انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

يائير دلال... الفنان الذي ولد خارج بغداد ووصل للعالمية ولا يعرفه العرب

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

6 دقائق للقراءة
38 مشاهدة
يائير دلال... الفنان الذي ولد خارج بغداد ووصل للعالمية ولا يعرفه العرب
مشاركة:

يصعب وضع الموسيقي العراقي العبري يائير دلال في خانة واحدة؛ كونه عازف عود وكمان، وملحن ومغنٍ ومدرس، لكنه قبل ذلك يمكن أن نصفه بأنه من الحاملين المهمين للذاكرة الموسيقية الشرقية ووجد نفسه أحد المسؤولين عن إبقائها حية. ولد سنة 1955 لأسرة يهودية عراقية قدمت من بغداد، غير أن بغداد التي لم يعش طفولته فيها ماتزال حاضرة في موسيقاه إلى يومنا هذا، حمل والداه وجيلهما الكثير من الأغاني والمقامات والذكريات. ومن هذه المسافة بين المكان الموروث والمكان الذي ولد فيه تشكل جانب أساسي من تجربته.
العودة إلى الموسيقى العراقية
بدأ دلال علاقته بالموسيقى طفلًا. كان البيت العراقي يفتح أذنه على أصوات مختلفة،ثم قاده التعليم المنظم إلى الكمان والموسيقى الغربية. درس الكمان منذ سنواته الأولى، وتعرف إلى الموسيقى الكلاسيكية، ثم اتسعت معارفه لتشمل الجاز والموسيقى العربية الكلاسيكية والشعبية. لم يكن العود خياره الأول، لكنه وجده في شبابه أقرب إلى العالم الذي يبحث عنه. كانت هذه الآلة معروفة له من محيط اليهود العراقيين، وحين اتجه إليها في مطلع شبابه تحولت تدريجيًا إلى رفيقة الكمان وإلى إحدى العلامات الأساسية في شخصيته الفنية.
لم تكن العودة إلى الموسيقى العراقية عند يائير دلال عودة متحفية إلى ماضٍ مغلق، ولم يسع إلى إعادة إنتاج ما كان يُعزف قديمًا في بغداد ولم تكن مسألة قص ولصق. كان يريد أن يعرف من أين جاءت تلك الأصوات التي سمعها في محيط أسرته، ثم دفع بها إلى الحاضر. ولهذا أصبحت موسيقاه مساحة يلتقي فيها المقام العراقي بالأغنية اليهودية العربية، والبيوط الديني بالكمان الشرقي، والعود بالجاز، وتجاورت فيها مؤثرات من البلقان والهند مع آلات وإيقاعات الشرق الأوسط.
الصحراء وتراث البدو
شكلت الصحراء ضلعًا آخر في تجربته. عاش دلال وعمل فترة في منطقة البدو والنقب والعربة، لكنه لم يتعامل مع الصحراء باعتبارها منظرًا خارجيًا يصلح للزينة، بل مكانًا ساحرًا وناطقًا ترك أثره العميق في إيقاع موسيقاه وتصوراته للفن. أقام علاقات مع بدو العزازمة منذ شبابه، وتحولت هذه المعرفة الإنسانية إلى تعاون موسيقي. وجاء ألبوم «عزازمة» سنة 1998 ثمرة مهمة بمشاركة موسيقيين بدو، لذلك نجد مفهومه للتوثيق عنده يعني فعل مشاركة وليس تسجيل وحفظ شكل صوت الآخر.
التراث الموسيقي لليهود العراقيين
ظل العراق، مع ذلك، مركزًا عميقًا في مشروعه. وأدرك مبكرًا أن التراث الموسيقي لليهود العراقيين مهدد بفقدان حامليه الأوائل، فكرس جانبًا من نشاطه لحفظه وتعليمه وإعادة تقديمه بطرق إبداعية. المتأمل لأعمال دلال سيلمس أنها تتجاوز حدود تجربته الشخصية؛ فهو يمثل حلقة بين الموسيقيين اليهود الذين عاشوا داخل الثقافة العراقية العربية وبين أجيال ولدت بعد الهجرة ولم تعرف بغداد إلا من الحكايات والتسجيلات القديمة.
وتتضح هذه الوظيفة بصورة خاصة في علاقته باستعادة تراث الأخوين صالح وداود الكويتي. فقد كان من الموسيقيين الذين ساعدوا دودو تاسا عندما عاد إلى إرث جده داود الكويتي وعمه صالح، وهما من كبار صناع الموسيقى العراقية في القرن العشرين. نقل دلال إلى تاسا جانبًا من معرفته بالموسيقى العراقية وشارك بالعود في المشروع.
وتظهر قوة هذه الصلة في الفيلم الوثائقي «عراق أند رول» الذي يتابع رحلة دودو تاسا في البحث عن تراث عائلته. وفي إحدى اللحظات المؤثرة يستمع دلال إلى الموسيقى المستعادة ويتأثر بها بوضوح. لا تبدو اللحظة بأنها مجرد حنين، فهي تختصر مسألة أكبر، فالصوت الذي كاد ينقطع يعود بقوة إلى الحياة على أيدي الأحفاد٠
حضرت موسيقى دلال كذلك في الفيلم الوثائقي «اللاجئون المنسيون» سنة 2005، الذي تناول خروج اليهود من بلدان عربية وإيران. وكان لوجود موسيقاه معنى خاصًا؛ فهو ابن أسرة خرجت من بغداد، لكنه لم يجعل العراق مجرد قصة عن الرحيل. هو واحد من الذين أعادوا العراق معاشًا في الغربة عبر العود والكمان والمقام وتجديد العالم الموسيقي الذي حمله القادمون الأوائل معهم. الفيلم يتحدث عن أماكن تركها جيل الآباء، وموسيقى دلال ورفاقه هي الصوت الحي الذي يتجاوز الوثيقة والصورة القديمة.

