انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أدب الصمود وصناعة المصير: قراءة نقدية في رواية "ألغام تحت أقدام العرش" للكاتبة سحر حسب الله عبد

د. ميرنا عبسى
د. ميرنا عبسى

ناقدة وأديبة عراقية

7 دقائق للقراءة
3 مشاهدة
أدب الصمود وصناعة المصير: قراءة نقدية في رواية "ألغام تحت أقدام العرش" للكاتبة سحر حسب الله عبد
مشاركة:

تنطلق رواية ألغام تحت العرش من متوالية سردية صدمية تُحدد ملامح العالم الدرامي منذ السطور الأولى ، ففي قلب الأرض الروسية الباردة وتحت سماء شاحبة فقدت ألوانها تُدفن امرأة مجهولة دون صلاة أو نادبة بينما تقف طفلة في السادسة من عمرها بكتفين مرتجفين وعينين صامتتين ، هذه الطفلة هي "ناديجدا" التي يحمل اسمها معنى الرجاء والتي شهدت قبل سنوات كيف اختطف الثلج أمها، وكيف أردى جنديٌّ من حراس القيصر أباها لمجرد أنه تأخر عن الركوع.

تنهض رواية ألغام تحت أقدام العرش على أفق ملحمي يستحضر عوالم الملاحم الروسية الكلاسيكية الصادرة عام 2022 عن دار ميزوبوتاميا سوريا، لتقدم للسرد العربي تجربة استثنائية تستحضر عوالم الملاحم الروسية الكلاسيكية بطرحٍ فلسفي، ونفسي، وسياسي شديد التكثيف ، إنها ليست مجرد حكاية صراع على السلطة بل هي مشرحة أدبية تُستأصل منها أوهام الشرعية وتُقابَل فيها قسوة التاريخ بصلابة الإرادة الأنثوية التي تأبى أن تذوب في صمت الجليد. 

تجسد هذه البداية الفاجعة المبدأ الناظم لحياة البطولات في أدب التراجيديا ، الأمل لا يولد من الرفاهية بل يخرج كالعنقاء من رماد الفقد والجراح. 

تتعمق الكاتبة في رصد التكوين النفسي لناديجدا داخل جدران الدير الأبيض حيث احتضنتها الراهبة العجوز "مافرا" في ذلك المكان البعيد عن صخب المدن، لم تتشكل البطلة عبر الصلوات التقليدية فحسب بل من خلال مواجهة الصمت المهيب وتأمل عظمة الشتاء الروسي.

كانت تخرج في الهزيع الأخير من الليل لتمس عري الثلج بيدين عاريتين كأنها تعيد صياغة دمائها لتتلاءم مع قسوة العالم المرتقب ، علمتها الراهبة مافرا أن الناجين لا يعيشون كبقية البشر وأن البلاء لا ينزل إلا على من امتلك قدرة احتفار مجراه ، ومن هنا تحول الصمت لدى ناديجدا من حالة اضطهاد واستكانة إلى سلاح استراتيجي ودرع مفهومي، تتوارى خلفه نواياها الحقيقية وقدرتها الفائقة على الرصد والتحليل قبل الخوض في معترك الحياة العامة. 

إن القيمة النقدية الكبرى التي تطرحها الرواية تتجلى في تفكيكها البنيوي لمفهوم القوة. فالقوة في عالم "ألغام تحت أقدام العرش" ليست حكرًا على من يملك السيف أو يرتدي التاج بل هي ملكٌ لمن يتقن الصمت، ولمن يستطيع تحويل آلامه إلى دروع خفية ، حين تنتقل ناديجدا من عتمة الدير وعزلتها بين الكتب والشموع إلى دهاليز القصر القيصري المترامي تتغير قواعد اللعبة بالكامل.

