي دون أن تفحصها، بينما تكشف الصور الشعرية المتاحة لدى وسام هاشم عن علاقة أشد اضطرابًا بالذاكرة، علاقة لا تستعيد الماضي كما كان، وإنما تكتشف أنه نفسه قد تغير بفعل الغياب، وأن الأشياء التي نحبها لا تبقى ثابتة في داخلنا، بل تنمو وتتبدل وتتداخل مع مخاوفنا ورغباتنا، حتى يصبح من المستحيل التمييز بين ما حدث فعلًا وما صنعته الذاكرة كي تستطيع احتمال ما حدث. ولهذا فإن الجدة التي تظهر في قارب داخل حلم ليست مجرد استعادة عائلية، بل صورة لقدرة المخيلة على تحويل الفقد إلى حضور متحرك، والحي الذي يصبح هورًا ليس وصفًا جغرافيًا، بل إعلان عن أن المكان الشعري يستطيع أن يسترد عناصر لم تمنحها له الخرائط. إن الشعر هنا لا يهرب من الواقع إلى الخيال، بل يستخدم الخيال كي يكشف ما تخفيه الواقعية من طبقات التجربة، لأن الواقع لا يتكون من الأشياء التي نراها وحدها، وإنما من الأشياء التي نخاف أن نراها، ومن الذين نتوقع حضورهم رغم غيابهم، ومن الأصوات التي تستمر في الكلام داخلنا بعد أن يصمت أصحابها. وفي هذه المنطقة بين المرئي والمستعاد تتحدد إحدى القيم الثقافية المهمة لتجربة وسام هاشم، إذ لا يقدم العراق بوصفه موضوعًا جاهزًا للرثاء، ولا يجعل المنفى مسرحًا للشكوى المتكررة، بل يشتغل على التحول الذي يصيب إدراك الإنسان للعالم حين يفقد استقرار علاقته بالمكان، فتصبح الأشياء قابلة لتبادل وظائفها، ويتحول الصندوق إلى مأوى عاجز، والرسم إلى مصير، والثلج إلى كائن يستعد للنزول، والنسيان إلى بضاعة، والحب إلى سقف، والمترو إلى مساحة خاطفة لاستعادة الفردية وسط الحشد. وهذه التحولات لا تعني أن العالم فقد منطقه تمامًا، وإنما تشير إلى أن منطقه المألوف لم يعد كافيًا لاحتواء التجربة، وأن الشاعر مضطر إلى ابتكار منطق آخر، منطق يستطيع فيه المستحيل أن يصبح أداة للمعرفة. فحين تبكي القطة المرسومة بدل أن تموء، لا يطلب النص من القارئ أن يصدق واقعة خارقة، وإنما يدعوه إلى التفكير في العالم الذي تصبح فيه حتى الكائنات المتخيلة عاجزة عن أداء أدوارها الطبيعية، وحين يشتري الرجل علبة نسيان مع سجائره، لا يتعلق الأمر باختراع متجر سحري، بل بكشف رغبة إنسانية مألوفة في التخلص من الذكريات التي تؤلمنا، مع إدراك أن النسيان نفسه لا يمكن شراؤه، وأن الذاكرة لا تقبل التفاوض التجاري مهما اشتدت الحاجة إلى الراحة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى شعر وسام هاشم بوصفه ممارسة جمالية ضد الاختزال، ضد تحويل الإنسان إلى هوية واحدة أو مصير واحد أو تفسير واحد، فهو ليس شاعر الحرب وحدها، ولا شاعر المنفى وحده، ولا شاعر الحب وحده، وإنما شاعر التقاطعات التي تجعل الإنسان يعيش هذه التجارب جميعًا في اللحظة نفسها، فيحب وهو خائف، ويتذكر وهو يحاول النسيان، ويضحك وهو يشعر بالخراب، ويبحث عن بيت بينما يكتشف أن بعض البيوت التي يسكنها ليست مبنية من الحجارة. ولعل هذا التعقيد هو ما يمنح الصور اليومية طاقتها، فالسجائر ليست إعلانًا عن عادة شخصية، بل عنصرًا داخل مشهد شعري، والثلج ليس مجرد علامة على الشمال، بل قوة تعيد تعريف الدفء، والفراشات ليست زينة للطبيعة، بل شهودًا هشين على طيبة إنسان لا يملك أن يقدم برهانًا آخر على نفسه. إن الأشياء في هذا العالم لا تكتفي بأن تشير إلى المعاني، وإنما تدخل في صراع معها، فقد تتحول العلامة إلى نقيضها، ويصبح الشيء الذي يفترض أن يمنح الأمان مصدرًا للخوف، أو يتحول ما يبدو تافهًا إلى مركز التجربة كلها. وهذا ما يميز المخيلة الشعرية الحية عن البلاغة التي تكتفي بتزيين الأفكار، فالبلاغة التقليدية قد تشبه الحزن بالمطر، أما المخيلة التي تستحق الانتباه فتجعل المطر يتذكر صاحبه، أو تجعل الغيمة تبحث عن رجل مر تحتها منذ سنوات، أو