تندرج رواية "وهل من فرق؟" للسوري مچو ويس ضمن الأدب الغاضب الذي يبحث عن فرصةٍ للتخلّص من القلق، وفرصةٍ لمحو الذاكرة، في الوقت الذي يعيش فيه محاولة استنهاض هذه الذاكرة لتمنحه فرصة التقاط الأنفاس. فالرواية تستعرض عوالم نفسية وذكريات عميقة تتأرجح بين الواقع والماضي، حيث يغوص البطل "سوار" في استعادة تفاصيل دقيقة من طفولته وحياته في مدينة الرقّة، مستحضرًا صورًا لشخصيات محلية وظروف اجتماعية معقّدة، وما خلّفته تلك اللحظات المبكّرة من آثار وانطباعات عميقة على كينونته وعلاقاته اللاحقة. وتتداخل هذه الذكريات مع واقعه الجديد في هولندا، ومقابلات العمل التي يخوضها، وتجربته مع العزلة، والبحث عن الهوية والذات وسط صراع دائم بين محاولة التخلّص من القلق ومحو الذاكرة، وبين الرغبة الملحّة في استنهاضها لالتقاط الأنفاس وفهم تحوّلات الحياة.
فاعلية العنوان في إنتاج الحكاية وهدم الثنائيات
يلعب العنوان دورًا مهمًا في ترويج ثنائيات الرواية: الماضي والحاضر، الغضب والخوف، الترقّب والتيه، الواقع والذاكرة، الشرق والغرب، أو حتى الحقيقة والتوهّم. إنه يثير الشكّ ويقوّض اليقينيات المطلقة، ويظهر بوضوحٍ كعنصرٍ محوري، ونافذةٍ تأويليةٍ عميقةٍ تسهم في توجيه الفكرة العامة وإنتاج بنية الحكاية. فالعنوان سؤال، والرواية تنبني على متّكئاتٍ فلسفيةٍ يقودها السؤال ذاته، لذا تضع استفهامية العنوان القارئ والشخصيات أمام حالة من التساؤل المستمر حول الثنائيات التي تحكم الحياة.
وينعكس العنوان على الصراع الداخلي والنفسي في الرواية من خلال تمزّق البطل "سوار" بين أزمنة وأمكنة مختلفة، حيث يتحوّل إلى لازمةٍ تعبّر عن حيرةٍ الإنسان المغترب في إيجاد الفروق الجوهرية بين معاناته القديمة وتحدياته الجديدة، أو بين ما كان يعيشه وما بات يتخيّله. ويسهم بذلك في صياغة حبكة تقوم على المفارقة وهدم الصور النمطية، مثل مقارناته المستمرّة في مقابلات العمل، أو علاقاته العاطفية، أو تداعي الذكريات مع صديقه صبري، ليعبّر عن عبثية التمايزات الفوقية أو الطبقية أو حتى الثقافية، وكأن العنوان رسالة مبطّنة بأن الأوجاع والنزعات البشرية تتشابه بغض النظر عن الأسماء والأشكال.. لذا نجد أن صدى العنوان يظهر كذلك في الداخل، رغم أنه عتبة نصية خارجية، إذ يتجسّد تأثيره عبر الحوارات الداخلية (المونولوجات) وحوارات السكارى والسخرية العبثية التي تتردّد كلازمة تعكس فحوى الرواية وفكرتها. وقد ترد فاعلية العنوان عبر حوار:
"- وهل حياة متواضع مثلي.. مع زوجةٍ أصيلة المنبت مثلها.. مريحة أكثر.. أم العيش وحيدًا؟
-وهل هو من فرق؟
وثار الفاهان في ضحكٍ هيستيري وكأنهما بركانان ينشطا منذ عهود" ص (103).
فالعنوان يعايش المفارقة والمقارنة المكانية الجغرافية بين بيئتين كالسورية وهولندا، أو الشرق والغرب، فهو لا يسأل عن الفرق المادي الظاهري بين الأماكن، بل يناقش الفرق الوجودي والنفسي بين المصائر الإنسانية. فضلًا عن فاعليته اللغوية وبنيته النحوية بوجود واو العطف ("وهل من فرق؟")، فتكمن فيها الأسرار الدلالية والبلاغية للعنوان على النحو الآتي:
أولًا: فاعلية واو الاستئناف/العطف: فهي واو الربط والامتداد النفسي، إذ لم يبدأ العنوان بأداة الاستفهام مباشرة "هل من فرق؟"، بل بدأ بواو العطف، التي توحي بأن التساؤل ليس معزولًا، بل هو امتداد لحوار طويل وهواجس تسبق النص وترافق البطل. كأن الرواية تقول: "وبعد كل ما جرى، وبعد هذا الانتقال الطويل بين الأمكنة.. وهل من فرق؟". وبذلك تربط الواو بين حالتين أو زمانين أو بيئتين، فتدمج ماضي الشرق بحاضر الغرب وتلغي الفاصل الزمني والمكاني بينهما.