يائير دلال... الفنان الذي ولد خارج بغداد ووصل للعالمية ولا يعرفه العرب

الموسيقى: حوار إنساني
ولم يفصل دلال هذا العمل عن فكرة الحوار. فقد شارك طوال مسيرته في لقاءات موسيقية جمعت يهودًا وعربًا وفلسطينيين وموسيقيين من ثقافات أخرى، ومازال إلى اليوم يرى في الموسيقى مجالًا لبناء معرفة متبادلة. . وجاءت مشاريع مثل «قناة موسيقية» و«إن شاء الله سلام» لتؤكد أن فكرة السلام فكرة ونشاط مركزي في مسيرته.
لكن اختزاله في صورة «موسيقي سلام» قد يظلمه فنيًا. فقوة تجربته تأتي أيضًا من كونه لا يبني الحوار على شعارات، ولكنه يرى أن التاريخ الموسيقي المشترك يثبت أن السلام أكبر من السياسة. فعندما يعزف المقام العراقي فهو يذكّر، من دون خطابة، بأن الموسيقى العربية الحديثة شارك في بنائها مسلمون ويهود ومسيحيون، وأن الحدود السياسية اللاحقة لا تستطيع محو هذا التشابك.
أهم الإنجازات
وعلى امتداد مسيرته أصدر خمسة عشر ألبومًا، بدأت مع «سلام: بلوز من الصحراء» سنة 1992، وتتابعت مع «علعول»، و«سمر» للعود المنفرد، و«سيلان»، و«عزازمة»، و«طريق البخور»، و«شحروت»، و«أسمار»، و«إن شاء الله سلام»، و«وأحببت»، وصولًا إلى «باند أورينت» سنة 2021. وتكشف كل هذه الأعمال اتساع اهتماماته بين العراق والصحراء والبيوط والبلوز وموسيقى العالم.
وصل يائير دلال بموسيقاه إلى مسارح ومهرجانات دولية كبيرة، من كارنيغي هول ولينكولن سنتر في نيويورك إلى مهرجانات موسيقى العالم في بلدان متعددة، لكنه ظل متواضعًا ويلبي الدعوة للعزفداخل خيمة بدوية أو مقر جمعية صغيرة. وهذه المفارقة تلخص شيئًا من شخصيته، يمكن القول بعد متابعة الكثير من نشاطه بأننا مع فنان لا يرى تناقضًا بين المنصة الدولية والموسيقى المحلية الصغيرة، وأن قيمة الموسيقى لا تأتي من حجم المكان وكثرة الجمهور أو العائد المادي الكبير.
وإلى جانب العزف والتأليف، مارس التدريس والمحاضرة في مؤسسات تعليمية وجامعات عبرية وأوروبية، وأصبح معلمًا لأجيال من الموسيقيين. وهذه الوظيفة التعليمية مهمة في مشروعه، فهو يعتبرها جزءًا من واجبه لحفظ التراث والذي لا يتحقق بالتوثيق التسجيل وحدهما، وإنما بنقل المعرفة إلى من يستطيعون مواصلة العزف بعد رحيل حامليها.
حب الموسيقى مايزال في عائلته
ومن الأمور الهامة التي سنلاحظها أن حب الموسيقى وصل أيضًا إلى أسرته وتظهر ابنتاه شاني وألما دلال معه في عروض عائلية وفي حفلات أخرى. وتبرز شاني بصورة أوضح كمغنية وكاتبة أغانٍ وملحنة وعازفة بيانو، تميل إلى الأغنية المعاصرة والفولك والبلوز، وأصدرت ألبومها الأول سنة 2021، كما شاركت والدها في عدد من الأعمال والحفلات. أما ألما فتشارك بالغناء وعزف الفيولا. ولا تكرر الابنتان تجربة الأب حرفيًا، وهو أمر يمنح الحكاية معناها؛ فالذاكرة تستمر جيل بعد وتتطور،والمسألة ليست استنساخ.
وفي سنة 2025 احتفى مهرجان العود بمسيرة دلال في حفل «سبعون عامًا على طريق البخور»، شارك فيه عدد من الموسيقيين، بينهم دودو تاسا وحاييم أنكري وشاني وألما دلال وكان الحفل أشبه بخلاصة لمسيرة طويلة من العود والكمان والغناء وكذلك أصدقاء الطريق، الجيل الجديد، واستعادة «طريق البخور» الذي يمكننا أن نجده في موسيقاه أحد الرموز الهامة في عالمه.
نال يائير دلال تقديرًا رسميًا وفنيًا واسعًا. حصل سنة 2021 على جائزة لإنجاز العمر، وكرمه مهرجان العود في القدس، ونال جوائز أخرى، كما حظي بتقدير دولي في مجال الموسيقى الإثنية وموسيقى العالم. لكننا سنلاحظ مفارقة هامة فهذا الاسم وهذه المسيرة يكاد يكون مجهولًا في المجال الثقافي العربي، رغم أن جانبًا أساسيًا من مشروعه قائم على الموسيقى العربية نفسها، وعلى العراق تحديدًا.
ربما تكشف هذه الغيبة مشكلة أوسع من يائير دلال. فالتاريخ السياسي جعل معرفة الفنان ذي الجذور العربية محاطة بحساسيات كثيرة، فضاعت أحيانًا مساحات ثقافية كاملة بين التصنيفات. ويائير دلال حالة تستحق القراءة بعيدًا عن الاحتفاء المجاني أو الخصومة المسبقة. إنه ابن يهود بغداد الذي ولد خارج بغداد، وتعلم الموسيقى الغربية، ثم عاد إلى العود والمقام، وعاش الصحراء، وعزف مع البدو، وساعد جيلًا عراقيًا وعربيُا جديدًا على اكتشاف الموسيقى العراقية، وجعل من التراث مادة للحاضر.
لهذا لا تبدو مسيرته مجرد قصة موسيقي ناجح. إنها قصة ذاكرة عبرت الحدود والأجيال وهولم يوظف نفسه ليحرس الماضي عند بابه، لكنه يفتحه كي يستمر في التنفس.

