
ما الذي يعنيه أن تكون كائناً على جسر؟ ألا يكون المرء هنا ولا هناك، أن يسكن المنطقة الحرجة بين وطنين لا يكتملان، أن يكون الماضي خلفك جرحاً يتقيح، والمستقبل أمامك سراباً يلوح؟ في قصيدته الاستثنائية، لا يكتب البشير عبيد عن الجسر بوصفه موضوعاً شعرياً، بل يبني بالكلمات جسراً ميتافيزيقياً نقف عليه نحن القراء، معلقين فوق هوة المعنى، لنكتشف أن العبور ليس حدثاً عابراً في حياة الكائن، بل هو شرطه الوجودي الأعمق.
إن أول ما يصدم المتلقي في هذا النص هو بنيته الزمنية المكسورة. القصيدة لا تسير في خط زمني مستقيم، بل تتحرك في دوائر متداخلة، تعود وتكرر وتلتف على نفسها، كأن الزمن نفسه قد أصيب بجرح نرجسي، فأخذ يعيد اجترار لحظة القطيعة الأولى. "انتصف الليل ولم يأت المدد" تتكرر مرتين، و"انتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل" تتكرر أيضاً، و"طلع النهار ولم يأت المدد" تختتم الدورة. هذا التكرار ليس عجزاً عن التقدم، بل هو إصرار على استعادة اللحظة الصادمة، محاولة لترويضها عبر إعادتها. نحن هنا أمام زمن أسطوري دائري، زمن الطقوس التي يجب أن تتكرر كي تمنح الوجود معناه، لا زمن التاريخ الخطي الذي يمضي نحو غاية. إن إيقاع القصيدة نفسها يصير جسراً، ذهاباً وإياباً بين الليل والنهار، بين الذاكرة والنسيان، بين المدد المأمول والخذلان الواقع.
ولنتأمل العبارة المفتاحية: "يرحلون باتجاه الغيم الآتي من ذاكرة القرى الهاربة من التيه". هنا تنفجر اللغة الشعرية عن طاقتها القصوى في خلق العوالم الموازية. التركيب النحوي نفسه يصنع متاهة: الغيم يأتي من الذاكرة، أي أن الغيم ليس ظاهرة مناخية بل حدثاً نفسياً جمعياً. والقرى تهرب من التيه، لا إلى التيه، كما لو كان التيه نفسه المكان الذي فروا منه، لا المكان الذي ضلوا فيه. ماذا يعني أن تهرب من التيه؟ أن تكون تائهاً وتريد الخلاص من التيه نفسه، لا من الضياع المكاني، بل من ضياع أعمق، ضياع الروح في متاهة الوجود. لكن الهاربين من التيه يحملون في الحقائب ذاكرة القرى، والغيم يأتي من تلك الذاكرة، أي أن الماضي لا يزال ينتج غيماً، لا يزال قادراً على الإمطار، على الخصب، رغم أنه ماضٍ هارب. هنا تتجلى جدلية مدهشة: الهروب من التيه هو تيه آخر، والبحث عن الخلاص يحمل بذور الضياع.
ثم نصل إلى الصورة المركزية التي تشتغل كمحور تدور حوله القصيدة كلها: "لم تكن الشفاه جاهزة للهمسات في الخامس من تشرين". ما الذي حدث في الخامس من تشرين؟ لا يهم. المهم أن شيئاً حدث جعل الشفاه غير جاهزة، جعل الكلام مستحيلاً، جعل الهمس الذي هو أكثر أشكال الكلام حميمية فعلاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى. الشفاه غير الجاهزة للهمسات هي استعارة كونية للصدمة التي تتجاوز قدرة اللغة على الاستيعاب. نحن هنا أمام ما يمكن تسميته بـ"القطيعة الأنطولوجية"، لحظة انفصم فيها عقد الزمن فانقسم إلى "قبل" لا يمكن استعادته و"بعد" لا يمكن تجاوزه. وفي هذه الفجوة بين القبل والبعد يقيم الجسر، وفي هذه الفجوة يكتب الشاعر، وفي هذه الفجوة نعيش جميعاً.