ثانيًا: الفاعلية البلاغية لأداة الاستفهام "هل": فهي هنا إنكارية/تعجبية، تفيد النفي الضمني والتعجّب العبثي. وليست استفهامًا استخباريًا يبحث عن إجابة علمية أو تحديد لفروق دقيقة، بل هي صرخة سخرية واستسلام في آن واحد.
ثالثًا: تكافؤ المآسي: تقودنا "هل" الاستفهامية إلى أن الفروق التي نتوهّمها أو نصنعها لأنفسنا في محاولة الهروب والنجاة قد تكون فروقًا واهمة؛ فالألم والتمزّق النفسي لا يرتبطان بالضرورة بالمكان. لهذا تصبح الـ"واو" و"هل" وسيلتين لتقويض الفواصل بين الحالات المتقابلة، وتتحوّل العبارة إلى لازمة فلسفية تختزل عبثية الوجود الإنساني في الاغتراب.
فاعلية البيئة في تشكيل اللعبة السردية
تؤدّي البيئة، سواء أكانت مكانية أم اجتماعية أم سياسية، دورًا محوريًا في صياغة اللعبة السردية وتشكيل الفحوى الكلي للرواية، فالأثر البيئي واحد من أهم مرتكزات الروي بجميع مفاصله، سواء في الحكاية أو الفكرة أو اللعبة التدوينية وتفاعل الشخوص. ويمكن إبراز أثرها في السياق الروائي عبر عدة أبعاد أساسية:
أولًا: ثنائية الاغتراب والتحولات بين البيئة الشرقية والبيئة الغربية: وتعنى بانتقال "سوار" من بيئته الأولى المشحونة بالذاكرة القاسية والحروب والملاحقات الأمنية والقيود العشائرية والاجتماعية في الشرق، مثل تفاصيل الحياة في مدينة الرقة، إلى البيئة الأوروبية الهادئة والفردية في هولندا. وينعكس هذا التباين على سلوك الشخصيات وطريقة تفكيرها، إذ تتحوّل البيئة الجديدة إلى مساحة للتأمل والمراجعة، لكنها تظل محمّلة بظل الذاكرة الثقيلة.
ثانيًا: البيئة كمحرّك للقلق ومحو الذاكرة: تفرض البيئة الشرقية المأزومة، بما فيها من صراعات وقمع وتفاصيل عشائرية وتقاليد صارمة، ضغوطًا نفسية تندرج ضمن "الأدب الغاضب"، وتدفع الشخصية إلى محاولة التخلّص من القلق ومحو الذاكرة. وفي المقابل، تمنح البيئة الأوروبية مساحة هادئة تتيح استنهاض الذاكرة القديمة ومحاكمتها، ليعيش البطل صراعًا بين الهروب من ماضيه والتماهي مع واقعه الجديد.
ثالثًا: البيئة الاجتماعية والمكانية كفضاء للتكشّف والصراع: تلعب الأمكنة الضيقة والفضاءات اليومية، مثل أزقة الحي والبيوت المتلاصقة والشوارع ومقرات العمل في هولندا، دورًا في كشف التناقضات الإنسانية. فالبيئة الشعبية القديمة كانت تحكمها الأعراف والعيوب والمحرمات، مثل قصة جميلة ونجلاء والضغوط العشائرية، بينما تضع البيئة الحديثة البطل وجهًا لوجه أمام أفراد يعيشون فردية مطلقة وحرية مقنّنة، مما يبرز التفاوت الفكري والنفسي ويدفع الشخصيات إلى طرح التساؤلات الوجودية التي يعكسها عنوان الرواية "وهل من فرق؟".
