انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

البحث عن الذات والحب والهوية في رواية (أسلاك شائكة) للأديبة (سعدية خليفة)

د. طارق إبراهيم الشناوي
د. طارق إبراهيم الشناوي

ناقد وأديب مصري

8 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
البحث عن الذات والحب والهوية في رواية (أسلاك شائكة) للأديبة (سعدية خليفة)
مشاركة:

فكرة الرواية والبناء الدرامي والشخصيات:

حسين، الراوي الأوحد، صحفي حوادث من مواليد أوائل الثمانينيات، يسكن في منطقة شارع 45 بالإسكندرية. يعيش حسين وحيدا، لا يكاد يتذكر والده الذي غرق وهو عائد من عمله في الخليج في حادثة العبارة سالم إكسبريس عام 1991، ارتبط بعدها بأمه (وفية) والتي ماتت هي الأخرى وتركت له مذكراتها.

وفية، أم حسين المتوفاة، نتعرف عليها شيئا فشيئا كلما يقرأ حسين فصلا من مذكراتها، والتي تحكي فيها كيف تزوجت (جمال)، الشاب الصعيدي، أحد الجنود الذين حاربوا وانتصروا في أكتوبر، والذين عادوا ليجدوا أنفسهم مهمشين في بلدهم الذين حاربوا من أجله، ومع سياسات السلام مع العدو، والانفتاح الاقتصادي، اضطر (جمال) للسفر للعمل بدول الخليج، ولكنه غرق في رحلة عودة من جدة على متن العبارة سالم إكسبريس.

رضوى، صديقة وفية، تزوجت جارهم (علي) الذي سافر للعمل في العراق، ورجع في نعش طائر. أم (مهاب)، صديق حسين الذي اختفى وهو طفل. تؤمن رضوى بعودة ابنها مهاب في يوم ما، وتوصي حسين بألا يتوقف عن البحث عنه.

سناء، صديقة وفية، عاشت قصة حب مع جارهم (أشرف)، الذي سافر هو الآخر للعمل في العراق. رفضت سناء الزواج في انتظار حبيبها الذي لم يعد، ثم سافرت للعمل مدرسة في الخليج.

عم إسماعيل بغدادي، واحد من جيل الأجداد، مؤسسي الحي وساكنيه الأوائل، مصاب بالهذيان، وتتداخل حكاياته عن الحروب، وعن بغداد التي عاش فيها وأحب إحدى نسائها، وعن الجنية الني تحبه وتعيش تحت الأرض. أودعه أبناؤه الذين يعيشون في أمريكا دارا للمسنين.

عم جمعة أبو ناصر، واحد من جيل أبطال أكتوبر، ووالد (حسام) و(أشرف) و(بهاء). توفي وترك مسئولية رعاية الأسرة لبهاء، بعد سفر حسام لأوروبا، وسفر أشرف للعراق.

عم جابر مرارة، واحد من جيل أبطال أكتوبر، وصاحب المقهى الذي يجتمع فيه أهل الشارع. يلجأ إليه سكان الشارع، وخصوصا القدامى منهم، لحل مشكلاتهم عرفيا. 

التاجر الثري (غانم) وزوجته (مفيدة)، حيث تمتزج الثروة بالثقافة الخليجية، والتي تبلغ إلى درجة أن تقوم (مفيدة) بتزويج زوجها من فتاة بكر سنويا، يطلقها بعدها، ويتزوج من غيرها. وتتولى الحاجة (مفيدة) إقامة دار للدروس الدينية للسيدات، وتحضر لهم شيوخ الفضائيات.

غالية، إحدى طليقات التاجر، والتي ترتبط بعلاقة جسدية مع حسين، قائمة على أن يشبع كل منهما حاجات الطرف الآخر الجنسية.

بهاء، الابن الأصغر لعم جمعة، وصديق حسين، يعمل في إحدى الصيدليات بوردية الليل.

سمية، ابنة شقيق سناء. ارتبط أبوها أثناء الحرب بصداقة قوية مع جمال والد حسين. شاركت سمية في الأحداث التي مهدت لثورة يناير، وشاركت فيها، رغم معارضة أبيها، الذي أرسلها لتعيش في الإسكندرية مع عمتها سناء، بعيدا عن أنشطتها الثورية في القاهرة.

