استهلال:
من خلال مشهد بصري وغوص محسوب في أعماق شخصيات طابور الساحة ورصد تفاعل مفرداتها المادية مع ذوات الشخصيات، نجحت الكاتبة دون خطابة في أن تمرر رسائلها الضمنية، ومن خلال ساعة حجرية بلا عقارب تدق وتعطي صوتا كالانفجار، إلى جانب عربة خشبية خاوية توزع خبزا غير موجود اختصرت الكاتبة المأساة الوجودية للإنسان بعد الحروب، عندما تستمر الحياة في دوران عبثي بعد أن أُفرغت الحياة ذاتها من شروط البقاء والاستمرار.
العنوان:
يتشكل العنوان من مضاف "ظِلّ" و مضاف إليه "الخُبْز"، وبعد قراءة القصة سنكتشف أنَّ هذا التركيب الإضافي يختزل داخله المفارقة التي ينبني عليها النص؛ فالخبز يمثل الجانب المادي، وسر البقاء، والغذاء الذي يعدُّ شرط استمرار الحياة البيولوجية للجسد، ويمثل أيضًا سيمائيًّا صورة ورمز الحياة في المدينة قبل نشوب الحرب، في حين يمثل الظلُّ الأثر المفارق، والغياب والشبح أو ما يتبقى من الشيء بعد تلاشي أصله، وصورة ورمز الحياة في المدينة بعد حلول الخراب.
وبعد إعادة قراءة القصة وتأملها سوف نكتشف أن العنوان لا يقف عند حدود المجاز البلاغي، بل يعمل كعتبة نصيّة تُحيل إلى واقع مفرغ؛ فالناس في الساحة لا يصطفون طلبًا لخبز مادي حقيقي، بل يقتاتون على ظله وتذكر رائحته، لهذا جاء العنوان موفَّقًا وبليغًا؛ إذ أسقط الصفة المادية عن الخبز واشتغل على ظله الأمر الذي تماهى مع مجريات الأحداث، وهيّأ القارئ لدخول عالم تُقاس فيه الأشياء لا باكتمالها بل بظلالها ونقصانها معنويًّا وماديا، تقول الكاتبة عن الغبار: " واستقرّ على الأرفف، وعلى صور الراحلين، وعلى أرغفة الأمس، حتى صار يبدو كأنّه الطبقة الأخيرة من الوطن." وتقول عن الأشجار: "وقفت في أماكنها، كما يقف الشهود في محكمةٍ لا يُستدعون إليها؛ جذوعها صلبة، توقّفت عن الإزهار، غير أنّ أغصانها تمتدّ إلى السماء بأسئلةٍ أكثر ممّا تمتدّ بأوراق." وتقول عن الحمام: "حتّى الحمام كان يحطّ على الأسطح بحذر، ثم يطير سريعًا، كأنّه لا يثق بالسماء." وتقول عن الدور على لسان العجوز: " الدور يصل دائمًا... إلّا أصحابه." وتقول عن دراجة الطفل: " مرّ صبيٌّ يدفع إطار درّاجةٍ بلا درّاجة، يركض خلفه كأنّه يقود حصانًا لا يراه أحد." وتقول عن الساعة الحجرية: "كانت الساعة ما تزال معلّقةً هناك. وجهٌ دائريّ من حجرٍ بلا عقارب." و تقول عن بائع الكتب: " لم يكن يبيع كتبًا، بل أشياء نجت من الاحتراق مصادفةً." وتقول عن كتب التاريخ على لسان البائع: "نفد منذ سنوات... لم يعد أحدٌ يطلبه." وتقول عن سعر الكتاب على لسان البائع: "ـ لا أعرف... لقد تغيّر ثمن الكلمات منذ صارت تُوزن بالصمت" وتقول عن عربة الخبز على لسان العجوز: "لم يكن فيها خبز." ثم تقول على لسانه: "منذ سنوات... ونحن نأتي إليها ممتلئين ونعود منها فارغين." وبتأمل الشواهد السابقة سوف نكتشف أننا أمام أشخاص قد طحنتهم الحرب بضرسها وخلفت في قلوبهم الجراح العميقة، وسوف نكتشف أيضًا أنَّنا أمام أشياء وأحداث مبتورة غير مكتملة، لم يتبق منها سوى ظلال وبقايا وأشلاء تشبه أشلاء الراحلين.