القصر ليس مأوى للرحمة بل قفصٌ ذو أبواب مذهبة تتنافس فيه النفوس على الرغبة والسلطة ، هنا تلتقي ناديجدا بالملك ألكسي المنهك بشكوكه والمرتعد أمام حتمية الموت وبالأمير ديمتري الذي يتملكه الغرور والجشع ويسعى للسيادة عبر الترهيب وسحق الضعفاء. 

أدب الصمود وصناعة المصير: 
قراءة نقدية في رواية "ألغام تحت أقدام العرش" للكاتبة سحر حسب الله عبد

تتجلى اللحظة المفصلية في السرد مع احتكاك ناديجدا المباشر بمركز الحكم حيث تتداخل خطوط الرغبة الفردية بالطموح السياسي المجرد ، لم ينظر إليها الأمير ديمتري بصفتها مجرد خادمة مريضة الملكة بل استشعر في عينيها نبرة تحدٍ لا تخضع للترهيب ، كانت نظراته المحمولة بالتهديد والرغبة بمثابة شعلة التفتيش عن الذات في قفص السلطة ، إذ شعرت ناديجدا أن المفتاح الحقيقي للنجاة يكمن في قلب معادلة الهيمنة ، أما الملك السبعيني ألكسي فقد رأى فيها نبعًا من الحكمة النادرة التي افتقدها في حاشيته المطأطئة الرؤوس ، في حوارهما الأولي أمام ألسنة الموقد أدرك الحاكم المتهالك أن هذه الفتاة الآتية من الغابة تحمل بين أضلعها سردية صلبة لا تقل عظمة عن صخور القصر وقلاعه المنيعة. 

يتجلى الدهاء السردي للكاتبة في جعل الثلج شخصية فاعلة ومحورية داخل النص، وليس مجرد خلفية جغرافية ثانوية، فالثلج هو الشاهد الوحيد على الجرائم المنسية، وهو الوعاء الذي يختزن الذاكرة، والرمز المتجدد للصمت والجمود ، وفي المقابل تقف النيران المتأججة في مواقد القصر وفي حدق العيون لتعبّر عن الحركة، والتحول، والشهوة الدفينة للسيطرة.

ضمن هذا التقابل الضدي بين الثلج والنار تتخلق دراما الحوارات ، فحين يسألها الملك ألكسي عن من علمها أن الصمت لا يشي تجيبه ناديجدا بكلمة واحدة: "الثلج" إنها الإجابة التي تضع الجميع على محك المواجهة مع حقيقة أن من عايش التجمد لا تخيفه حرارة الحروب. 

تستخدم السردية البناء الرمزي للدلالة على تحولات المشهد السياسي والعائلي ، فالقصر القيصري ليس سوى مسرح كبير لـ "رقصة الأفاعي في قصر الجليد" تتجاور الجدران الحجرية مع الدسائس المكتومة في الليالي الطويلة، حيث يتعانق الدخان المتصاعد من المواقد القديمة مع عبق المؤامرات المنسوجة في الخفاء.

تتداخل الشائعات حول الأمراض الغامضة التي تصيب أركان الحكم مع التحركات المشبوهة للنبلاء والتجار على أطراف المملكة ، يظهر هذا التناقض الصارخ بين الفخامة الظاهرة والبشاعة الباطنة كيف يتحول البلاط الملكي إلى ساحة مواجهة لا ترحم من يظهر نقطة ضعف واحدة، وكيف تُنسج الأكاذيب بلباقة أرستقراطية تُخفي تحتها نيات سفك الدماء واستلاب الإرادة. 

تتطور الحبكة عبر متوالية من المؤامرات والتحالفات الظرفية التي تُحاك في العتمة ، فالعرش الذي يجلس عليه ألكسي محاطٌ بالألغام من كل جانب ، تمردات قادمة من الأقاليم الجنوبية، تحركات سريّة للمرتزقة والتجار، وانقسامات حادة داخل مجلس النبلاء والوزراء.

