في "ضريح أيام مجهولة" لفرات إسبر* عدة إحالات تعيد عقارب الساعة إلى ستينات سوريا ولبنان. فالهم الوجودي العام والإفراط أو الاستغراق بالتحسس الشخصي يخترق المجموعة من أول قصيدة وحتى آخر جملة، كما هو حال محمد الماغوط الذي أدمن على الحزن والفجائع منذ باكورته "حزن في ضوء القمر" 1959 ،وزوجته سنية صالح المحرومة من أي بارقة أمل في كل كتبها ولا سيما "الزمان الضيق" 1964 و"حبر الإعدام" 1970.
ولا تبتعد فرات إسبر كثيرا عن هذا الثنائي. فهي حزينة وبائسة في كل الأوقات، ولا ترى من الزمان غير المتاهات، وتنافس تيار النهر بدموع عينيها. وقل نفس الشيء عن ماء الغيوم والسحاب المعلق بالجو، حتى أنها تشن حربا علنية ضد البهجة والفرح بطريقة الماغوط تماما، تستهدف الرخاء بقولها: "أيتها السعادة بأي النبال أرميك.(ص8، قصيدة حياة النساء قصيرة). ومن طرف آخر لا يمكنها أن لا تلاحظ تحالف تاريخ البشرية مع الموت باعتبار أنه نهاية المطاف لرحلة أي إنسان. فشمس الصباح "تضحك وتمر ثم تموت" (ص57، الشمس تغريني بخلع ملابسي). ويبلغ بها التشاؤم أن تساوي بين "العشق والموت" (ص29، إعادة تأهيل). كذلك هي لا تشاهد من حياتها غير ذاكرة مقسومة إلى نصفين "أحدهما سقط في النسيان والآخر في الخوف من شبح الموت" المتربص بها. (ص40، شبح من الماضي) وكأنها تريد إحياء تجربة سنية صالح مع خيبات وسقطات ما يسمى جسد المرأة.
وهنا أغتنم الفرصة لتشخيص علل الحداثة العربية.
أولا حملت كل علامات القلق والمرض السريري لأنها جاءت بالتزامن مع نكبة مهينة ومع سلسلة من الانقلابات التي ربطت التحديث بالعنف والدم وبكل صور وتقلبات عقدة أوديب.
وثانيا لأنها عملت بمنطق اللوحة المدمجة. عدا أنها جعلت اللغة بمتناول الجميع، واختارت مفرداتها من قاموس مفهوم ومتداول، أنتجته هموم الطبقة المتوسطة وتعاملاتها اليومية، وهي طبقة عليلة وضائعة كذلك بين الاقتصاد الموجوع والواقع المؤلم والتابع، عمدت أيضا لإنتاج تراكيب غير مسبوقة، تحرضها كوابيس الآخر، وضعف الذات. وهذا ما تعكسه الرموز والعلامات والتي تجد مرجعية لها إما في لغة شعراء أنتجتهم الحروب العالمية مثل أربعاء رماد وأرض يباب إليوت، أو أجندا ثورات شرق العالم كالصين وروسيا وغير ذلك – حتى أن فرات إسبر اختارت لإحدى مجموعاتها عنوانا يدل على اللجوء وطلب الحماية – ولو باللاوعي، وهو "تحت شجرة بوذا". ربما تيمنا بما فعل قبلها هيرمان هيسة في روايته "سدهارتا"، وفي كتابه الصغير "رحلة إلى الشرق". وفي ذلك تعبير عن رغبة العقل الاجتماعي باللجوء لدوائر حضارية تدخل بمرحلة تحويل وترقية.
ثالثا لم تخالف التريند العام للحداثة general trend والذي كان يكيد لنفسه. وبالنظر لبيانات الحداثة الأساسية مثل "فاتحة لنهايات القرن" لأدونيس** و" الحداثة في الشعر" ليوسف الخال***، قابل الاعتزاز بالماضي – الكلاسيكي هجاء الحاضر الحديث – غير التاريخي والراكد بطبعه. وهو ما تعهد بولادة قيصرية لحداثة لا تؤمن بواقعها ولا بإنجازاته. وبقليل من التساهل أعتقد أن حداثتنا العربية هي دمج أصيل وموضوعي لظاهرتين: عقدة الخصاء وعقدة التأنيث (وهذا أسلوب إحيائي طالما اعتمد عليه العرب في شعر المديح). بتعبير آخر حداثتنا نتيجة اختلاف بين المكونات.