ظلّ الخبز وأدب ما بعد الصدمة
ينتمي النص ما يسمى "أدب ما بعد الصدمة" (Post-Traumatic Literature)، ذلك النوع من السرد الذي يُسقط البناء الكلاسيكي للحبكة لصالح بؤرة تدور حول تداعيات الحدث الفاجع وآثاره. وتجدر الإشارة إلى أن " دراسات الصدمة النفسية بدأت في الظهور في تسعينيات القرن الماضي، معتمدةً على نظرية فرويد، وقد نجح نموذج كاثي كاروث وكتابات كالي تال في تطوير نموذج للصدمة يتصور تجربةً قاسيةً تتحدى حدود اللغة، بل وتُدمر المعنى تمامًا، ومعهما "حظي مجال دراسات الصدمة في النقد الأدبي باهتمام كبير عام ١٩٩٦ مع نشر كتاب كاثي كاروث " التجربة غير المُطالب بها: الصدمة، السرد، والتاريخ" وكتاب كالي تال " عوالم الألم: قراءة آداب الصدمة"، وسرعان ما تبع هذا النموذج التقليدي نموذجٌ أكثر تعدديةً للصدمة، تخطى نموذج كاروث التقليدي وما به من إشكاليات، وتخطى فكرة "ما لا يُقال"، وذلك من خلال أعمال آن سفيتكوفيتش، وغريغ فورتر، وإيمي هانغرفورد، ونعومي ماندل. إذ ينظر هذا النموذج المتعدد إلى الصدمة على أنها حدث يُغير الإدراك والهوية، ومن ثم تتشكل معرفة جديدة عن الذات والعالم الخارجي، ويركز النموذج التعدديّ غالبًا على القيم المُحدَّدة للحدث الصادم والذاكرة".
وتجدر الإشارة إلى أن أدب الصدمة يرتبط بمفهوم آخر من الأدب يتماهى معه بشكل نوعي ألا وهو " أدب الضحيّة، أو أدب الشهادة، أو الأدب الشاهد Testimonial literature وهو نمط من الكتابة التي شاعت وسادت أساسا بعد الحروب أو الكوارث أو الأوبئة أو المرور بتجربةِ المرض ومعاناته، توثيقا ذاتيّا لتجارب عايشها أشخاصٌ لهم القُدرة على الكتابة،".
ويعرف أدب ما بعد الصدمة: "بأنه نوعٌ أدبيٌّ يعالج التجارب المؤلمة نفسيًّا وعاطفيًّا (الصدمات)، باستخدام تقنيات سردية مجزأة أو غير تقليدية لتمثيل الفوضى الداخلية للشخصيات وتفكك التجربة، وكيف تعيد هذه الأحداث تشكيل الذات والذاكرة والتاريخ، ويهدف إلى إعطاء صوت للمهمشين وتوليد التعاطف تجاه ضحايا الصدمات الجماعية والفردية."
وبالعودة إلى قصة "ظل الخبز " سوف نكتشف أن العديد من سمات أدب الصدمة قد تحقق فيها من خلال ما يأتي:
١-اختيار الشخصيات والابتعاد عن المركز واللجوء الهامش لإبراز معاناة البؤساء والمهمشين فقد رأينا كيف تعمدت الكاتب اختيار شخصياتها من تلك الفئات المهمشة: العجوز، والرجل الواقف خلفه، والمرأة صاحبة السلة الفارغة، وبائع الكتب، والشاب، والرجل صاحب المعطف، والطفل الذي يركل الحجر والطفل اللاهي بإطار الدراجة، وموزع الخبز. ونلاحظ كذلك تفاوت الأعمار وتنوع الشخصيات كأن الكاتبة أرادت أن تعلن عن شيوع البلوى وأنها طالت جميع السكان.. ونلاحظ أيضا أن الكاتبة لم تصرح باسم المكان ولم تحدد الزمان الذي تدور فيه الأحداث وتعمدت تجريد الشخصيات من أسمائها، والاستعاضة عنها بأوصافها أو أدوارها، هذا التجريد يحول الذوات من شخصيات فردية ذات حكايات خاصة إلى نماذج تشخص الحالة الجمعية للمدينة؛ الأمر الذي أكسب القصة صبغة إنسانية عامة؛ إذ صار من الممكن إسقاط الأحداث وما تحمله من معاناة على أيّ مكانٍ منكوبٍ في العالم. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الكاتبة قد تعمدت عدم الكشف عن شخصيات راكبي السيارة السوداء التي شقت الصف فوسع الناس لها الطريق بشكل لا إرادي كإشارة إلى ما يتمتع به راكبو السيارة من سلطة ونفوذ، وفي ذلك رسالة مفادها أن الكاتبة غير معنية بأصحاب الياقات البيضاء، الذين يقتاتون من الأزمات ولا يشعرون بأوجاع المهمشين.