فالبيئة الشرقية الأولى، سورية، بما فيها فروع الأمن والحي الشعبي، تكشف عن جانب من الخوف الذي عاشه "سوار":
"ومنذ الساعة السابعة من تلك الأمسية وإلى اليوم الذي تركت فيه ذلك البلد الملعون بسبب الحرب وأنا أشعر بالخوف وعدم الأمان يجري في عروقي من ناحية، وأنه لا بد أن أكون كالفأر صغيرًا ورشيقًا أُتقِن لعبة الهروب من القطط الشرسة من ناحية أخرى. لقد دخلت فروع المخابرات أربع مرات دون تهمة..." ص (39).
أمّا البيئة الأوروبية التي مثّلتها هولندا، بما فيها المحطة ومقر العمل والشوارع، فتمثّل الفضاء الجديد الذي انتقل إليه سوار، حيث تتسم بالفردية والهدوء الظاهري والمواقف التي تثير تساؤلاته الوجودية والاجتماعية.
ويظهر ذلك في:
"تعرّّف سوار على إنغريد في السنة الأولى له في هولندا، كان يلتقي بها ويتحدث معها كثيرًا؛ في البداية لممارسة التواصل اللغوي الشفهي، وكُوفِئ لاحقًا باستمراره كصديق لها، فسرَّهما هذا الاستمرار في التواصل..." ص (140).

الحكاية بين الذاكرة والاغتراب وفاعلية الشخوص
الحكاية عن مهاجر، عن بيئتين مختلفتين، وعن صراع نفسي وبحث عن الاستقرار؛ العودة إلى المكان الأول وصراع الشباب، ثم انتقال المهاجر إلى البحث عن بقية العمر. فتكون عملية الاسترجاع الذاكراتي هي المهمة، وما بين الهدوء والعواصف، والأمان والخوف، تأتي الرغبة في محو الذاكرة من خلال إعادة ترتيب أوراقه، والدخول في علاقات جديدة، والحصول على وظيفة، دون أن تفارقه الذكريات شاء أم أبى:
"حين أشارت له جميلة أن يأتيها بعد أكل لفَّته صار الولد يقضمها بشيء من العجلة ودنا منها. كانت جميلة واقفة على الباب وتقبض على شيء ما في يدها، كادت تخاطبه كعادتها في الخارج لكنها تردّدت هذه المرة ودَعته إلى الداخل، ثم دخلت إلى فناء البيت فلحقها الولد فأدارت الفتاة الباب خلفها نصف إغلاقة" ص (59).
لهذا، فإن الحكاية، وهي تنمّي المكانين، تجعل الشخوص الذين يؤدّون الأدوار موزّعين بين شخصيات رئيسية وثانوية أسهمت في تحريك الحبكة وتعميق الأبعاد النفسية والاجتماعية للبطل. ومن أبرز الشخصيات:
أوّلًا: سوار: البطل الراوي والشخصية المحورية في الرواية، وهو شاب خمسيني اغترب إلى هولندا، يعاني من توتر دائم وقلق وجودي، ويمارس التأمل والشرود واسترجاع الذكريات والماضي بين الشرق والغرب، ويمتلك هواجس فكرية وثقافية واسعة.
ثانيًا: صبري: صديق الطفولة المقرّب لسوار، تقاسما مقاعد الدراسة والخدمة العسكرية، ومرّ بتجربة زواج مريرة قبل أن يقرر الانفصال والعودة النهائية إلى وطنه (كوباني) ليعيد بناء حياته على طريقته.
ثالثًا: الدكتور فايز إسكندر: أستاذ سوار العجوز في الجامعة في تسعينيات القرن الماضي، الذي ترك له رسالة غامضة بمثابة "شرارة البلاتين" فجّرت طاقة الكتابة والإبداع لديه وأثّرت عميقًا في مسيرته.
رابعًا: بيترا: سيدة أوروبية يلتقي بها سوار، وتربطه بها علاقة معقدة تتأرجح بين الإغواء والفضول النفسي، وتتميز بآرائها المرنة وموقفها من زوجها.
خامسًا: فينسنت: المراقب الأكاديمي الذي شارك في لجنة المقابلة الوظيفية لسوار، توطدت العلاقة بينمها في اللقاء الأول (يبدو أنه اللقاء الوحيد).
سادسًا: إنغريد وألبيرت: صديقان لسوار، وإنغريد هي التي اقترحت عليه فرصة العمل، ويعيشان معًا في إطار علاقة غير تقليدية رغم انفصالهما الرسمي.
سابعًا: إيفا: زميلة جديدة في محيط العمل، تلتقي بسوار وتتحدث معه عن تجاربها واستكشافها لميولها الشخصية.