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:١٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: 
مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي
فنون

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي كنت اشاهد فيديو عن رقصة جماعية تؤديها فرقة زرانيق بيت الفقيه في تهامة اليمن والتي ربطتني بها علاقة جيدة قبل سفري إلى فرنسا. تسمى الرقصة «الحقفة»، وهي واحدة من رقصات تهامية كثيرة تقوم على التماسك بين أجساد الراقصين…

· 6 د
موت القصيدة في جسد الأغنية:

كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟
فنون

موت القصيدة في جسد الأغنية: كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟

الأغنيةُ العربيةُ لم تخلق من فراغ، بل وُلدت من رحمِ القصيدة، حين كان العربيُّ يقولُ «أنشدني شعرًا» لا «ألقِ عليَّ كلامًا». كانت الكلمةُ جسدًا، واللحنُ روحًا، والنهرُ شاهدًا على الحنين. أما اليوم، فقد صارت الأغنيةُ جسدًا بلا روح، ونغمةً بلا كلمة، وصوتًا بلا ذاكرة. النهرُ ينبوعُ الصوتِ والذاكرة على…

· 3 د
لوحة تجليات الداخل للفنانة السورية احلام الجراش
فنون

لوحة تجليات الداخل للفنانة السورية احلام الجراش

تعكس اللوحة حالة من الهشاشة والقوة في آن واحد؛ فالملامح المتموجة والخطوط الحادة توحي بآثار الزمن أو التجارب القاسية التي تصقل الروح، بينما تعبر الإغماضة عن الانكفاء على الذات والهروب نحو الداخل. والألوان المستخدمة في اللوحة البني والبيج وهي الوان ترابية تعكس على الانتماء والارتباط بالأرض والاستقرار…

· 1 د