منال، رئيسة تحرير الجريدة القاهرية التي يعمل حسين مراسلا لها.

البرنس وحسن، سائقا توكتوك تتركز منطقة عملهما في شارع 45، ويتقاطع مسار حياتهما مع حسين. 

الشخص الغامض، الذي يشبه (مهاب)، والذي يظهر لحسين في عدة مواقف، بصورة شبحية، بدون أن يستطيع حسين أن يتأكد من شخصيته.

 أهم الحوادث التاريخية التي ورد ذكرها في الرواية:

زيارة السادات للكنيست (مجلس النواب) في إسرائيل 1977، وصدمة المحاربين، إسماعيل وجمعة وجابر، وحيرة الأبناء بين سؤال الهوية والسلام مع العدو، وغياب أو تغييب القضية الوطنية، والبحث عن المصالح الشخصية. 

غرق العبارة سالم إكسبريس 1991 وغرق معها والد حسين.

زلزال 1992 وانهيار العديد من العمارات، ومن بينها بيت (سناء)، والتي دفن والداها تحت الأنقاض.

الوقفات الاحتجاجية أمام دار القضاء العالي لحركة كفاية ورموز القوى الوطنية احتجاجا على التوريث وقانون الطوارئ وتزوير الانتخابات 2010.

مقتل الشاب خالد سعيد في الإسكندرية على يد الشرطة 2010.

قيام الثورة في تونس ديسمبر 2010 وهروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي.

تفجير كنيسة القديسين في شارع 45 في الإسكندرية 2011.

مقتل الشاب السلفي سيد بلال في الإسكندرية بعد اعتقاله وتعذيبه على خلفية تفجير الكنيسة 2011.

حسن سائق التوكتوك في الرواية ينتحر بإشعال النار في نفسه (مقلدا بوعزيزي تونس) احتجاجا على قسوة معاملة الشرطة له والقبض عليه بلا سبب ومصادرة التوكتوك الخاص به.

قيام ثورة 25 يناير 2011.

تنحي مبارك

اختطاف الثورة من قبل التيار الديني

مقدمات ثورة يونيو 2013.

 أهم أحداث الرواية:

·موت الخالة رضوى ووصيتها لحسين.

موت (أشرف) في العراق ووصيته لسناء.

اكتشاف (سمية) وجود أخٍ لها من أبيها، وأن هذا الأخ انضم للجماعات المتطرفة، وتورط في قتل بعض النشطاء السياسيين، بل وكاد أن يقتل سمية نفسها.

قصة الحب التي تنسج خيوطها بين سمية وبهاء.

صة حب أخرى تنشأ بين حسين ومنال.   

عودة مهاب بشخصية جديدة، وتصدره مشهد ما بعد الثورة مع شقيق سمية.

البحث عن الذات والحب والهوية

في رواية (أسلاك شائكة) للأديبة (سعدية خليفة)

   عتبات النص

تمثل عتبات النص مدخلا لقراءة الرواية، وتتمثل في العنوان والغلاف والإهداء. وقد آثرنا في هذه القراءة أن نؤجل مناقشة عتبات النص حتى نستطيع أن نفكك خيوط الرواية ثم نعيد ترتيبها.

العنوان، أسلاك شائكة، إنها الأسلاك التي تحيط بمنطقة محرمة، محظورة، تمنع الاقتراب منها، وتجرح من يحاول الإمساك بها. إنها العقبات التي تقابلنا ونحن نبحث عن حقيقة ذواتنا، عن هويتنا، من نحن؟ من كان أهلنا، حقيقة؟ وحين يبدأ حسين في سبر أغوار الماضي، ويعلم من مذكرات أمه (وفية) ما قد ينير له طريقه المعتم، وبالرغم مما يتفاجأ به من أحداث تكشف عنها المذكرات، ولكنه يقول لنفسه في الصفحة 118: (لكن لا بأس ذلك خير من البحث المتوتر المحفوف بالأسلاك الشائكة والتي تلقي بنا إلى مسالك الخطر).