إن شخصية "الشيخ الضرير" في القصيدة ليست شخصية واقعية بقدر ما هي تجسيد للحكمة التي لا تحتاج إلى بصر، للحقيقة التي ترى بالقلب لا بالعين. حين "يباغتهم بالحكمة الباذخة: باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب"، فإنه يقدم نوعاً مختلفاً من الوجود، وجوداً مضاداً لمنطق العبور. الجميع يرحلون، لكن الشيخ يعلن البقاء. الجميع يحملون الحقائب، لكنه بلا حقيبة، لأنه هو نفسه صار حقيبة الذاكرة. الجميع يسكنون الزمن، لكنه يسكن المكان: "باقون هنا". هذه "الهنا" ليست مجرد ظرف مكان، بل هي إعلان ميتافيزيقي عن إمكانية الوجود في العالم دون هرب، عن التجذر كفعل مقاومة، عن المكان كجواب على سؤال التيه. والشجرة السامقة في الجنوب تصير نموذجاً للكائن الذي لا يتحرك لكنه يظل شامخاً، الذي لا يعبر الجسر لكنه يسكن الحقيقة. في جدلية العبور والبقاء تتأسس بنية القصيدة العميقة: هناك من يعبرون الجسر حاملين ذاكرتهم، وهناك من يبقون ليكونوا هم أنفسهم ذاكرة. الباقون يحفظون المكان، والعابرون يحفظون الزمان.
وإذا كنا أمام نص عن العبور، فلا بد أن نتساءل: ما الذي يعبره هؤلاء؟ إنهم لا يعبرون نهراً، ولا وادياً، ولا حتى حدوداً جغرافية. إنهم يعبرون "الجسر المتاخم للأنين ومتاهة المشهد". الجسر إذن هو المنطقة المجاورة للأنين، المنطقة الملاصقة للمتاهة. وكأن الأنين والمتاهة صارا جغرافتين، صارا مكانين يمكن أن تجاورهما أو تقطنهما. إنه الجسر بوصفه حداً فاصلاً بين عالمين من الألم: عالم الأنين الذي خلفوه، وعالم المتاهة الذي يتقدمون نحوه. العبور إذن ليس انتقالاً من الشقاء إلى السعادة، بل هو انتقال من نمط الشقاء إلى نمط آخر. ولهذا تحديداً يأتي ذلك البيت المدهش: "لعبور الجسر مباهج / ولاخضرار الروح طقوس وهواجس". كيف يكون للعبور مباهج؟ لأن العبور نفسه صار غاية، لأن الحركة ذاتها صارت معنى، لأن الانتقال الدائم صار بديلاً عن الاستقرار المستحيل. واخضرار الروح، هذه الاستعارة النباتية العميقة، لا يحدث فجأة، بل يحتاج إلى طقوس وإلى هواجس أيضاً. القلق جزء من النمو، والخوف علامة حياة، والهواجس دليل على أن الروح لم تمت.
في المقطع الذي يتدفق مفردات مقطوعة، نجد الشاعر يمارس تفكيكاً للعالم إلى عناصره الأولية: "الأحداق / الكوابيس / عشق الفتى للورقات المكتوبة بحبر / الانحياز". هذه ليست مجرد كلمات، بل هي مقولات وجودية. الأحداق تمثل الإدراك الحسي المباشر. الكوابيس تمثل اللاوعي الجمعي المثقل. عشق الفتى للورقات المكتوبة بحبر يمثل الإيمان بالكتابة كفعل خلاص، رغم كل شيء. الانحياز يمثل الموقف الأخلاقي في زمن الحياد. هذه المقولات الأربع ترسم خريطة للوجود الإنساني في لحظة الأزمة: الإدراك، فالخوف، فالإبداع، فالموقف. ثم تأتي المفردات التي تليها: "ذهاب العسكر إلى حروب عبثية / خروج الشبيبة من حدود بلاد غابت عنها أقواس الحقيقة". هنا ننتقل من الوجودي إلى التاريخي، أو بالأحرى نكتشف أن التاريخي ليس سوى تجلٍّ للوجودي. الحروب العبثية ليست أحداثاً عرضية، بل هي تعبير عن عبثية الوجود نفسه. وخروج الشبيبة ليس هجرة اقتصادية فحسب، بل هو فعل ميتافيزيقي: خروج من حدود بلاد غابت عنها أقواس الحقيقة. وما أعمق هذه الاستعارة! الحقيقة تحتاج إلى أقواس، إلى انحناءات، إلى مسارات غير مستقيمة، وحين تغيب الأقواس تغيب الحقيقة نفسها، فلا يبقى للشبيبة إلا الخروج.