وقفة مع الشخصيات:
إذا ما تأملنا شخصية العجوز* ما أوكل إليه من أدوار سنكتشف أنه بوصلة الوعي في المدينة، بفضل ما أوكل إليها من أداور؛ وأنه أحد فيلسوفي القصة إلى جوار بائع الكتب بتأملاته فيما وراء واقع الألم والانتظار، وأنه الشاهد على مجربات الأحداث؛ فهو أول من يقف في الطابور، وهو المكتشف لزيف عربة الخبز، وهو من يبقى في الساحة بعد أن ينصرف الناس بصحبة بائع الكتب والعربة، وهو أول من يرقب انغلاق الأفق دون قدرة على تغييره. نتأمل قوله: " الدور يصل دائمًا... إلّا أصحابه." قوله: " نحن لا نمرّ... نحن ننتظر." وقوله "منذ سنوات... ونحن نأتي إليها ممتلئين. ونعود منها فارغين."
أما بائع الكتب*، فيجسد "حارس التاريخ المهترئ وأنقاض المدينة المدمرة"؛ وهو من يدرك عمق المأساة وأصل الداء المتمثل في محو التاريخ وطمس الهوية، لا يبيع معرفة مكتملة بل أجزاء ناجية مصادفة من الحريق، روايات بلا نهايات، وكتب تاريخ تبدأ من المنتصف. هو بائع الشظايا التي تعكس ما آلت إليه حال المدينة المشوهة، نقرأ قوله عن التاريخ: "نفد منذ سنوات... لم يعد أحدٌ يطلبه." ويقول: " لا أعرف... لقد تغيّر ثمن الكلمات منذ صارت تُوزن بالصمت." في حين تمثل المرأة والصبيان مستويات مختلفة من التكيف القسري مع الفقد. فالمرأة تشبع عاطفة أمومتها باحتضان سلة الخبز الفارغة كما تضم الأم طفلها ويحيلنا هذا المشهد إلى احتمال أن تكون تلك المرأة ثكلى فقدت أبناءها في الحرب وهنا يصدق بيت الشاعر حين يقول:
لا تَعرِفُ الحُزنَ إِلا كُلُّ مَن ثَكِلَت ... وَلا يُؤَرِّقُ عَينَ المَشوقِ إِلا السَّهَدُ
، في حين يقوم الصبي الآخر بركل الحجر ثم ركل الهواء بعد اختفاء الحجر؛ وهي أفعال حركية لا إرادية تنمُّ عن استبداد الغضب والسأم بالأجيال الصغيرة، في حين يمارس الصبي الذي يدفع إطار دراجة بلا دراجة لعبًا مبتورًا ويكابد طفولة معذبة، لكنه يمثل بارقة أمل خافتة في مستقبل مجهول، نقرأ قول أحد الرجال عن لهو الصبي:" الحمد لله... ما زال يركض. لم تعلّمه الحرب الوقوف." أما ركاب السيارة السوداء فإنهم يمثلون السلطة المتعالية المنفصلة عن معاناة أهل الساحة. عبورهم المحسوب يقطع الصف كالسفينة دون أن يجرؤ أحد على النظر؛ فللعيون ثمن باهظ، كما أشارت الراوية، تلك الجملة المكثفة الموحية التي تشي بكنه ركاب السيارة السوداء، وما يملكونه من آليات الترهيب التي تبث الخوف في نفوس الأهالي المستضعفين.
٢- عدم اشتغال القصة على مشاهد الحرب مباشرة بل صب تركيزها على رصد ما صبغت به الحرب المكان والبيوت المهدمة والنوافذ والساعة الحجرية والأشجار والأسطح والطيور ثم رصد الآثار النفسية الأليمة التي خلفتها الحرب في ذوات الشخصيات.