تجد ناديجدا نفسها في قلب هذه العاصفة لكنها ترفض أن تكون مجرد بيذق على رقعة الشطرنج ، تحول موقعها الاستراتيجي من خادمة صامتة إلى عقل مدبر يقرأ وجوه القادة، ويكشف الخونة، ويزرع الشك بين أتباع الأمير ديمتري ، إنها تبني سلطتها ليس من خلال استعراض البطولات العسكرية بل عبر إدارة الحروب النفسية وتفكيك خيوط الغدر قبل أن تشد حول عنق المملكة. 

تعتمد الكاتبة على إبراز دور التلاعب السياسي والتكتيك الدبلوماسي غير التقليدي في توجيه دفة الأحداث ، فلم تكتفِ ناديجدا بالحذر الدفاعي بل انتقلت إلى الهجوم المضاد عبر استخدام الخداع المزدوج وزرع الوثائق المزيفة بين أجنحة المعارضة، نسجت شبكة من الجواسيس والاستطلاعات المعقدة وقطعت مصادر الدعم والتمويل عن تحالفات الأمير ديمتري عبر استمالة كبار قادة المقاطعات بالوعود المشروطة والحكمة النافذة.

أظهر النص كيف أن إدارة الصراع تستلزم عقلًا باردًا يستوعب طبيعة البشر وتقلبات ولائهم؛ حيث يتحول الخوف والطمع إلى أداتين رئيسيتين لرسم الخرائط السياسية الجديدة وإجبار الخصوم على الانكفاء والخطأ. 

تتقاطع في الرواية أبعادٌ إنسانية ونفسية بالغة العمق من خلال علاقة ناديجدا بالقائد أندريه، الرجل الصامت الذي يمثل حائط الدفاع والولاء في زمن سقطت فيه كل القيم.

الحب في هذا العمل ليس ملاذًا رومنسيًا شاعريًا بل هو جمرة تُحفظ تحت الرماد، وزهرة تخرج من أرض محروقة ، ينشأ بينهما عهدٌ غير معلن يقومان فيه بتبادل الحماية واليقظة وسط مجتمع لا يتوانى عن استخدام التسميم والاغتيال كوسائل سياسية مشروعة ، هذا البُعد يمنح السرد توازنًا دقيقًا بين قسوة الممارسات السلطوية ودفء المشاعر الإنسانية القادرة على الصمود. 

يتعمق النص الأدبي في رصد مأساة "المواجهة مع الذات" لدى جميع أطراف الصراع. فبالرغم من القوة الظاهرة التي تبديها ناديجدا إلا أنها تظل تنزف في الداخل وتتحمل وزر الأرواح التي تسقط في ممر الصعود إلى القرار ، وتظهر شخصية الأمير ديمتري كمأساة إنسانية تشكلت بفعل التربية السلطوية الحاكمة التي ترى في الرحمة ضعفًا وفي سفك الدماء واجبًا لحفظ الهيبة.

يضع السرد كل الشخصيات أمام المرآة الحقيقية لأفعالها متسائلاً عن الثمن الباهظ الذي يدق كاهل الروح حين تتلطخ بالأطماع، وكيف يصبح النصر السياسي أحيانًا خسرانًا للذات وتجريدًا متواصلاً من المشاعر الفطرية النبيلة. 

وفي الذروة الدرامية الملحمية، حين تتفجر المعارك في شوارع العاصمة وتختلط أصوات السيوف بدخان الحرائق، ترتفع الرواية إلى مستوى المعالجة الفلسفية للتاريخ ، لا تسعى ناديجدا إلى سفك الدماء من أجل الانتقام الشخصي بل تجعل من المواجهة درسًا في استعادة الحق والعدالة ، وحين تحين لحظة الانتصار الحاسمة وتنكشف كافة الأقنعة، تُفاجئ الرواية قارئها بقرار البطلة الإنساني والفلسفي الأكبر ، التنازل عن التاج والمظاهر الخارجية للسلطة لصالح إرساء نظام جديد يضمن كرامة الشعب وينهي حقبة الاستبداد ، إنها تؤكد من خلال هذا الفعل أن التاج الذهبي ليس سوى قيد وأن العرش الحقيقي يُبنى في الذاكرة وفي قلوب الأحرار الذين رفضوا الخنوع. 

