انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أبو العتاهية: الشاعر الذي جعلنا نسمع خُطى الزمن

عبدالقاهر عارفي
عبدالقاهر عارفي

كاتب وباحث طاجكستاني

6 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
أبو العتاهية: الشاعر الذي جعلنا نسمع خُطى الزمن
مشاركة:

لا يجهل الناس أن العمر ينقص، لكنهم يعيشون أحيانًا كما لو أن الأيام قابلة للاسترداد. يعرف الإنسان أن شبابه لن يدوم، وأن أحواله لن تبقى على وتيرة واحدة، ومع ذلك قد تمر به السنوات دون أن يقف طويلًا عند ما تعلّمه. وفي هذه المسافة بين المعرفة والغفلة يبرز صوت أبي العتاهية، ذلك الشاعر الذي لم يكتفِ بالحديث عن تقلب الدنيا، بل جعل للأيام صوتًا، وللتجارب لسانًا، وللعمر مرآة يرى الإنسان فيها شيئًا من حقيقته.

عاش أبو العتاهية، إسماعيل بن القاسم، في العصر العباسي، ونشأ في العراق، وعرف الحياة الأدبية في الكوفة وبغداد. وكان عصره حافلًا بمظاهر الثراء والترف ومجالس الأدب، بما فيها من تنافس وطموح وتقلب في الأحوال. وقد بدأ أبو العتاهية حياته الشعرية بالغزل والمديح، وعرف مجالس العصر العباسي بما فيها من ترف ولهو، ثم غلب على شعره الزهد والتأمل في مصير الإنسان. وكأن الشاعر الذي عرف شيئًا من بريق الحياة صار أكثر انشغالًا بالسؤال عما يبقى منها حين ينطفئ ذلك البريق.

يقول أبو العتاهية:

نادتْ بوشكِ رحيلِكَ الأيامُ
أفلستَ تسمعُ أم بكَ استصمامُ؟

ما أبلغ أن يجعل الشاعر الأيام تنادي الإنسان! فالأيام، على صمتها، لا تكف عن إرسال رسائلها؛ نراها في تغير الوجوه، وتبدل الأحوال، ورحيل الأحبة، وفي الأمنيات التي كانت بالأمس بعيدة فأصبحت اليوم ذكريات. ومع ذلك، قد يسمع الإنسان أخبار الدنيا كلها، ولا يصغي إلى ما تقوله له حياته. لقد جعل أبو العتاهية الزمن مخاطبًا لا ينتظر الجواب، كأن الأيام قد أدت رسالتها، وبقي على الإنسان أن يقرر كيف يستقبلها.

ثم يقول:

ما لي أراكَ كأنَّ عينكَ لا ترى
عِبَرًا تمرُّ كأنهنَّ سهامُ

وهنا تكمن إحدى المفارقات العجيبة في الحياة: ليس كل من رأى اعتبر، ولا كل من شهد حادثة أدرك معناها. كم من إنسان رأى عزيزًا عليه يفارق الدنيا، ثم عاد إلى أيامه كأن شيئًا لم يحدث! وكم من تجربة مرت به، فلم ينتبه إلى دلالتها إلا بعد سنوات! إن العبر لا تشترط دائمًا أحداثًا عظيمة؛ فقد تكمن في كلمة يسمعها المرء، أو موقف صغير يشهده، أو تغير يطرأ على حياته. ولكن العبرة لا تؤتي ثمرتها بمجرد وقوع الحادثة، بل حين تجد نفسًا تتأملها.

ولم يكن أبو العتاهية أسير نظرة واحدة إلى الزمن؛ فقد أدرك أن الحياة ليست خسارات متتابعة، وأن تقدم العمر لا يعني بالضرورة انطفاء معانيها. حتى المشيب الذي طالما بكاه الشعراء استقبله في إحدى قصائده بالترحيب، وألقى على الشباب تحية الوداع. ففي ذلك إشارة إلى أن لكل مرحلة من العمر عطاياها وأعباءها؛ فالشباب يمنح صاحبه القوة والطموح، والسنون قد تمنحه من الخبرة ما لم يكن يملكه في أول الطريق. وليست الحكمة في أن يبقى الإنسان شابًّا إلى الأبد، بل في ألا تمر به مراحل العمر دون أن ينضج معها فهمه.

ومن جمال شعر أبي العتاهية أنه لا يحبس الحكمة في أحزان الفرد، بل يفتح لها بابًا على أحوال الناس. ففي القصيدة التي بدأت بنداء الأيام، ينتقل إلى الحديث عن زمن أصاب فيه البؤس الأرامل والأيتام، وقلّت فيه المروءة. وكأن الشاعر يذكر بأن الاعتبار بالحياة لا يقتصر على التفكير في الموت والمشيب؛ فهناك أحياء يحتاجون إلى رحمة، وضعفاء ينتظرون من ينصفهم. وما قيمة التأثر بفناء الدنيا إذا لم يوقظ في الإنسان شعورًا بمسؤوليته تجاه من يعيشون معه فيها؟

وهذه النظرة تضيء جانبًا مهمًّا من شعره؛ فالزهد ليس بالضرورة أن ينصرف الإنسان عن الحياة، وإنما أن يعرف موضعها من قلبه، وألا يضيع حقوق الآخرين في سبيل رغباته. فالمال قد يكون وسيلة للخير، والمنصب قد يكون بابًا للعدل، والعمر قد يصبح فرصة لترك أثر نافع. وليست المشكلة في أن يملك الإنسان شيئًا من الدنيا، بل في أن يفقد القدرة على التمييز بين ما يخدم حياته وما يستعبدها.