٣- تجميد الزمن الخطي وزمنية الصدمة:
عادة ما تعطل الصدمة النفسية إدراك الإنسان للزمن الخطي المتمثل في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ويتجلى هذا بوضوح في قصة ظل الخبز في ساعة البرج الحجرية التي تحولت إلى وجه بلا عقارب، ينظر إليها الجميع رغم تعطّلها، تلك الساعة التي تقرع في نهاية القصة عشر مرات دون وجود عقاربٍ، إنَّما تشير إلى انكسار الزمن الخطي الموضوعي وسيادة الزمن النفسي؛ كأن الكاتبة أرادت أن تكرس حقيقة مفاداها أنَّ آثار صدمة الحرب سوف تظل تدقّ، وتتردد في وجدان الضحايا دون ترتيبٍ أو منطقٍ.
٤-التشظي والبتر:
صورت القصة بائع الكتب الذي يبيع "روايات فقدت نهاياتها، وكتب تاريخ تبدأ من منتصف الصفحة، تلك العلامات التي ترمز إلى حالة التشظي التي عادةً ما تصيب الذاكرة الثقافية والتاريخية لشعب من الشعوب في أعقاب الحروب المدمرة؛ إذ تفقد الصدمة الإنسان قدرته على سرد قصته بشكل متصل أو متسق؛ فلا عجب أن تروى الحكايات من المنتصف، ولا عجب في أن تغيب النهايات في ظل الاستغلاق النفسي الذي يمنع الوصول إلى ختام مريح أو نهاية رومانسية سعيدة في ظل واقع كابوسي مفعم بالألم والحسرة والفقد والذهول.

العجز عن البوح والركون إلى الصمت:
. يطرح النص أزمة اللغة واللسان في مرحلة ما بعد التروما؛ فاللغة العادية تعجز عن نقل حجم الفقد، مما يجعل الصمت هو المادة الخام للتعابير، نقرأ معا قول الراوية: "حين انتهت الحرب، لم تُغادرِ المدينةُ. خلعت خوذتها وعلّقتها على باب الأيام، ثم تركت خلفها صمتًا أثقل من صوت القذائف." وقول بائع الكتب: "تغيّر ثمن الكلمات منذ صارت تُوزن بالصمت"
وقد أشرت إلى أن العنوان "ظِلُّ الخُبْزِ" يعكس مفهوم الظلال وبقايا الأشياء في القصة؛ فالأشياء في المدينة المدمرة فقدت تماسكها وكينونتها وتحولت إلى مجرد أشباح لأشياء لم تعد موجودة بهيئتها التي كانت عليها قبل الحرب، فلا نجد سوى ظل الخبز، وظل الساعة، وظل التاريخ.
آليات الدفاع النفسي والتكيف في أعقاب الفاجعة:
يقدم النص تشريحًا دقيقًا للبنية النفسية للجمع والمفرد في مجتمع ما بعد الصدمة، ويتجلَّى ذلك عبر عدة مظاهر وسلوكيات نفسية منها ما يلي:
الهروب من الواقع:
يظهر الوقوف اليومي في الطابور للحصول على خبز غير موجود كآلية دفاعية جمعية، تُعرف بـ "التكرار القهري" فالناس لا يقفون طلبًا للغذاء الجسدي بقدر ما يقفون طلباً لـ "وهم النظام" الذي يمنح حياتهم معنى مؤقتًا. ويعد اكتشاف العجوز في النهاية أن العربة خاوية منذ سنوات، وأنهم يرجعون فارغين كل يوم علامةً على حالة من الانفصال الجماعي عن الواقع، حيث أصبحت شعيرة أو طقس الوقوف في الصف أداة لتأجيل مواجهة الحقيقة الفاجعة المتمثلة في أن مصدر البقاء أصلًا قد تلاشى.
التكيف الشرطي:
حين مرت السيارة السوداء، "تحركت الأجساد قبل العقول، وانشق الطابور... دون أن ينظر أحد". يعكس هذا السلوك آلية الاستجابة الشرطية القائمة على الخوف الصامت والكبث النفسي. لقد طوّر الوعي الجمعي استراتيجية انصياع لا إرادية تجنبًا للتهديد، وهو ما يفسر تحول حركة العيون والجسد إلى أفعال روتينية مجردة من المشاعر أو الاعتراض.