وقد ذهبت فرات إسبر لأبعد من ذلك، فيما يخص إسقاط الطبيعة النسوية على الحداثة، ربما لأنه بين الطرفين هم نضالي مشترك، وهو التخلص من الإجحاف، ورأت في تصور النساء معنى الجرح الاجتماعي والهزيمة التاريخية، واختصار المرأة تجريديا بمعنى عورة - من عور وأصل معناها باللغة العربية نقطة الضعف أو الخلل الذي يتسلل منه العدو، يضاف لذلك كلمة حيض - من حاض وهي أيضا إشارة دالة على جرح دائم ومتكرر يرافقه نزيف الدم والأنسجة. وبكل المقاييس تبدو هذه الصور بمثابة نكوص نفسي واجتماعي طالما تبنته الحداثة منذ الستينات وحتى منتصف السبعينات، قبل انفراجة حزينة ظهرت بوادرها مع حصار بيروت واستمرت حتى ولادة البيروسترويكا في روسيا. وكان من أهم أمثلتها "وعل في الغابة" لرياض الصالح حسين و"كم من البلاد أيتها الحرية" لنزيه أبو عفش. ومن أبرز إنجازات هذا الثنائي معاتبة الآلهة على موقفها السلبي من رعاياها، وذلك بلغة غامضة وتصوفية وظفت خيبات الطبيعة للتعبير عن الهزائم والخذلان - على الساحتين الواقعية والخيالية. ولذلك يمكن القول إن تشاؤم جيل الماغوط وصالح تحول عند الصالح حسين وأبو عفش إلى شك بالثوابت، وعلى رأسها التفاؤل الإيجابي، وهو ما يسميه المرحوم سعد الله ونوس "الأمل". ويعرب أبو عفش عن هذا التحول بمجموعة من التساؤلات التكهنية التي لعب بها في مجمل أشعاره، حتى أن بنية القصيدة لديه أخذت شكل تكهنات ديكارتية. كما في قوله:
أنت بلادي
وبلادي كانت لي
وبلادي ما فتئت تندلع مفاتنها المرة
في قلبي.
فلماذا اختلسوها (ص20، قصيدة الله قريب من قلبي).
أو قوله:
سلاما لي
وسلاما لبلادي
وسلاما لملايين الأعشاش المهجورة في منتصف القلب
سلاما للوردة (المرجع السابق).
وبرأيي توجد كناية استعارية مركبة في تنكير المعرف وتطابق الفرد مع الجماعة، وهو ما يوضحه الشاعر بتنصيف القلب وزراعة وردة محتارة ومحزنة في نقطة المركز. وحرص أبو عفش على إخفاء أنيابه وأظافره الطويلة التي كان يلوح بها في كل قصائده.

وهذه ميزة أستطيع أن أجدها في قصائد فرات إسبر. فقد أسدلت على وجهها برقعا أسود يدل على الحياء والخجل، وربما الارتباك من مظالم وفظاعات عالمها. ولم يتخلل كتابها نقطة دم واحدة إلا بالإكراه (كدم المحيض). حتى أنها كانت تباشر من الكارثة بعد نهايتها، واختارت أن تراقب وتنفعل - بمعنى أن تكون موضوعا لذات أشمل منها على عادة الوجوديين كما في قولها:
أيها الوطن ما أبعدك
ليس لي فيك بيت ولا موطء لقدم
والذين مروا بك رموني بحجر (ص44، أمل مكسور).
ثم تضيف بكثير من التأسي والإنكار:
أقول هذه ليست أنا
هذه ليست ما كنت أريد أن أكون (ص54، ترميم حياة قديمة).
وتبدو كل القصائد معقمة من الإرادة أو الإصرار، وكذلك من الحنين والاشتياق. ولذلك تأخذ النوستالجيا معنى خطأ استراتيجي. بالمقابل تفقد الذات نفسها في ما أسميه "النقطة العمياء" حيث "يفر الحلم / والعصفور" كما تقول في قصيدتها "الشمس تغريني بخلع ملابسي" ص56. وتعفينا الشاعرة من متاعب تفسير هذا الإحباط واليأس وتعزوه لمشكلتها مع دورة حياتها المغلقة، وتعترف أن الحضارة هي صدى لتجاربها الروحية مع ذاتها. تقول بهذا المعنى:
اعتليت عرش ذاتي
هتفت
هتفت
وهتفت
لك المجد. (ص80، الكلمات نهر في لساني).