الغلاف الأمامي، يصور العبارة الغارقة وحولها ضحاياها الغرقى، تظهر هذه الصورة لحسين في خيالاته، هو الذي لم يركب البحر يوما، ولكنه غرق في دوامات وأفكار، كما يذكر الغلاف الخلفي، المقتطف من صفحة 68 من الرواية. حول العبارة الغارقة جثث الرجال الغرقى، ومن بينهم جمال والد حسين، بينما تستقر أحلامهم التي سافروا من أجلها في قاع البحر، سيارة، تلفاز، غسالة أوتوماتيك، دراجة لحسين، صورة شخصية في برواز، حقائب مغلقة، وصفحة من جريدة نشرت صور العبارة الغارقة. (هل ماتوا ضحايا أحلام الولدان؟ الولد الذي غرق بين ركام الاستفسارات والأسئلة، لا يزال يتقاذفه الموج، وتصدمه الصخور، وتسيل جراحه فتكتوي بالملح). 

الإهداء، أهدت الكاتبة عملها إلى (هؤلاء الذين أصادفهم فيعيشون في مخيلتي ويلهمونني حكاياتهم).

  البناء السردي

اعتمدت الرواية على تقنية الصوت السردي الواحد لرواية الأحداث، وعلى الرغم من أن الرواية طويلة، إذ تتجاوز 300 صفحة، إلا أن الكاتبة قد آثرت ألا تقسم الرواية إلى فصول، بل اعتمدت على الكتابة الانسيابية المتصلة، وربما أتت بحوار بين شخصيتين، أو جزء من مذكرات (وفية)، أو مونولوج داخلي لحسين، أو إحدى حكايات عم إسماعيل، أو أخبار ينقلها سائقو التكاتك، أو أخبار على شبكة الإنترنت. كل هذه التقنيات أكسبت العمل ديناميكية سردية، بأساليب مختلفة، مع بروز عنصر التشويق، مما يجعل القارئ أو المتلقي شغوفا لمعرفة ما سيحدث لشخصيات العمل.

 اللغة السردية

اللغة السردية فصيحة، تمتلئ بالتعبيرات الشاعرية والصور البليغة، إنها لغة شاعرة قررت أن تكتب الرواية بلغة شعرية، فلا هي لغة بسيطة مباشرة، ولا هي لغة متقعرة، ولكنها لغة الأدباء، لا لغة العامة. الحوار مكتوب في أغلبه بالعامية، ولكنها العامية التي تختلف باختلاف المتحاورين، حسين، بهاء، عم إسماعيل، سائق التوكتوك. فقط ما قد يؤخذ على اللغة السردية هو الجزء الخاص بمذكرات (وفية)، والمكتوب بلغة راقية قد لا تتوفر لسيدة بسيطة متوسطة التعليم.

 الفضاء المكاني والزماني:

الفضاء المكاني الأبرز هنا هو شارع 45 في منطقة شرق الإسكندرية، هذا الشارع الواسع الذي اكتسب اسمه كاختصار بين المهندسين الذين اختطوه بعرض 45 مترا، والذي يقطع منطقة العصافرة في الإسكندرية ويمتد حتى كورنيش ميامي على البحر. ترصد الرواية من خلال مذكرات وفية وحكايات عم إسماعيل وما يتذكره حسين من طفولته قصة الشارع والمنطقة، والتي بدأت بعدة بنايات صغيرة متواضعة تتكون من دور أو دورين، ينزح إليها الوافدين إلى المدينة الكبيرة الراغبين في سكن رخيص، ويمتلئ بخليط عجيب من العمال والفلاحين والمسلمين والمسيحيين والشباب والشيوخ والأطفال، ثم امتد العمران إلى المنطقة وإلى الشارع الذي يربط بين الطريق الدولي وبين الكورنيش، ونشطت حركة هدم البنايات الصغيرة وبناء أبراج سكنية شاهقة مكانها، ونشطت كذلك التكاتك كوسيلة مواصلات صغيرة ورخيصة تربط بين الشارع الكبير وبين ما حوله، وما أفرزته الظروف الاقتصادية والتحولات التي حدثت لسكان الشارع على مدى زمن الرواية، ربما منذ فترة ما بعد حرب أكتوبر واتفاقية السلام، وحتى ثورة 2011 ومقدمات ثورة 2013. هذه الفترة التي تمتد على مدى ما يقرب من أربعين عاما، عاش حسين بعضها، وعرف بعض أحداثها من مذكرات أمه (وفية)، ومن حكايا عم إسماعيل في دار المسنين، ومن سمية، والأهم أنه عرف الحياة الحقيقية من بهاء، ومن سائقي التكاتك، ومن زملاء الثورة.