النكوص والأفعال البديلة:
يتجسد الاضطراب النفسي في حركات تجريدية لدى الشخصيات؛ فالصبي الذي يلهو بإطار دراجة لم تعد دراجة إنما يمارس عملية "إنكار" لآثار الحرب عبر اللعب، لكنه لعب مبتور يتجلى في قول الراوية: "إطار بلا دراجة، وحصان لا يراه أحد". حتى حين اختفى الحجر الذي يركله صبي آخر، "بقي الركل"؛ وهو ما يعبر عن أفعال حركية مجردة عن موضوعها، تحولت إلى تفريغ عصبي لا إرادي، ويتضح ذلك في نظر الواقفين في الطابور إلى الساعة التي بلا عقارب.
في حين يمثل ضم المرأة لسلتها كما تضم أم طفلاً نائماً إزاحة نفسية (Displacement) لغريزة الأمومة والتشبث بالأمل تجاه شيء خاوٍ، تعويضًا عن فقدان حقيقي لم يصرّح به النص.
جماليات اللغة:
استطاع النص عبر لغة مكثفة وهادئة أن يبتعد عن الخطابية المباشرة، ليجعل القارئ شريكًا في تجربة "الانتظار العابث" و"الألم الصامت" لأهالي المدينة المدمرة، ومن خلال اللغة نجحت الكاتبة في تحويل المكان المتمثل في الساحة إلى صحيفة نفسية تتماهى مع مشاعر ساكنيها؛ فلم تكن الأشجار العاقر التي لا تزهر، ولم يكن الغبار المستقر على الصور والأرفف سوى انعكاسين خارجيين لخراب داخلي وجرح عميق لم يندمل في أنفس الأهالي الضحايا.
جاءت اللغة مكثفة موحية تعتمد على تقنيات الحذف والإضمار كقول الراوية: "خلعت خوذتها وعلّقتها على باب الأيام، ثم تركت خلفها صمتًا أثقل من صوت القذائف." وقولها: "الرائحة لا تموت... الذين يشبعون هم الذين ينسونها."
ولم تخل القصة من الصور البيانية الموحية التي أدت وظيفتها الجمالية رغم قتامة النص، وأضفت علي السرد طاقة سحرية محببة ومن تلك الصور قولها: "ونساءٌ يلففن الصباح بشالاتٍ قديمة، وعجائز يتّكئون على عصيٍّ حفظت شكل الطريق أكثر ممّا حفظت أيدي أصحابها."
القفلة:
تقول الراوية في القفلة بعد اكتشاف العجوز أن العربة خالية لم يكن بها خبز: " عندها، دوّى صوتٌ من أعلى البرج. رفع الجميع رؤوسهم. كانت الساعة التي بلا عقارب... دقّت مرّة... مرّتين... عشر مرّات...
حتّى بدأت الطيور تغادر الأسطح دفعةً واحدة. بقيت الساعة تدقّ، دون أن يعرف أحدٌ لماذا تدقّ."
وبتأمل القفلة سوف نكتشف أنها مبنية على تقنية المفارقة المزدوجة التي تقلب البناء المعرفي للنص وتضعه في منطقة السريالية:
فالمفارقة الأولى تمثلت في الكشف البصري المعرفي حينما أدخل العجوز يده في جوف العربة ثم أخرجها "نظيفة أكثر مما ينبغي"، ذلك الكشف الذي أتبعه ىتصريح حاسِمٍ: "لم يكن فيها خبز... منذ سنوات ونحن نأتي إليها ممتلئين ونعود فارغين"، هذا التصريح ينسف الحبكة الظاهرية للقصة؛ فالصراع لم يكن بين الجوع والرغيف، بل بين الأمل والوهم؛ فقد كان الناس يقبلون نحو العربة كل صباح ممتلئين بأمل ووهم، ثم يعودون بخفي حنين يائسين، لكنهم سرعان ما يشحنون أنفسهم بذلك الأمل العصي مرة أخرى لكي يتمكنوا من الاستمرار والبقاء في مدينة يضرب الموت أركانها.
أما المفارقة الثانية فتتمثل في الانفجار الصوتي إثر دقات الساعة التي بلا عقارب، مما أدى إلى هجرة الطيور جملة واحدة. هذه القفلة ترفض إغلاق النص على عزاء مريح، بل تفتحه على أفق من الذهول. الدق الصادر من آلة معطلة هو الصوت الفيزيائي للفاجعة؛ انفجار زمني غير منطقي يصرخ في فراغ الساحة، ليؤكد أن المدينة أصبحت تدار بقوانين العبث، حيث تدق الساعات بلا عقارب، وتوزع العربات الخالية خبزًا عدميا معجونا بالوهم. ولقد وفقت الكاتبة من وجهة نظري في نسح قفلة قصتها التي تحمل صرخة ضمنية في وجه عالم أعمى تجرد من ضميره الإنساني عندما جرد أولئك المستضعفين من أبسط الحقوق الخبز والحق في الحياة.