ثم تتخذ القصيدة منعطفاً أسطورياً حين تقدم لنا "امرأة النور". من هي امرأة النور؟ إنها ليست شخصاً، بل هي تجسيد للذاكرة الجماعية، للقدرة على السرد، للحكمة الأنثوية التي تحفظ تاريخ القبيلة. وحين "نسيت أو تناست كيف تحكي لأولاد الزقاق العتيق ملحمة الأجداد"، فإن ما يحدث هو انهيار لفعل النقل الثقافي، انقطاع لسلسلة الحكي التي تربط الأجيال. امرأة النور التي تنسى الملحمة هي استعارة لأمة فقدت قدرتها على رواية نفسها لنفسها، فصارت غريبة عن ماضيها، تائهة في حاضرها، عمياء عن مستقبلها. "قبل هطول المطر الغزير وانسحاب الغزاة الشقر من لهيب المعركة" ـ هذه الإضافة الزمنية مذهلة في دلالتها، فكأن نسيان الملحمة حدث قبل أن تكتمل الملحمة نفسها، قبل أن ينتهي انتصار الأجداد، فبقي الانتصار غير مكتمل، وغير محكي، وغير معترف به. إنها مأساة الشعوب التي تنتصر في المعارك وتنهزم في الذاكرة.
ولعل أعمق ما في هذه القصيدة هو جدلية الفرد والجماعة. "فرادى يعبرون الجسر قبل مرور العاصفة". إنهم يعبرون فرادى، لكنهم جميعاً يعبرون الجسر نفسه. إنها العزلة المشتركة، الوحدة الجماعية، المفارقة التي تلخص شرط الإنسان المعاصر: نعبر معاً، لكن كل واحد منا وحيد. نحمل الحقائب نفسها، لكن كل حقيبة تحمل ذاكرة خاصة. نخاف العاصفة نفسها، لكن خوف كل منا يخصه وحده. ومع ذلك، في هذا العبور الفردي الجمعي، لا ينسون: "لم ينسوا ذاكرة القرى / حقيبة الشيخ الضرير / موسيقى الجاز / ثمار الحديقة المنسية / وصايا الأم للطفل الشريد / حكايا الصبايا في ليلة ماطرة". ما الذي يجمع هذه الأشياء؟ إنها كلها بقايا من عالم يتداعى، أشياء صغيرة حميمة تقاوم الفناء. موسيقى الجاز، هذا الفن الذي ولد من رحم المعاناة، تصير هنا شيئاً يحمل في الحقيبة. ثمار الحديقة المنسية تصير زاداً للعبور. وصايا الأم تصير بوصلة. حكايا الصبايا تصير أسطورة شخصية. العبور ليس سلوكاً عدمياً، بل هو عملية جمع للشظايا، محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطوفان.
في الختام، يصل النص إلى ذروته الفلسفية: "لا خوف للفتية من ضباع الشوارع / لا خوف للبلاد من ضباب مباغت..." ثم نقط النهاية المفتوحة. لماذا لا خوف؟ ليس لأن الخطر غير موجود، فالضباع موجودة، والضباب مباغت، والعواصف آتية. لا خوف لأن الخوف صار شيئاً متجاوزاً، لأن العبور نفسه صار مصدراً لشجاعة جديدة، لأن الفتية الذين عبروا الجسر وحدهم، حاملين ذاكرتهم، لم يعودوا هم أنفسهم. لقد غيرهم العبور، حولهم من هاربين إلى شاهدين، من تائهين إلى حاملين للحقيقة. والبلاد التي لا تخاف من الضباب المباغت هي بلاد تجاوزت الخوف، لا لأنها صارت آمنة، بل لأنها صارت تعرف أن الضباب سينقشع، وأن العابرين سيعودون، وأن الجسر سيبقى.
إن قصيدة البشير عبيد تقدم لنا، في نهاية المطاف، أنطولوجيا كاملة للعبور. العبور ليس حدثاً استثنائياً في حياة مستقرة، بل هو الشرط الإنساني الأساسي. نحن جميعاً على جسر، بين ماض لا نستطيع استعادته ومستقبل لا نستطيع ضمانه، حاملين حقائبنا المملوءة بالذكريات والأشياء الصغيرة والوصايا والحكايا. وفي هذا العبور الدائم، لا نملك إلا أن نستمر، فرادى وجماعات، نحو الضفة الأخرى التي لا نعرف إن كنا سنصلها أم لا. لكننا، كما يقول الشيخ الضرير، "باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب" ـ حتى ونحن نتحرك، نحن باقون. حتى ونحن نعبر، نحن متجذرون. هذه هي المفارقة الكبرى التي تكشفها القصيدة: العبور نفسه يمكن أن يكون شكلاً من أشكال البقاء، والحركة الدائمة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الثبات، والجسر المعلق فوق الفراغ يمكن أن يكون وطناً.