ثامنًا: شَپول وسَوْلي: شخصيتان نسائيتان، تتردّدان في ذاكرته عبر تفاصيل العلاقات المعقدة والغيرة والصراع العاطفي.
تاسعًا: جميلة ونجلاء: شخصيتان من ذكريات الطفولة في أحد أحياء الرقة، ترتبط بهما ذكريات سوار المبكرة المتعلقة بالفضول واكتشاف الجسد والغرائز البريئة.
عاشرًا: هانو: زوجة سوار الراحلة في مرحلة الشباب، والتي انتهت علاقتها به بعد صراع طويل حول الإنجاب ومرضها بالسرطان.
الفكرة بين الذاكرة والاغتراب وعبثية الفروق
يبدو السؤال الذي يطرحه المتلقّي موازيًا لسؤال الرواية، ما الفكرة التي ارتكزت عليها الرواية؟ وماذا تريد أن تصل في الإجابة عن سؤالها الرئيس؟
تقول الإجابة إن الرواية ارتكزت على فكرة جوهرية تتمثّل في جدلية الذاكرة والاغتراب، والبحث المستمر عن الهوية والفرق بين الماضي والحاضر. لذا فإن ما تريد أن تصل إليه يتصل بما يأتي:
أولًا: تفكيك ثنائية المكان والزمن (الشرق والغرب): حيث تسعى الرواية إلى الإجابة عن سؤال الاغتراب الإنساني، فالإنسان المهاجر يحمل معه إرثًا ثقيلًا من الذكريات والخوف والندوب النفسية الناتجة عن الحرب والقمع والقيود الاجتماعية في الشرق، ليصطدم ببرودة الفردية والواقعية في الغرب الذي تمثله هولندا. والهدف هو بيان أن الجغرافيات تتغير، لكن الأزمات النفسية والوجودية تظل تلاحق الإنسان أينما ذهب.
ثانيًا: صراع الذاكرة والنسيان: تطرح الفكرة تساؤلًا حول قدرة الإنسان على التخلّص من قلقه عبر محو الذاكرة، لتثبت الرواية في النهاية عكس ذلك؛ فالذاكرة لا يمكن طمسها بالكامل، بل إن استنهاضها، على الرغم مما تكتنفه من ألم وتناقضات، هو السبيل الوحيد لالتقاط الأنفاس وفهم الذات والمصالحة معها.
ثالثًا: عبثية التمايزات المطلقة التي يمنحها جوهر العنوان: حيث يريد الكاتب إيصال دلالته، وهي دعوة للتأمّل في عبثية الفروق التي يصنعها البشر، سواء بين الماضي والحاضر، أو بين الفئات والطبقات والعلاقات، ليتكشف في النهاية أن تفاصيل الألم البشري والانكسارات والبحث عن الحب والسكينة متشابهة، ولا فرق فيها، بغض النظر عن اختلاف الأمكنة والأقنعة.
تعدّد المستويات السردية وتداخلها
إن فصول الرواية السبعة الرئيسية، بالإضافة إلى "استهلال" في البداية و"خاتمة" في النهاية، حملت عددًا من المستويات الكتابية التي تتداخل في كثير من التفاصيل داخل المتن السردي، لتمنح الرواية عمقًا وتنوعًا، وهي:
أولًا: المستوى الإخباري: ويتمثّل في نقل الأحداث الواقعية والتنقلات المكانية، مثل السفر والانتقال بين محطات القطار وتفاصيل مقابلات العمل، ووصف الأماكن والأشخاص، كشخصيات إيفا وفينسنت وإنغريد.
ثانيًا: المستوى التصويري الحسي والتشكيلي: وقد اعتمد على رسم المشاهد ببروز حسي دقيق، مثل استرجاع تفاصيل الطفولة في الحي الشعبي، ومشاهد رصد الفتيات، ووصف الطبيعة، وتدفّق الذكريات البصرية والحركية، مثل مشاهد الشارع والقطار.
ثالثًا: المستوى التأويلي النفسي والدلالي: حيث ظهر بوضوح في محاولة البطل "سوار" تفسير خبايا سلوكيات المحيطين به، وتحليل دوافعهم الخفية، وقراءة ما بين السطور في العلاقات الإنسانية المعقّدة.
رابعًا: المستوى القصدي الدرامي والحدثي: وهو المرتبط بتوجيه الحبكة نحو أهداف معينة، مثل التجهيز للقاءات كعشاء بيترا أو لقاء صبري، ودوافع السفر والارتباط والانفصال.
