في تاريخ الأمم الثقافي رجال لا يصنعون أعمالاً إبداعية فقط، بل يحفظون ذاكرة الإبداع نفسه من الضياع، ويقفون خلف المشهد ليوثقوا أسماء الذين صنعوا الجمال وأثروا الحياة الفكرية والفنية. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ أحمد فياض المفرجي بوصفه واحداً من أبرز رواد العمل الأرشيفي والتوثيقي في العراق، والرجل الذي أفنى سنوات عمره في ملاحقة النتاج الثقافي العراقي وجمع شتاته، مؤمناً بأن الوثيقة هي الأساس الذي يعتمد عليه المؤرخ حين يعيد كتابة تاريخ الحركة الثقافية والفنية.
لم يكن المفرجي مجرد جامع للمعلومات أو حافظ للوثائق، بل كان يمتلك رؤية نقدية تجاه ما يوثقه، إذ كان يضيف قراءته الخاصة وتعليقاته إلى المواد التي يجمعها، فيتحول الأرشيف لديه من مجرد أوراق محفوظة إلى ذاكرة حية تحمل تفسيراً وتحليلاً. وعلى الرغم من تعدد اهتماماته الأدبية والفنية، فإن المسرح ظل المجال الأقرب إلى قلبه، فقد ارتبط به روحاً وممارسة، واحتفظ بكم كبير من النصوص المسرحية والمطبوعات والبرامج التعريفية للعروض التي قدمت في بغداد والمحافظات العراقية، مدركاً أن هذه التفاصيل الصغيرة ستصبح يوماً مصادر أساسية لفهم تاريخ المسرح العراقي وتطوره.
لقد كان أحمد فياض المفرجي مثالاً للباحث الميداني الذي لا يكتفي بالجلوس خلف المكتب، وإنما يتحرك بين قاعات العرض ويلتقي الفنانين والكتاب والمخرجين ويجمع كل ما يتعلق بالعمل المسرحي. ويذكر الفنان الأستاذ علي بصيص أن المفرجي لم يكن ممن ينتظرون وصول المواد إليه، بل كان يذهب بنفسه إلى المسارح، ويسافر لمتابعة النشاطات الفنية، ويحتفظ بالمطويات (الفولدرات) الخاصة بالعروض المسرحية، ثم يدون ملاحظاته حول كل عمل يشاهده. وإذا غابت المطوية التعريفية عن أحد العروض، كان يسجل بنفسه عنوان المسرحية، ومكان عرضها وزمانه، وأسماء المؤلف والمخرج والممثلين وجميع أفراد الكادر الفني، وكأنه يدرك أن هذه التفاصيل التي قد تبدو هامشية في لحظتها ستكون ذات قيمة تاريخية كبيرة في المستقبل.

وفي الذكرى الأربعينية لرحيله، أقام الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حفلاً تأبينياً للمفرجي، ونشرت جريدة «القادسية» البغدادية وقائع الحفل في عددها الصادر يوم 26 آب 1996. ومن بين الكلمات التي ألقيت في المناسبة ما ذكره الدكتور خزعل الماجدي، حين أشار إلى أن المفرجي جمع مادة ضخمة عن الفنانين والأدباء والمسرحيين، لكنه تحدث عن احتمال أنه أتلف ما جمعه في لحظة يأس. ومع أهمية هذه الشهادة، فإن صحتها لم تتأكد بصورة قاطعة، كما أن ضياع هذا الأرشيف - إن حدث - سيكون خسارة كبيرة للثقافة العراقية، لما كان يمثله من ذاكرة نادرة للحركة الفنية والأدبية.
غير أن الشواهد المتوفرة تؤكد أن جانباً مهماً من جهده ما زال حاضراً، وأن أعماله ووثائقه لم تختفِ بالكامل. ويذكر الباحث والمؤرخ الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف أنه لمس حرص المفرجي ودقته حين نشر مقالاً في مجلة «الجامعة» الموصلية عن أول مجلة عراقية وهي «إكليل الورود» (1902-1909)، وأشار إلى توفر أعدادها كاملة لديه، وأنه أعد دراسة عنها ضمن كتابه «نشأة الصحافة العربية في الموصل» الصادر عن دار ابن الأثير للطباعة والنشر في جامعة الموصل. وقد اطمأن المفرجي حينها إلى دقة هذه المعلومات، لأنه كان شديد الحرص على صحة المصادر وموثوقية ما يُنقل إليه.