ثم تضيف بمزيد من الألم:
أهتدي من ذاتي إلى ذاتي (ص83، مرجع سابق).
وهي مشكلة متكررة في تجربة الغرب مع ذاته. وسبق أن تابعتها إيما دانهو في رواية "غرفة"، وكذلك خوسيه ساراماغو في رواية "العمى". وكلاهما لاحظ الخمول الاجتماعي والنفسي من خلال بناء شخصيات غير درامية مصابة ببهاق السياسة والتاريخ.
وتقاوم فرات إسبر هذا الجفاف بالاعتداء المتعمد على قانون الذاكرة. فهي لا تدعو للتعامي عما يدور من حولنا، ولا تشجعنا على العزلة - الحياة في حصن من القرون الوسطى أو في غيتو من عصر الثورات القومية والوطنية، ولكنها تحض على إلغاء رواسب الماضي، إن لم يكن حرق صفحاته كلها. تقول بهذا المعنى:
قالوا عني إني تعمدت النسيان
وكنت أشتهيه مثل برتقال بيتنا
مثل ماء الينبوع في أرضنا (ص85، طفرة جينية).
وهو موقف تغذوي يضع المعدة مكان الرأس.
وأستنتج من هذه الفكرة ثلاث نقاط.
أولا. لا تدخل شعرية فرات إسبر في إطار أدب المهجر. فهي لا تهتم بالجغرافيا التاريخية، لا مسقط رأسها ولا مكان إقامتها الحالي. وإذا وردت إشارات لقصابين أو نيوزيلاندا تأتي بشكل ندوب متفرقة على حزامها النفسي. ويتخللها أيضا إشارات لأمكنة متفرقة تظهر بشكل طارئ يصعب تفسيره مثل بغداد والبصرة وغير ذلك. وغالبا ما تشبه الجمر تحت الرماد. بمعنى أنها رواسب لتجربة محترقة وتشبه أيضا الأطلال الدارسة والوشم. وهي بأغلب الظن بدائل أو تحويلات. وإذا نظرت إلى شبكة علاقاتها سوف تقودك لأشخاص تتعايش معهم مثل الابن والابنة والزوج، إلخ. بتعبير آخر هي بقايا آخرين وليس بقاياها بالذات.
ثانيا. لا علاقة لخط هذه القصائد مع الذاكرة الكونية للمؤنث. فهي لا تتكلم بلغة الجرح البيولوجي. وينعدم تقريبا أي وجود لإستاطيقا الخصوبة. وكل إشاراتها عن المرأة تدور حول الجمال البارد أو حدود الصورة. ولغتها أشبه بلغة مرحلة المرآة. فالغاية منها اكتشاف الذات وما لديها من أسلحة سرية للتمكين والسيطرة. وإذا استعرنا مفردات لاكان يمكننا أن نقول (كما ورد في المفهومات الأربعة للتحليل النفسي) إنها تؤسس لعلاقة تجريبية بين الخيال والحقيقة المجزأة.
ثالثا وأخيرا يغلب على القصائد أسلوب اليوميات. وكل ما تدونه يعرب عن معاناة شخصية لإنسانة غير محددة مقتنعة بخيبات حياتها وتأنس لها. أو الأدق تحرص على تطبيعها. وهذه آلية تنظف بها فرات إسبر نفسها من أي شبهة مازوشية أو ميول عدوانية. ولكن هذا لا ينفي التوافق الضمني مع أزمة جيل الحداثة الأول. فهو يعارض الواقع التاريخي وتحولاته، ويروج لأخلاق متعالية تحكمت بصناعة العقل العربي منذ قيام حكومات الانتداب وليومنا هذا. بالإضافة لرفع شعارات ميتافيزيقية أغلبها دون مضمون، مثل النهضة والإصلاح والتنوير. والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يمكننا إصلاح العطب بالخروج على المقاييس. ولعل أحزان فرات إسبر تنجم من صعوبة تفاهم حاضرها مع ماضيها، وبالأخص أن الصدع الحضاري يضعها بين هويتين، كل واحدة تلغي الثانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*صدرت المجموعة عن دار "سومريون". البصرة. 2024.
** صدر كتاب أدونيس عن دار العودة. بيروت. 1980.
*** صدر كتاب يوسف الخال عن دار الطليعة. بيروت. 1978.







التعليقات