كتاب الناقد علي شبيب ورد " الغام الدوكسا- كولاج تأويل الرواية العراقية والحداثة الفائقة"، يثير اشكالاته المتعددة بدءاً بالعنوان الرئيس، وعناوين الفصول وتفريعاتها المتعددة حتى نهاية الكتاب.
فالكاتب لا يكتفي باسم الفصل مباشرة ، وإنما يدخل بقارئه في تفريعات مسبقة تتطلب مزيداً من الصبر، الذي كان، بفضل المعطيات الثرة للكتاب، يتبدد كلما مضت الصفحات.
فنحن - بعد "المقدمة" التي تفصح عن هدف الكتاب الذي يتحدد بالتعريف بالأجواء الملغمة وغير الآمنة التي يعمل النص العراقي تحت وطأتها،
" أي المشكلة التي يعاني منها السرد الروائي وهو يعمل فوق الغام الدوكسا. وذلك لما تمثله هذه الالغام من خطورة وقلق وجودي للروائي" ص ٧ - نقف على أربعة مباحث تدور حول القدرة الفنية، لنصوص معارضة تراوغ محيطها، وتعطل عمل مجساته بذكاء لتنفتح على موضوعاتها المغايرة لواقع العسف والاستبداد؛ هي أولاً مبحث دوكسا الإستبداد وحقوله ؛ حقل "رواية لوت عنق التاريخ" عن رواية الادميرال لا يحبّ الشاي لنزار عبد الستار.
وحقل "تعلموا فن العيش" عن رواية الزعيم.. خرائط وأسلحة لعلي بدر.
وحقل " بلاغة الأداء السردي" عن رواية كؤوس السنين، لحسن عبد الرزاق.
ثمّ يأتي ثانياً مبحث"دوكسا السعادة وحقوله، حقل "رقيب جدلية الأصنام " عن رواية كوثارا لنعيم آل مسافر . . وحقل "ثمار السرد اللذيذة" عن رواية برزخ الجحيم لخسرو الجاف.
وحقل "المخيلة المتهافتة" عن رواية الإبحار إلى كلكتا لحسن البحار.، ثم مبحث "دوكسا الفحولة "وحقوله، حقل "مجسات الظن المشاكس"عن رواية أحببت حماراً لرغد السهيل. وحقل " جماليات النص المراوغ" عن رواية مكابدات مريم لحنون مجيد. وحقل " الاصطياد في مياه معتمة" عن رواية عمتي الرومانتيكية لنجم والي.
واخيراً مبحث "دوكسا الأعراف" وحقوله حقل "عذوبة سواقي الشجن"عن رواية الحفيدة الامريكية لإنعام كجه جي. وحقل " الكتابة بالجسد" عن رواية
صانع الأكواز لهيثم هاشم طاهر. وحقل "الأسلاك الشائكة لسيمياء النص" عن رواية بنات غائب طعمة فرمان لخضير فليح الزيدي.
في هذه الدراسات الثاقبة، يكرس الناقد رؤ يته الجديدة للنص الأدبي العراقي الحديث، ملقياً الضوء على مثابرة القصة العراقية على الحضور، وما تنطوي عليه، من بسالة لتخرج من حصارها العنيف، بثوب نظيف.
لقد درس الناقد اثني عشر روائياً عراقياً من بينهم روائيتان، من هويات وأجيال مختلفة، ومن رقع جغرافية واسعة "تمتد من مدن العراق حتى مدن بلاد المهجر"٩
ولقد كان يتبدى لقارىء هذا الكتاب، الجهد الكبير الذي بذله الناقد علي شبيب ورد، ليقدمه إلى قارىء جدير بقراءة "ما بين سواد الكلمات" ٤٧ مهما كلفه ذلك من جهد.
لقد درس الناقد الروايات هذه كلاً على انفراد، وخرج بنتائج مهمة خلاصتها، التعريف بالأجواء الملغمة التي يعمل النص تحت وطأتها، وقدرة الفن عموماً على مراوغة السياسي، ان كان غاشماً، وتوجيه أعمق الطعنات اليه، وهي بحسب بعض التوجهات النقدية من أهم مزايا الفن، فضلاً عن مزايا مجاورة اخرى. ولعلّ ما يشير إلى أهمية هذا الكتاب، قدرته الجلية على بعث المخبوء طي الروايات قيد البحث هنا، والطاقة التحليلة لدى المؤلف ليتصدى إلى مجموعة أعمال متباينة، وليس إلى عمل محدد واحد متسق أو متجانس، ما يحفزنا على متابعة هذه الأعمال والحصول عليها، وتدارس توصلّاته من خلالها.
يصف الناقد العصر الذي نعيشه عصر "الحداثة الفائقة " على وفق الإجراءات المغايرة التي تقدمها كمنجزات ، والآليات التي تتطلبها وتستخدمها لفحص ملائمة هذه المنجزات.
وبما انّ هذا الكتاب على هذه الحيوية التشخيصيّة للأعمال التي انطوت على مواقف الضد من مواقف الانسياق مع الواقع العام، فلربما اصبح الكاتب مطالباً بتقصّي الأعمال الأخرى التي لا تقل أهمية عن الأعمال التي قيد درس هذا الكتاب، والخروج بتوصيات مضافة تدعم المشروع النقدي الراهن الجديد، الذي يراهن الناقد عليه.
ولعلّ من أبرز ما قدمه هذا الكتاب، فضلاً عن مقدمات كثيرة، الصورة الجلية لتوالد الأدوات النقدية التي تتعامل مع النصوص الأدبية المختلفة والمتباينة، بحسب وتائر عصر لا يكف عن التجدد والمغايرة، وعرفتنا على ناقد ملمّ بادواته النقدية، ليكشف دونما شك عن قدرته الغنية، بصبر وهدوء النقاد المرموقين.







التعليقات