لقد كان المفرجي، كما وصفه الدكتور نجمان ياسين في كلمته خلال الحفل التأبيني حين كان رئيساً للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، «شاهداً وشهيداً»؛ شاهداً على مرحلة ثقافية كانت محاصرة بالقيود والظروف الصعبة، وشهيداً على القوى التي حاولت تعطيل مسيرة المبدعين وإجهاض طاقاتهم. ومن هنا تتضح قيمة دوره، فلم يكن عمله مجرد جمع للوثائق، بل كان دفاعاً عن الذاكرة الثقافية العراقية وحفظاً لإنجازات أجيال من الفنانين والمبدعين.
كما تحدث الكاتب المسرحي المعروف الأستاذ عادل كاظم، الذي ربطته بالمفرجي علاقة وثيقة، مؤكداً أنه كان خير موثق ليس للمسرح وحده، بل للقصة والرواية العراقية أيضاً. فقد كان الرجل ينظر إلى الثقافة العراقية بوصفها منظومة متكاملة، لا يمكن فصل المسرح فيها عن الأدب أو السينما أو الفنون التشكيلية.
ويقدم لنا الأستاذ حميد المطبعي في «موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين»، الجزء الثالث الصادر سنة 1998، صورة واضحة عن حياة المفرجي ومسيرته، إذ وصفه بأنه «منشئ صحفي، مشتغل بالنشاط المسرحي العراقي، يمتلك حساً أرشيفياً حول الأدب العراقي الحديث». ولد أحمد فياض المفرجي في بغداد، في منطقة الأعظمية سنة 1936، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها، ثم أنهى المرحلة الثانوية في الثانوية الجعفرية - القسم التجاري، قبل أن يلتحق بمعهد الفنون الجميلة، فرع التمثيل، ويتخرج في العام الدراسي 1963-1964، ليعمل بعد ذلك موظفاً في المحاكم ببغداد.
ومنذ سنوات شبابه الأولى تعلق المفرجي بالأدب والمسرح، فانخرط في عدد من الفرق المسرحية ومثل في بعض عروضها، ومن بينها فرقة المسرح العراقي وفرقة المسرح الحر. وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي أسس مع مجموعة من زملائه فرقة مسرح اليوم، إلا أنها لم تحقق الانتشار الذي كان يأمله مؤسسوها.
ويشير نجله المخرج المسرحي الأستاذ ظفار المفرجي في مقال نشره في موقع «مسرحيون» بتاريخ 28 كانون الأول 2005 إلى جوانب مهمة من تجربة والده، مبيناً أنه أخرج عام 1964 أول مسرحية عراقية من أدب اللامعقول، وهي مسرحية «الشريط الأخير» للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت. كما عمل محرراً في جريدة «الزمان» البغدادية في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وشارك ممثلاً في الفيلم الروائي «الحارس» من إخراج الفنان خليل شوقي، وهو من إنتاج شركة أفلام اليوم التي أسسها عدد من أعضاء فرقة مسرح اليوم في منتصف الستينيات.
وفي عام 1973 انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإعلام، ونُسب إلى دائرة السينما والمسرح، الأمر الذي أتاح له المشاركة في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والندوات داخل العراق وخارجه. وقد كُرم عام 1982 من قبل المركز العراقي للمسرح تقديراً لدوره في توثيق النشاط المسرحي العراقي، كما كرمته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في العام نفسه تقديراً لجهوده في التعريف بالحركة التشكيلية العراقية. وأشرف على صفحات فنية وأدبية في عدد من الصحف والمجلات، كما حاضر لسنوات طويلة في معهد الفنون الجميلة، وكتب عموده المعروف «فنون مسرحية» في جريدة «الجمهورية» البغدادية.