ولا تنفصل هذه القصيدة عن المسار الإبداعي لصاحبها، الشاعر التونسي البشير عبيد الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يرسخ حضوره في المشهد الثقافي العربي من خلال نشر مقالاته ودراساته النقدية وإبداعاته الشعرية في عدد من الصحف والمجلات والمنصات الفكرية العربية، الأمر الذي أكسب تجربته إشعاعًا عربيًا متناميًا، وجعل صوته الأدبي يحظى باهتمام النقاد والباحثين، بوصفه تجربة تجمع بين الحس الجمالي وعمق الرؤية الفكرية والإنسانية.
******
القصيدة:
وحدهم يعبرون الجسر
البشير عبيد – تونس
يرحلون بإتجاه الغيم الآتي
من ذاكرة القرى الهاربة من التيه
يحملون حقيبة تلو أخرى ذاهلين
من جدار عتيق تداعى
واحلام فتية تبعثرت في الروابي
لم تكن الشفاه جاهزة للهمسات
في الخامس من تشرين تأخذنا الخطى
إلى ينابيع الظلال
والشيخ الضرير يباغتهم بالحكمة الباذخة:
باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب
لأحفادنا بهاء الفكرة وكبرياء المعنى
العشاق لا تهمهم حرب هنا وعاصفة هناك
تلتقي الأجساد والأرواح في الضفة الأخرى
من ذاكرة النور
إنتصف الليل ولم يأت المدد
لا خوف لي من الأفق البعيد
الأحداق
الكوابيس
عشق الفتى للورقات المكتوبة بحبر
الانحياز
ذهاب العسكر الى حروب عبثية
خروج الشبيبة من حدود بلاد غابت عنها
اقواس الحقيقة
يرحلون إلى زمن تداعت فيه المرايا
وصارت نوافذ الضوء ملاذا
للعابرين
ربما نسيت أو تناست امرأة النور
كيف تحكي لأولاد الزقاق العتيق
ملحمة الأجداد قبل هطول المطر الغزير
وانسحاب الغزاة الشقر من لهيب
المعركة
يرحلون إلى مدن غابت عنها الينابيع
لم يكونوا فرسانا للكلام
أو عشاقا لانفلات الحبر في مدح النور الطالع
من قبو قديم
فرادى يعبرون الجسر قبل مرور العاصفة
لم ينسوا ذاكرة القرى
حقيبة الشيخ الضرير
موسيقى الجاز
ثمار الحديقة المنسية
وصايا الأم للطفل الشريد
حكايا الصبايا في ليلة ماطرة
إنتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل
طلع النهار ولم يأت المدد
ربما صار الجسد الهزيل مزارا
لمن ناموا في العراء
هنا ذاكرة المرايا وانفتاح الأقاليم
على الشجر الحزين والينابيع
لعبور الجسر مباهج
ولاخضرار الروح طقوس وهواجس
فتيان القرى المنسية ٫كانوا وراء التلال
يحملون حقيبة تلو أخرى
لا شيء على الأكتاف
سوى حنين الأجساد للزقاق القديم
ذاكرة الأيام
هروب الفتية من صقيع الضواحي
كأنهم جاؤوا من زمن بعيد
وارتماء الجسد في اليم العتيق
كان لزاما على الفتيان ان يعبروا الجسر
فرادى
هناك حذو العربات القديمة
تتعالى الأصوات
ترتبك الأصابع
تكتب الأنامل النشيد المشاكس
هنا قرب الشيخ الضرير تمر القوافل
معلنة ذهاب الكلام الذهبي إلى ضفة الرؤيا
إنتصف الليل ولم يكتمل العناق الطويل
صارت الأجساد كفاكهة الشتاء
وامطار زمن المماليك
سريعا تأتي العواصف
قبل عبور أولاد القرى الجسر المتاخم
للأنين
ومتاهة المشهد
لا خوف للفتية من ضباع الشوارع
لا خوف للبلاد من ضباب مباغت......







التعليقات