تجعل الحقل ينام في فراش شخص يعيش بعيدًا عنه. وكان الثلج في تلك الليلة الأخيرة قد قرر أن يتوقف عن السقوط، لا لأنه تعب، بل لأنه اكتشف أن الأرض التي يغطيها لا تعرف أسماء الذين يمشون فوقها، فأخذ يسأل الأشجار عن بغداد، وتسأل الأشجار الريح، وتسأل الريح الطيور، لكن الطيور كانت مشغولة بالبحث عن جنوب آخر، حتى وصل السؤال إلى نافذة الشاعر، ووجد هناك القارب الصغير نفسه الذي ظهر في بداية الحكاية، غير أن الجدة لم تكن جالسة فيه هذه المرة، فقد تركت مكانها لطفل يحمل علبة ألوان، وكانت أمام الطفل ورقة بيضاء واسعة، وعلى الورقة قطة لم تكتمل بعد، وبيت بلا سقف، وشجرة تنمو جذورها إلى الأعلى، ونهر يحاول أن يتذكر اتجاه جريانه. كان الطفل يعرف أن الرسم خطر، فقد جرب من قبل أن يصنع أصدقاء ثم رآهم يضيعون، وجرب أن يجمع الفرح في صندوق فهرب منه، لكنه لم يستطع أن يتخلى نهائيًا عن رغبته في منح الأشياء حياة ثانية، لأن التوقف عن الرسم يعني التسليم بأن العالم قد انتهى عند الصورة التي فرضها عليه الخراب. وهنا تتخذ الحكاية معناها الأعمق، فالشاعر الذي أعلن في نصه خوفه من مواصلة الرسم لا يستطيع أن يكف عن صناعة الصور، وهذه المفارقة ليست تناقضًا عابرًا، وإنما جوهر العلاقة بين الفن والجرح، فالإنسان قد يخاف من التذكر، لكنه يكتب كي لا يفقد ذاكرته، وقد يخاف من الحب، لكنه يواصل البحث عن يد تمنحه الدفء، وقد يعرف أن الأشخاص يرحلون، لكنه يصر على منحهم حضورًا جديدًا في اللغة. إن الفن لا يلغي الخسارة، بل يمنعها من احتكار المعنى، ولا يعيد الموتى إلى الحياة، بل يحول غيابهم إلى سؤال مستمر، ولا يعيد الوطن إلى من غادروه، بل يمنع المسافة من أن تكون الكلمة الأخيرة في علاقتهم به. ومن هنا لا تكمن قوة الصورة الشعرية في غرابتها وحدها، وإنما في قدرتها على جعل القارئ يرى نفسه داخل المستحيل، فقد لا يكون أحد قد شاهد قاربًا يطفو في علبة سجائر، لكن كثيرين يعرفون كيف يستطيع شيء صغير أن يفتح فجأة باب ذاكرة هائلة، وقد لا يكون أحد قد اشترى علبة نسيان، لكن الجميع تقريبًا يعرفون تلك الرغبة المستحيلة في إطفاء ذكرى واحدة كي يستطيعوا النوم. وكان الطفل يواصل النظر إلى الورقة، بينما الرجل الذي أصبحه يقف خلفه دون أن يتدخل، وقد أدرك أخيرًا أن العلاقة بينهما ليست علاقة ماضٍ بحاضر، وإنما علاقة كائنين يعيشان في الزمن نفسه، أحدهما ما زال يؤمن بأن الرسم يستطيع إنقاذ الأشياء، والآخر يعرف أن الأشياء قد تضيع حتى بعد أن ننقذها في الرسم، وبين الإيمان والمعرفة تولد القصيدة، لا بوصفها حلًا لهذا التناقض، بل بوصفها المساحة التي يستطيع فيها الطرفان أن يتعايشا دون أن ينتصر أحدهما على الآخر. وفي الخارج كانت المدينة الشمالية تستعد لصباح جديد، وكانت بغداد البعيدة تستعد لليل آخر، وبين المدينتين لم تكن هناك سكة حديد ولا جسر ولا طريق يمكن قطعه سيرًا على الأقدام، لكن خيطًا رفيعًا من الماء امتد من الورقة البيضاء إلى النافذة، ثم واصل طريقه عبر الثلج والبحار واليابسة حتى وصل إلى حي سومر، وهناك توقف عند مكان لا يحتاج إلى اسم، لأن الذاكرة تعرف بعض الأمكنة من رائحتها وحدها. ولم تكن تلك عودة جغرافية، ولا خاتمة سعيدة على الطريقة التي تحبها الحكايات البسيطة، فقد بقي الرجل حيث يعيش، وبقيت بغداد حيث هي، وبقي الغائبون غائبين، وبقيت الأسئلة مفتوحة على كل ما لم يستطع الشعر إصلاحه، لكن شيئًا واحدًا تغير في بنية المشهد، هو أن الطفل الذي خاف من الرسم عاد فرفع قلمه، لا لأنه نسي ما حدث لأصدقائه، بل لأنه فهم أن الخوف من ضياع الأشياء لا ينبغي أن يتحول إلى امتناع عن محبتها. وهكذا استعاد القارب حركته الأولى، وعادت الجدة إلى الماء بوصفها أثرًا حيًا في المخيلة، وخرجت القطط