ظلّ الخبز وأدب الالتزام:
في ظل تفشي العنف وسحق المهمشين وارتفاع أعداد ضحايا الحروب والمجاعات بفعل ممارسات استقوائية استعمارية تكرس لمبدأ القوة ظهرت دعوات تتساءل عن دور الأدب، وترد الاعتبار إلى الوظيفة الاجتماعية للأدب في المجتمع، ويبدو أن القاصة عائشة أبو ليل لم تكن بعيدة عن تلك القناعات القديمة الحديثة؛ فقديما دعا المفكر النمساوي أرنست فيشر إلى ضرورة أن يؤدي الفن وظيفتيه الجمالية والاجتماعية في الوقت نفسه، وبالنسبة لسارتر كانت المعادلة سهلة، فقد تعلم، بعد وقت طويل حسب قوله، أن الواقع أكثر حضورًا بتعاسته وحقيقيته وأن عليه ككاتب أن يتكلم عن واقعه ومشاكله وأن يبتعد، وهو يشهد الحرب العالمية الثانية ومن ثم تحرير بلاده، عن المسائل الميتافيزيقية البعيدة عن الواقع المتحرك، ومن ثم قال سارتر: “فأمام طفل يموت جوعًا، لا أهمية لروايتي الغثيان ولا وزن لها. وحديثا يرى إدوار لوي أنه لم يعد يكفي أن يمثّل الأدب الواقع أو يشرحه، بل ينبغي أن يسعى لتغييره. فالأدب، في نظره، ليس فضاءً محايدًا للمتعة أو للتأمل الجمالي، بل أداة صراع رمزي واجتماعي لها القدرة على مقاربة الواقع بقدر من الصدق والحدة والتأثير الوجداني لا تتيحه المقاربات العقلانية البحتة. ثم تبنى من بعده ا باتريك ساموزا مفهومًا أقل صدامية يجنب الأدب المواجهة المباشرة مع القوى المهيمنة؛ إذ يرى أن الأدب غير قادر على إحداث التغيير المباشر في المجتمع، لكنه يمنحه وظيفة خفية هي إيقاظ الحالة الشعورية، وتعني القدرة على الإحساس بتعقيد الواقع، ورؤية ما يتخفى خلف الظواهر البديهية، وفتح المجال أمام بدائل جديدة لمواجهة صعود الفاشيات الجديدة، والتوحش الرأسمالي، والانغلاق الأيديولوجي، وهيمنة الخوارزميات العمياء التي تختزل الإنسان إلى محض كائن استهلاكي، ومن ثمَّ تجنيب الأدب المواجهة المباشرة مع تلك القوى، والعمل على خلخلة سطوتها بشكلٍ تدريجيّ. من هذه المنطلقات نستطيع أن نضع قصة " ظل الخبز" تحت ما يطلق عليه أدب الالتزام ذلك الأدب الذي يضع قضايا المجتمع وقضايا الإنسانية نصب عينيه إيمانا بدور الأدب في رصد قضايا الواقع ونبش المسكوت عنه، وتحريك المياه الراكدة للوصول إلى إيقاظ الوعي والضمير الإنساني، والتعبير عن الآثار المدمرة للحروب في نفوس الضحايا، وفي مقدمتهم الأطفال، نحن إذن أمام كاتبة ملتزمة سخرت قلمها للتعبير عن مأساة جزء كبير من الشعب الفلسطيني يتمثل في أهل غزة ورصد ما خلفه العدوان من أزمات نفسية ومادية تهدد بقاء هؤلاء الأهالي وتتحدى أبسط حقوقهم في الحياة، رغم أنها لم تصرح كما أسلفت بهوية أهل المدينة المدمرة أو المكان الذي تدور فيه الأحداث أو الزمان مما أكسب نصها طابعا إنسانيّا عامًا يصلح أن نسقطه على جميع الأماكن المنكوبة في العالم.







التعليقات