
في مشهد فني اجتماعي تراجيدي خاص ومتميّز أقام بيت الفن التركي العربي بدعم من رئيسها الاستاذ "متين توران" ومديرها زوجته السورية الفنانة "سلام معاز " بالتعاون مع الجمعية التركية العربية ' المعرض الثاني للمصور الفوتوغرافي السوري"احمد البكار" وهو من مواليد ١٩٦٠ وله اهتماماته الخاصة بالفوتغراف والتوثيق والارشفة مذ كان فتى بعمر ١٥-١٦ سنة . أما سبب خصوصية هذا المعرض أنه تعبير عن حالة إنسانية ربما يمر بها الكثير من الناس من حيث معايشة المكان لفترة لا تقل عن عقد من السنين ، ثم فراقها وفراق كل شئ فيها، بعد ما كانت له متنفساً روحياً ووطناً ملأ عليه كل حياته واهتماماته .. انها مجرد أن تخطر على بال أحد فكرة المغادرة لذلك المكان فهي صدمة روحية بين التوديع والفراق ،فكم منا يستطيع أن يتجاوز هذه الفكرة أو يهرب منها أثناء الوداع .. وقد تكتسب هذه الحالة -الفكرة أهمية إستثنائية اذا ما كان هذا الإنسان المفارق -فناناً ذا حساسية مفرطة ومرهفة المشاعر كالفنان " أحمد البكار " الذي قضى عشر سنوات في إسطنبول إنساناً حاد البصر والبصيرة من خلال عدسته التي وثق فينا الكثير من المشاهد والأمكنة والناس والحالات فكان صديقاً صدوقاً للمهرجانات والمعارض والاحتمالات والمناسبات بمختلف أنماطها مثلما هو حميم للناس المحيطين به أصدقاء وصديقات من الجاليات العربية من مختلف الأوطان فكانت اسطنبول الجميلة كما يعبر عنها "جامعة الشعوب العربية" لما لها من أثر ودي وإنساني كبير في نفوس من يأتي إليها زائراً أو مقيماً فهي التي تحمل إرث العرب والاسلام ' إرث الشرق على مدى قرون .. ثم أخذت تمازج بين القديم والحديث بين التراث الشعبي والحداثة حتى كأنك تجد فيها أصالة الماضي وعراقته إلى أحدث الموضات والتقليعات في كل شيء هندسة وعمراناً وعادات وتقاليداً وأنماط حياة حيث كل شيء فيها جميل مما حدا بأحمد البكار أن يصور حديثها وقديمها..

ومن أكثر اللقطات التي جلبت إهتمامي شخصياً وإهتمام الزائرين هو تركيزه على مساحة صغيرة من جذوع الأشجار بين ٥ ـ١٠ سم فيصورها وكأنه يجد فيها لوحة تجريدية معبرة عن الواقع الإنساني بألمه وافراحه ليطبعها على حجوم مختلفة الابعاد حتى يصل بعضها من ٧٠ - ١٠٠سم .. أنه يجد فيها وجه الإنسان بكل ما فيه من تعابير وملامح وما ينعكس عليها من أحداث جسام في مراحل زمنية مختلفة الأطوار .. ربما كان لماضي الفنان البكار من طفولة ذات بصمات ريفية معتقة في الرقة بسوريا تلك القرية الكبيرة التي غدت إليوم مدينة كبيرة بعشرات الآلاف من ساكنيها قبل أحداث الثورة السورية ..ولطالمها شاهد وصور أسوار اسطنبول البيزنطينية قبل تحريرها الذي يذكره بالسور الأثري لمدينته الأولى الرقة .
فهي قديمة قدم التاريخ العباسي .. مما جعله يشعر انها جزء أو رقعة من اسطنبول .. وبسبب القرار الحاسم الذي اتخذه المصور البكار بعد عشر سنوات حافلة بالذكريات كأنه يتجول في متحف شاسع مفتوح بالهواء الطلق .. وبحبوحة من العيش فيها وبسبب الاستقرار النسبي لبلده الأم سوريا فقد قرر العودة للوطن ومهد طفولته وصباه .. فكان لابد من تجسيد لحظة الوداع خاصة لأسطنبول مع أصدقائه وفاءاً لها و براً بها ' بعدما كانت ولازالت أمانه الدافئ ومتعته الفسيحة وسلامه الوارف له ولأسرته . فكان معرضه هذا ليومين في وقف برليك في اسطنبول من ٢٢ - ٢٣ اغسطس ٢٠٢٦ وضم المعرض ٤٠ لوحة بمختلف الأحجام والمواضيع والعناوين .. فهذا المعرض برأيي مصافحة لأيادي أسطنبول وقبلة على رأسها وجبينها من فنان عربي في مخلص أحبها وعشقها بقلب شاعر وهوى عينيه وتلصلص كامرتة الخفية قبل عودته لوطنه حيث يعود لطفولته ولأول مدرسة وأول حب وأول لقطة صورها وأول مستقر وآخر مفر بإذنه تعالى كما يتمنى كل عائد لوطنه حيث سجل فيها "احمد البكار" كل ما يحمل من شغف لاسطنبول الحسناء الجميلة ، ومنا نحن أصدقاؤه الذين رافقناه في مسيرته ورافقنا هو في نشاطاتنا المشتركة لصنع لحظات وأيام في الفن والأدب والرحلات والمسرات . وإلى جانب الصور واللوحات التي توزعت على جدران وممرات العرض فقد أثرت فينا لوحة سلوكية صنعها الفنان البكار بعفوية بالغة من خلال كلمته المؤثرة التي ألقاها أمام الحضور الكرام أثناء افتتاح معرضه ونحن نستمع بشغف بالغ إليه وقال فيها:

( اسطنبول وداعا..
أنا الذي عثرت على ذاتي في جنباتك. عشت حريتي التي كنت أفتقد وأحلم، في ظلال ربيعك الدائم.
عشرة أعوام من جمال ورُقي غمرتني بها الحياة بأبهى تجلياتها، وقد تفرغت للفن للصورة الطروب في جنائن استوديوهات مشرعة لطبيعة ساحرة تحتضن آيات العمران البديعة من طبقات التاريخ والحضارات المتعاقبة.
في اسطنبول حضر السوريون من أقصى ربوع سورية إلى أقصاها، وربما تواصلوا معاً بهذه الحميمية لأول مرة.
التقى أبناء الوطن العربي من كل قطر. تعارفوا. تآلفوا وكأن حدودا وخلافات سياسية لم تكن.
تشابكت كل شعوب وثقافات العالم في انسجام ومحبة.
في اسطنبول لاعذر لمن لايرتشف الجمال زلالا. لايستنشقه مع كل نفس. لايؤاخي الحياة بكل تجلياتها. يصاحب القطط والكلاب والنوارس والغربان والأشجار والزهور والجداول والأمواج والغيوم.
كما رحلت عن" الرقة" مُرغما ها أنا أُرغم على مغادرة أم المدائن التي أنعشت حياتي، حتى غدت جزءاً مني، وبعضاً منها غدوت.
وكما "الرقة" لم تغادر ذاكرتي رغم فِراق ، لا أظن اسطنبول الرائعة الخالدة تغادر مخيلتي ماحييت.
الأحبّة الأصدقاء الأعزاء في بيت الفن التركي العربي، كم يؤلمني هذا الموقف، وماكنت لأقفه لو كان لي الخيار.جزيل الشكر والتقدير والامتنان للأستاذة سلام معاذ والأستاذ متين توران لتأسيس هذا البيت الذي غدا صرحاً عربياً جامعاً وسط اسطنبول. شكراً لكل جهد بذلا لما يتمتعان به من صدق ومحبة وطيبة، من إخلاص ورقي في التعامل والعمل.
عظيم الشكر لكل فنانة وفنان من مشرق الوطن العربي ومغربه من أسرة هذا البيت العامر فرداً فرداً. شكراً لتعاونكم، لإبداعاتكم ، ولعطائكم الدائم وأنتم تقدموا للعالم صورة ناصعة مُشرّفة عن بلداننا ومجتمعاتنا.
شكراً لكل صديقة وصديق مُحبّ شاركونا اليوم هذا المعرض المتواضع الذي أقدمه تحية محبة وعرفان لاسطنبول جميلة الجميلات التي احتصنتنا بكل حب.. وأرجو أن ينال رضاكم.
اسطنبول.. وداعا. والسلام عليكم .
أما نحن فنقول: لنا في الفنان الصديق أحمد البكار قدوة حسنة راقية تجسدت في كامرته صورة لنا ولاسطنبول ولذكرياتنا الجمعية التي لمتنا طيلة سنوات المهجر في مدينة ينبض قلبها بالحب والحنين كأنها أم تحنو على ابنائها .. ولنا فيك يا أحمد أسوة حسنة لمن يسعى للعيش بكرامة دون إيذاء أحد بل يملأ قلبه حباً وايثاراً ومعاني سامية .. وكفاه فخراً أنه أراد أن يقول في إحدى صوره عن الطيور الطائرة المحلقة في سماء اسطنبول بجامع شيشلي (إرفع رأسك فوق أنت عربي حُر ) ..
وعسى أن نكون حاضرين في معرضك المستقبلي يا عزيزنا أبا وائل بسوريا الحبيبة .. وغداً لناظره قريب.







التعليقات