ولذلك يقول أبو العتاهية:

خيرُ أيامِ الفتى يومَ نَفَعْ
واصطناعُ الخيرِ أبقى ما صَنَعْ

هنا تصبح الأيام شيئًا آخر غير الأرقام التي تتوالى في حساب العمر. فقد يعيش الإنسان يومًا واحدًا يترك فيه أثرًا لا تمحوه سنوات، وقد تمضي عليه أعوام طويلة لا يكاد يتذكر منها شيئًا ذا قيمة. إن الخير الذي يصل إلى الآخرين يمنح بعض الأعمال عمرًا أطول من عمر أصحابها؛ فالكلمة الطيبة قد تبقى في نفس سامعها، والمعروف قد يفتح بابًا لم يكن صاحبه يتوقعه، والنصيحة الصادقة قد تصنع في حياة إنسان تحولًا لا يعرف مصدره إلا بعد حين.

وليس هذا المعنى بعيدًا عن طبيعة الحياة نفسها؛ فهي لا تمنح الإنسان ما يريد دائمًا، ولا تسير بأهلها على حال واحدة. وقد عبّر أبو العتاهية عن ذلك بقوله:

ليس كلُّ الدهرِ يومًا واحدًا
ربما ضاقَ الفتى ثم اتَّسَعْ

في هذا البيت البسيط فسحة واسعة للتأمل. فالحياة لا تُقرأ من فصل واحد، ولا يجوز أن تصبح ساعة الضيق حكمًا على العمر كله. قد يأتي الفرج بعد شدة، وقد يعقب السعةَ ضيق، وبين الحالين تتكشف للإنسان حقيقة ضعفه وحاجته إلى الصبر وحسن التدبير. وليس الرجاء إنكارًا للألم، كما أن الصبر لا يعني أن يتظاهر الإنسان بأن الابتلاء لم يمسه؛ بل أن يحسن التعامل مع ما يقع، دون أن يفقد ثقته بأن الأحوال قابلة للتبدل.

ومن هنا يمكن فهم سر القرب الذي يتمتع به شعر أبي العتاهية. فقد اختار في كثير من قصائده كلمات مألوفة، لا يحتاج القارئ إلى معجم لفهمها، ولكنه استطاع أن يمنحها حياة تتجدد بتجدد التجارب. ومع ذلك، ليست جميع أبياته سواءً في قوتها الأدبية؛ ففي بعضها حكمة مباشرة، وفي بعضها صور تبقى عالقة بالذاكرة. وأجمل شعره ما يجعل الإنسان يشعر بالمعنى قبل أن يفرغ من تفسيره، فيجد في الكلمات القديمة ما يصف تجربة يعيشها اليوم.

ولعل من أعمق ما قاله:

الدهرُ ذو دُوَلٍ والموتُ ذو عِلَلٍ
والمرءُ ذو أملٍ والناسُ أشباهُ

ولم تزلْ عِبَرٌ فيهنَّ مُعتَبَرٌ
يجري بها قَدَرٌ واللهُ أجراهُ

ما أوسع المعنى الذي تحمله عبارة «ولم تزل»! فالعبر لا تنقطع ما دامت الحياة تتقلب بأهلها. يولد الإنسان فيجد أمامه عالمًا لم يختر بداياته، ثم يمضي فيه بين أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وعافية وابتلاءات. وليس كل ما يجري مفهومًا ساعة وقوعه؛ فقد تتأخر معرفة بعض الحقائق، وقد تبقى حوادث لا يدرك الإنسان حكمتها. ومع ذلك، لا تخلو الحياة من فرص للتأمل والمراجعة، ومن أبواب للخير يستطيع المرء أن يطرقها.

وهنا تتجلى القيمة الإنسانية التي أبقت شعر أبي العتاهية حاضرًا بعد قرون من رحيله. فلم يكن سر بقائه أنه أكثر الحديث عن الموت، وإنما أنه التفت إلى الحياة وهي تمضي، وإلى الإنسان وهو يتغير معها. وقد تتعلم النفس من يوم عسير ما لا تتعلمه من أعوام يسيرة، كما قد تفتح لحظة فرح بابًا للشكر لم يكن حاضرًا من قبل.

فليست قيمة الحياة في عدد الأيام التي يعيشها الإنسان وحده، بل فيما يتعلمه من عِبَرها، وما يتركه فيها من خير. وما دامت الأيام لا تكف عن تعليم الإنسان، فالأجدر به ألا يكف عن الاعتبار.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
قراءات

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي إسماعيل نوري الربيعي ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض…

· 11 د