 الأسئلة المفتوحة:

الرواية ترصد واقع وتطرح تساؤلات، تساؤلات حول البحث عن الذات، عن الهوية، من نحن؟ وهل نستطيع أن نتحمل الحقيقة، إذا عرفناها، بشجاعة؟ هل كان أبي بطلا؟ ثم من هو البطل؟ أهو الذي حارب من أجل الوطن؟ أم هو الذي ترك الوطن وسافر بعيدا ليبحث عن لقمة عيش له ولأسرته لم يجدها في وطنه. كيف أثرت ظاهرة هجرة الرجال المصريين إلى الخليج بعد حرب أكتوبر وسياسات الانفتاح الاقتصادي على تركيبة الأسرة المصرية؟ ما دور السيدات هنا؟ لقد تساوت الرؤوس، وصارت المتزوجة كالمنتظرة، فكلهن أصبحن بلا رجال. ما تأثير الثقافة الخليجية، نموذج التاجر (غنيم) وزوجته (مفيدة)، تزاوج المال والتدين الشكلي، وشيوخ الفضائيات الذين بدأ أحدهم كممثل مسرحي فاشل. قشرة التدين الشكلي التي يستغلها التجار وأصحاب المصالح ليحللوا لأنفسهم إشباع شهواتهم، والتي امتدت بعد ثورة 2011 مع ضعف القوى الوطنية التقليدية إلى محاولات الاستيلاء على السلطة. وفي وسط هذه الأسئلة، عن الهوية الذاتية والهوية الوطنية، تبرز أسئلة الحب. هل أحب حسين غالية؟ وهل أحبته؟ أم أن لقاءهما الجسدي كان للإشباع الجسدي فقط؟ هل أحب حسين سمية؟ وهل أحبته هي؟ هل نسج الحب خيوطه ببطء بين سمية وبهاء؟ هل يخشى كل منهما أن يصرح بمشاعره في ظل وجود حسين؟ هل شعر حسين بالحب فعلا مع منال؟ وهل سنرى جزءا ثانيا من الرواية، يبدأ مع أحداث 2013؟ 

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟قراءة  في مخرجات  مهرجان ميزوبوتاميا
قراءات

هل العالم بحاجة إلى الشعر؟ قراءة في مخرجات مهرجان ميزوبوتاميا

علي لفتة سعيد قد يبدو السؤال غير واقعي، أو كما يمكن أن يطلق عليه، سؤالًا بيزنطيًا. فالعالم يسير باتجاهاتٍ يعرف كلّ اتجاه منها طريقه، إلّا طريق الشعر والثقافة عموما. عالمٌ تتسارع فيه الحروب والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، فيما تبدو القصيدة كأنها تقف في زاويةٍ بعيدة، تراقب هذا التسارع وتحاول أن…

· 14 د
العين الشاخصة في عتمة الفناء:

أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمر)
قراءات

العين الشاخصة في عتمة الفناء: أنطولوجيا الحضور النذري في كنز( تل أسمر)

غالب المسعودي تعود المنحوتات الحجرية في مَدار هذا التحليل إلى الكشف الأثري البارز المعروف باسم "كنز تل أسمر"، الذي استخرجته بعثة التنقيب التابعة للمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو برئاسة عالم الآثار هنري فرانكفورت خلال موسم 1933-1934 في موقع "إشنونا" القديم (تل أسمار حاليًا) الواقع في حوض نهر ديالى شرقي…

· 9 د
دستوبيا علمية مصرية ... قراءة في رواية (العاصفة الشمسية) للأديب أحمد فوزي
قراءات

دستوبيا علمية مصرية .. قراءة في رواية (العاصفة الشمسية) للأديب أحمد فوزي

د. م. طارق إبراهيم الشناوي مقدمة: صدرت هذه الرواية عام 2026، وهي تنتمي إلى أدب الخيال العلمي، حيث تدور أحداثها في الفترة بين عامي 2045 و 2050. تبدأ أحداث الرواية وقد أصبحت الطاقة الشمسية تغذي العالم كله، وأصبحت أسعار الطاقة رخيصة للغاية، وأصبحت شبكات الطاقة الكهربائية في جميع دول العالم مربوطة…

· 9 د