خامسًا: المستوى الفلسفي الوجودي والتأملي: وهو الطابع الطاغي على النص، والذي غالبًا ما يكون مدعومًا بالمستوى التصويري، كون الرواية ليست مجرد سرد لحكاية تقليدية، بل تتحول إلى رواية سيرية، وعمل فكري يغوص في أسئلة الهوية.
"شربا الشاي صامتين، تارةً ينظر السيد فينسنت خارج النافذة وكأنه وحيدٌ في الغرفة، وتارةً أخرى يبتسم في وجه سوار دون كلام" ص (43).
وهنا تنقلب خلال أجزاء من الثانية المعادلة:
"- إن حصلتَ على العمل يا سيد شيخو، وهذا ما أتمناه شخصيًا، فربما لن نلتقي ثانيةً، إذ إن هذا يوم دوامي الأخير هنا" ص (44).
شعرية اللغة ونزعتها الفلسفية
تميّزت لغة الرواية بكونها مزيجًا متداخلًا يجمع بين الجوانب الشعرية والنزعة الفلسفية، فلم تكن مجرد أداة محايدة لنقل الحكاية، بل كانت فضاءً تعبيريًا نابضًا بالحياة والفكر، وترتكز فاعليتها على جانبين رئيسيين:
الأول: الجانب الشعري، التأملي والوجداني: حيث انطلقت اللغة في جوانب عديدة نحو آفاق شعرية وتصويرية عالية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالاسترجاع والحنين وتدفّق الذكريات ووصف الطبيعة أو مشاعر الحب والانكسار. وتتجلّى هذه الشعرية في تدفّق الجمل بوصفها نغمات موسيقية داخلية، مثل تشبيهاته لتدفّق الذكريات ووصفه لحركات الشخصيات:
"آمل يا بنيَّ أن تفعل هذه الرسالة فعل شرارة البلاتين في تفجير طاقة الكتابة لديك، هذا إن لم تكن قد تفجرت من قبل، وأن تتجرأ على حمل القلم وتُطلق العنان لأحاسيسك وتعبّر عنها على الورق." ص (11).
الثاني: الجانب الفلسفي، التحليلي والوجودي: حيث اقتربت اللغة من النبرة الفلسفية والتفكير النقدي المعمّق. فالبطل "سوار" ليس راويًا تقليديًا، بل هو مفكّر ومراقب دائم لسلوكه وسلوك الآخرين، لذا تغلب على لغته التساؤلات الوجودية الكبرى حول الحرية والاغتراب وعبثية العلاقات وطبيعة التناقض البشري بين الشرق والغرب. وتظهر الفلسفة واضحة في المونولوجات الداخلية الطويلة، مثل تأملاته حول جدوى المال والتسلّط ومعاني العلاقات الزوجية، وتحليله البارد والمحايد للمواقف المعقّدة:
"أتذكر أنها ردّت عليَّ ذات مرة بأن الأرائك جديدة وتأمل أن تكون ذات جودةٍ أفضل من سابقاتها وأن تصمد لفترة جيدة تحت مؤخرات الزبائن. أخبرتها بحاجتي إلى صينية بايركس." ص (123).
وهو ما يعني أن اللغة في الرواية هي لغة فكرية متأملة تتشح بروح شعرية، تزاوج بين عمق الفيلسوف الذي يفكك دوافع النفس البشرية ويطرح الأسئلة الصعبة، ورقّة الشاعر الذي يلتقط التفاصيل الدقيقة للألم والذاكرة والجمال.
تداخل الكابوس والفلسفة في بناء الرواية
لقد أنعشت الكابوسية الجوانب الفلسفية في الرواية، والعكس صحيح، إذ تطغى الحالة الفلسفية والتأملية بشكل واضح مقارنة بالسرد القصدي التقليدي، ويمكن تبيان ذلك من خلال الآتي:
أولًا: الاستغراق في الجوانب الكابوسية: وتتجلّى في الأجواء العامة للرواية، وتحديدًا في الأحلام المتكررة والمزعجة التي ترافق البطل سوار:
"حلم سوار في البداية أنه يقود سيارة 'لاندروفر' خضراء اللون بلا فرامل، يتوفر داخلها مقعدٌ واحد هو مقعد السائق، لكنه يفتقر إلى مسند الظهر." ص (79).