وتولى المفرجي عدداً من المسؤوليات الثقافية المهمة، فكان رئيساً لنادي السينما العراقي، ونائباً لرئيس المركز العراقي للمسرح، ومديراً لقسم الأبحاث والدراسات في المؤسسة العامة للسينما والمسرح، وعضواً في مجلس نقابة الفنانين العراقيين ورئيساً للشعبة المسرحية فيها، فضلاً عن عضويته في اتحاد الأدباء العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين. كما كُرم عام 1992 بوصفه الرائد الأول للتوثيق المسرحي في العراق، وشارك في معظم المهرجانات المسرحية والسينمائية العراقية، وأسهم في مهرجانات عربية وعالمية ممثلاً للعراق أو مشاركاً في لجانها المختلفة.
وكان من أبرز إنجازاته تأسيس المركز الوثائقي للمسرح في بغداد في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتوليه رئاسته، وهو مشروع يعكس إيمانه العميق بأن المسرح لا يعيش بالعروض وحدها، بل بما يُحفظ من وثائق وشهادات ودراسات حول تلك العروض.
وقد ترك المفرجي مؤلفات كثيرة تعكس تنوع اهتماماته، وقد جرد الدكتور صباح نوري المرزوك في كتابه «معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000» الصادر عن بيت الحكمة في بغداد سنة 2002، عدداً من كتبه، ومنها: «المرأة في الشعر العراقي الحديث» (1958)، و«الحركة المسرحية العراقية» (1965)، و«السينما التسجيلية في العراق» (1979)، و«السينما في العراق» (1980)، و«الفنان حقي الشبلي رائد المسرح العراقي» (1985)، و«لمحة عن مسرح الطفل في العراق» (1986)، و«المسرح في العراق: صفحات موجزة» (1987)، و«إبراهيم جلال: في التوثيق والابتداع» (1991)، و«مهرجان بغداد للمسرح العربي» (1990 و1994)، وغيرها من الدراسات والكتب.
أما نجله ظفار المفرجي فقد أكد أن مؤلفات والده تزيد على أربعة وعشرين كتاباً، من بينها دراسات في المسرح والسينما والفنون التشكيلية، مثل «مصادر دراسة المسرح في العراق»، و«حقي الشبلي: ذكريات في الفن والحياة»، و«سنوات الفن»، و«فنانو السينما في العراق»، و«مسرح الثمانينات في العراق»، و«الفرقة القومية للتمثيل»، وهي أعمال تكشف عن مشروع ثقافي واسع لم يكن هدفه التأليف فقط، بل بناء ذاكرة موثقة للفن العراقي.
إن الحاجة اليوم ما تزال قائمة لجمع أعمال أحمد فياض المفرجي وإعادة نشرها ضمن مشروع متكامل، سواء من خلال أسرته أو المؤسسات الثقافية أو الباحثين الشباب، لأن الرجل لم يكن مجرد ناقد أو كاتب، بل كان مؤسسة قائمة بذاتها لحفظ الذاكرة الفنية العراقية. لقد عاش حياته مدافعاً عن حق المبدعين في أن تبقى أعمالهم حاضرة، ورحل في بغداد إثر حادث مؤسف يوم 1 تموز 1996، تاركاً وراءه إرثاً وثائقياً وفكرياً يمثل جزءاً مهماً من تاريخ الثقافة العراقية الحديثة.
إن أحمد فياض المفرجي هو من أولئك الذين يعملون في صمت، لكن آثارهم تبقى أكثر حضوراً من كثير من الأصوات العالية؛ فقد كان حارساً لذاكرة المسرح والفن، وواحداً من الذين أدركوا مبكراً أن الأمة التي لا تحفظ وثائقها تفقد جزءاً من تاريخها.
(اعتماداً على: إبراهيم خليل العلاف، «أحمد فياض المفرجي والعمل الأرشيفي في العراق»، الحوار المتمدن، 19/9/2016، مع الإشارة إلى المصادر التي ذكرها المقال، ومنها: حميد المطبعي، موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، والدكتور صباح نوري المرزوك، معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000، ومقال ظفار المفرجي في موقع مسرحيون).







التعليقات