تختتم الرواية رؤيتها برحيل ناديجدا البعيد عن الأضواء ومظاهر التهليل الملكي لتستقر في وجدان الناس كرمز تاريخي ومجاز فكري يتجاوز الزمان والمكان ، لم تتطلع إلى تشييد التماثيل أو تدوين أسمائها في المجلدات القيصرية الرسمية بل تركت وصيتها الأخيرة مدونة على جدران الذاكرة :

إن الأوطان لا تُبنى بوعود الحكام ولا بجثث الرعايا بل تتأسس بالوعي الحقيقي والإرادة الصارمة التي تمنح المستضعفين حقهم في تقرير مصيرهم.

تترك الرواية أثرًا يربط بين نضال الفرد في الهامش وبين تشكل التاريخ في المركز مؤكدة أن الأرواح الحرة تستطيع أن تصنع فارقًا يمتد عبر أجيال متقادمة. 

إن رواية "ألغام تحت أقدام العرش" تُعد إضافة نوعية للأدب العربي المعاصر ، لقد نجحت الكاتبة في تقديم نصٍّ يتجاوز النمطية مشحونٍ بالحكم البليغة والمأثورات التي تُصاغ بلغة أدبية مكثفة ، إنها عملٌ يغوص في أعمق طبقات النفس البشرية، ويطرح أسئلة جوهرية حول معنى الوجود، والحرية، والشرعية، ليظل صوت "ناديجدا" يتردد كصرخة أمل حرة تُعلن أن التاريخ لا يكتبه القضاة ولا القياصرة بل تكتبه الأرواح التي رفضت أن تذوب في الصمت.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٣٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رمزية الرأس وتمثيلات القمع  والذاكرة  في رواية "رؤوس بالمجان " لأحمد الحسيني
قراءات

رمزية الرأس وتمثيلات القمع  والذاكرة  في رواية "رؤوس بالمجان " لأحمد الحسيني

تمهيد تتخذ رواية "رؤوس بالمجان" لأحمد الحسيني من الرأس علامةً سردية مركزية تتجاوز دلالته الجسدية، لتفتح المجال أمام قراءة تتصل بالإنسان حين يصبح وجوده مهددًا، ووعيه خاضعًا، وصوته محاصرًا بالخوف. فالرأس في الرواية ليس جزءًا من الجسد فحسب؛ إنه موضع التفكير والذاكرة والإرادة، ومن ثم فإن تهديده أو فصله…

· 16 د
جاكلين سلام: المرأة التي ثقبت قلب المجرة بإبرة من ضوء
قراءات

جاكلين سلام: المرأة التي ثقبت قلب المجرة بإبرة من ضوء

إسماعيل نوري الربيعي في منتصف ليلة لم تعترف بها الساعات، استيقظت مدينة المالكية على صوت شجرة توت تقتلع جذورها من التراب، وتنفض عن أغصانها ألف عام من النوم، ثم تصعد إلى السماء كما تصعد فكرة مجنونة إلى رأس شاعر. لم تكن الشجرة تبحث عن المطر، فقد سئمت المطر الذي يأتي من الجهات المعروفة، وإنما كانت تبحث…

· 6 د
مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر
قراءات

مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر

نصير الشيخ 1 يرى هيدجرأن الشعر على افتراض وجود أهمية انطولوجية له،لاتكمن أهميته الانطلوجية في قدرته على الكشف عن اسرار الكينونة والاشياء في ذاتها،((إنها لاتتخطى،ولايمكن ان تتخطى تنبيهنا الى ان اللغة هي من مكونات الواقع أو أن الواقع يقيم في اللغة. وهنا تظل التجربة الشعرية،وبلاشك محاولة لاختراق جدار…

· 5 د