ثانيًا: غلبة الحالة الفلسفية: حيث تحولت الرواية في معظم مفاصلها إلى منصة للتأمل الفلسفي والوجودي، فالأحداث اليومية البسيطة، كركوب القطار وصعود الدرج وشرب القهوة أو إعداد وجبة لازانيا، تُستغل لتوليد أسئلة كبرى حول معنى الحياة، وعبثية التمايزات البشرية، وأزمة الإنسان المهاجر بين الشرق والغرب، والطبيعة الازدواجية للإنسان، وجدوى الذاكرة والنسيان:
"أوحت لي الصورة أنها تتميز بشخصيةٍ منطوية على نفسها رغم أن سلوكها يخالف ذلك، أوشكتُ على البكاء وأنا أدقق النظر في الوضعية التي اتخذتها وهي ترخي ذراعيها على كتفَي زوجها الذي لا يظهر إلا ربع وجهه، ما منعني من التعرف عليه. تعمقتُ في التفكير بالبشر وأنا أنظر إلى الصورة؛ كل النساء المتزوجات يحلمن بارتداء الأبيض في هذا اليوم." ص (132).
ثالثًا: السرد الحكائي: لم يعتمد على تصاعد الأحداث الخارجية، بل كان رحلة في سبر أغوار النفس البشرية المأزومة وتأملاتها الفلسفية والكابوسية، حيث غلبت الحالة الفكرية والنفسية على حبكة الواقع المعاش. لذا كان الاستغراق في الحالة النفسية والمونولوج الداخلي المقلق للبطل "سوار" واضحًا منذ البدء:
"حدث هذا قبل أيامٍ عديدة من الآن، ومنذ ذاك الحين والهواجس تسحرني وتتكاثف في مخيلتي وكأنني استحلت إلى روح ممسوسةٍ لا حول لجسدي في أمره ولا قوة. بدأ يضيق بي المكان فأتيه ويتثاقل عقلي في دهاليز الأفكار. صرت أعيش ثمالةً مستديمةً في فراغٍ هلاميٍ يلعب به الأثير كيفما شاء." ص (11).
النهاية وترابط العلاقات
لم تكن النهاية فارغة، ولم تأتِ محمّلة بمصادفات عابرة، بل جاءت من يدٍ تجيد لعبة الروي، فبدت متماسكة تتلاحم فيها البيئة والحكاية ودلالة العنوان، على النحو الآتي:
أولًا: الترابط مع البيئة:
يبدو ذلك في المشهد الأخير، حين يخرج "سوار" إلى حديقة منزله في المهجر الأوروبي، ليشهد برودة الطقس والصقيع على الحجارة، ويدخل في حوار عابر مع جاره "بيتر" الذي يلاحظ قلقه ويقترح عليه تعديل قصته. وهذه البيئة الباردة والهادئة تعكس حالة الانفصال والاغتراب المكاني، وتمثل في الوقت ذاته الفضاء الذي أفرز هذا النص الروائي بوصفه مهربًا وملاذًا نفسيًا أخيرًا.
ثانيًا: ترابط النهاية مع الحكاية:
تتجسّد ذروة الحكاية من خلال محاولة البطل التخلص من وطأة "صندوق الذكريات" والعلاقات المعقدة والشؤون العاطفية المتاهة، مثل قصته مع سَوُلي وبيترا، ليعلن اكتفاءه من الهروب، حيث يختار إغلاق باب الذكريات ورمي مفتاحها، محاولًا الوصول إلى الاستقرار النفسي بعد رحلة شاقة من التنقيب في الذاكرة ووعورة الأحداث.
ثالثًا: ترابط النهاية مع العنوان الرئيس:
تتصل النهاية بالعنوان العبثي والفلسفي بشكل واضح، فبعد كل هذا الصراع الطويل بين الشرق والغرب، والماضي والحاضر، وتناقضات النفس البشرية، يدرك الإنسان في نهاية المطاف عبثية الفروق والتعقيدات التي نرهق بها أرواحنا. إن اقتراح الجار "بيتر" تعديل القصة لإنصاف الشخصيات، يقابله رفض "سوار" لأنه "تدمير كيانٍ كامل"، ليؤكد أن آلام البشر وأسئلتهم الكبرى تظل متشابهة، لا فرق فيها، تمامًا كما تختزل العبارة:
"ربت على كتفي وقال:
- إذن فلتعبث بمئات الشخصيات في قصصك مقابل أن يرتسم على وجهك الابتسام. أغرب بشرب القهوة معك فهل لديّ وقت لذلك؟" ص (188)







التعليقات