من الورق دون أن تتوقف عن البكاء، غير أن بكاءها لم يعد إعلانًا عن نهاية العالم، بل دليلًا على أن في العالم بقية من إحساس لم تنجح القسوة في إخماده. أما وسام هاشم، فلم يكن في حاجة إلى أن يصبح بطلًا أسطوريًا كي تستحق تجربته الحكاية، لأن البطولة التي يصنعها الشعر أحيانًا أشد تواضعًا وأعمق أثرًا، وهي أن يظل الإنسان قادرًا على رؤية زهرة في مكان لا يسمح للأزهار بالنمو، وأن يحتفظ بدفء امرأة في غرفة يملؤها الثلج، وأن يتذكر جدته دون أن يحولها إلى تمثال، وأن يواصل السخرية من حياته حتى حين تضيق به، وأن يعرف أن الكتابة لا تمنح الخلود لأحد، لكنها تستطيع أن تؤخر موت بعض التفاصيل في ذاكرة الآخرين. وفي اللحظة التي بدأ فيها الصباح يفتح عينيه على المدينة، اقترب الطفل من القارب ورسم له مجدافًا جديدًا، ثم رسم في داخله امرأة بعباءة سوداء، لكنه لم يرسم لها وجهًا، فقد ترك مكان الوجه أبيض كي تستطيع كل ذاكرة أن تضع فيه من فقدته، وحين انتهى رفع الورقة أمام النافذة، فحدث ما لم يكن ينتظره أحد، إذ لم يتحول الرسم إلى هور كما حدث في القصيدة القديمة، ولم يخرج القارب من الورقة، ولم تعد الجدة من غيابها، وإنما انحنى الثلج نفسه فوق الزجاج، وبدأ يرسم بغداد من ذاكرته، شارعًا شارعًا، وبيتًا بيتًا، ووجهًا وجهًا، حتى امتلأت النافذة بمدينة كاملة لا تستطيع الشمس محوها بسهولة. وعندئذ اكتشف الرجل أن النسيان الذي ظل يشتريه طوال تلك السنوات لم يكن قد وصل إلى غرفته أصلًا، وأن العلبة التي ظنها ممتلئة به كانت فارغة منذ البداية، وأن القارب الصغير لم يأت ليحمله إلى الماضي، بل ليخبره أن الماضي لم يتوقف يومًا عن الإبحار نحوه. ثم سقطت من السماء ندفة ثلج واحدة، لم تكن بيضاء هذه المرة، بل بلون طين دجلة، وحين لامست الورقة تحولت إلى قطرة ماء، ثم إلى عين، ثم إلى دمعة، ثم إلى طفل يمد يده نحو علبة الألوان. ولم يبق في الغرفة سوى سؤال واحد، لم ينطقه أحد، لأن الجواب كان يتحرك بالفعل على الورقة: ماذا يفعل الإنسان حين يكتشف أن كل الذين فقدهم ما زالوا ينتظرون منه أن يكمل رسمهم؟ وفي الخارج كان الثلج يواصل هبوطه فوق المدينة الدنماركية، لكن الندفات التي لامست نافذة وسام هاشم لم تعد تسقط إلى الأرض، بل أخذت ترتفع ببطء نحو السماء، كأنها عثرت أخيرًا على الطريق الذي ضاع منها، وكأن الجنوب الذي ظل الرجل يحمله في داخله قرر أن يغير اتجاه الفصول، وأن يرسل إلى الشمال رسالته الأخيرة، لا مكتوبة بالحبر، ولا مختومة بالشمع، وإنما محمولة على جناح قطة صغيرة خرجت من رسم قديم، وتعلمت بعد عمر طويل من البكاء أن تموء، غير أنها حين فتحت فمها لم يخرج منه صوت قطة، بل صوت جدة تنادي حفيدها من الضفة الأخرى للماء. وكان ذلك كافيًا لكي نفهم لماذا لم يتوقف الطفل عن الرسم، ولماذا لم يستطع الرجل أن يتعلم النسيان، ولماذا لا تموت المدن كلها حين يغادرها أبناؤها، فبعض المدن تظل حية لأنها تسكن في شخص واحد يرفض أن يطفئ نافذته. وحين أشرقت الشمس، ذاب الثلج عن زجاج الغرفة، واختفت بغداد المرسومة عليه، وعاد كل شيء إلى مكانه، السرير والكرسي والطاولة وعلبة السجائر، إلا القارب، فقد بقي على حافة النافذة، صغيرًا بما يكفي ليدخل في راحة اليد، وكبيرًا بما يكفي ليحمل مدينة بأكملها. وعندما اقترب الرجل ليراه، وجد في قاعه ورقة مبللة كُتبت عليها جملة واحدة بخط طفل لم يتعلم بعد كيف يكتب الوداع:

لم تكن جدتي هي التي عادت من الموت، بل كان الموت هو الذي عجز عن إخراجها من رسومي.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
قراءات

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي إسماعيل نوري الربيعي ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض…

· 11 د