عاشت أمريكا والعالم انتخابات نصفية فاصلة تسببت في استقطاب غير مسبوق واهتمام إعلامي واسع في انحاء العالم وحيث تشغل تلك الانتخابات على الدوام وعلى شتى المستويات إهتمام ملايين البشر وتتحول إلى مادة إعلامية لا تخلو من الصخب والمفاجآت وأحياناً الفضائح والتنمر ونزعات إزاحة الخصم بأية طريقة ممكنة.
ولطالما عرضت السينما الأمريكية قصص تلك الانتخابات سواء على مستوى الرئاسة أو على مستوى الكونغرس أو انتخابات الولايات أو غيرها وسوف نتذكر هنا أفلاما مثل : ابتدائي -1960، وفيلم ولاية الإتحاد -1948، وفيلم الرجل الأفضل -1964، وفيلم تانر – 1988 وفيلم بوب روبرتس -1982، وفيلم الغرفة الدافئة -1983، وفيلم الألوان الأولى -1998، وفيلم رحلة مع جورج - 2002، وفيلم صراع الشارع -2002، وفيلم أية مدينة أمريكية -2005، وفيلم المترشح- 1972 وفيلم الانتخابات -1999، وأفلام أخرى.
وها نحن مع فيلم للمخرج والممثل "بين أفليك" وهو مشارك أيضاً في الإنتاج وكتابة السيناريو إلى جانب الممثل الكبير "مات ديمون" الذي كان مرشحا لبطولة الفيلم ولكنه اعتذر بسبب تزامن التصوير مع تصوير فيلم الأوديسا، وهو يقدم لنا وقائع من رحلة المرشح " مارك كيمبل"، يؤدي الدور أفليك نفسه، الذي يتنافس على منصب عمدة مدينة لوس انجيلوس وهو يسابق الزمن وشعبيته على المحك والاستطلاعات تظهر تفوق منافسة من أصول لاتينية يقول عنها كيمبل انها متهمة بالرشوة مرات عدة.
سيحضر المال السياسي بقوّة كما هي الحال في جميع الانتخابات الأمريكية، بينما يجب على كيمل ضخ مزيد من الأموال في مغامرة توصله إلى حافّة رهن بيته بسبب ما أنفقه على حملته في وسط ذلك سوف يتم اختطاف إبنه ومطالبته بفدية ضخمة من عدة ملايين من الدولارات، وهكذا تتصاعد أحداث الفيلم على مستويات وخطوط ومسارات سردية ثلاث وهي المرتبطة بالحياة الشخصية، وتلك المرتبطة بالحملة الانتخابية والثالثة بواقعة الإختطاف.
يعمد المخرج إلى مزج أعراق متعددة في الفيلم فالزوجة " أبيغيل- الممثلة "كيري واشنطن" من أصول أفريقية، بينما مربية ابنهما سيسيليا – الممثلة "أدريانا باز" هي من أصول لاتينية ومدير الحملة الانتخابية من أصول أسيوية بينما تدير دايل – الممثلة "جيليان أندرسون" مهمة التفاوض مع الخاطفين، وهي سيدة تتصرف بهدوء تام وحذر شديد وتتفاوض بتمرس لكنها تبتز كيميل بعدة ملايين في مقابل إقراضه مبلغ الفدية.
في المقابل وكخلفية للأحداث سوف تفرض الوقائع أن تكون الشخصيات على المحك وهو ركن مهم وملفت للنظر في سيناريو هذا الفيلم ذلك إذ أبرز أسئلة مريرة لاستكشاف من هم الخاطفون، أهم منافسون سياسيون، أم هم مبتزّون ومجرمون عاديون أم أنّهم نفذوا من خلال شخصيات مقربة من كيمبل وزجته ولهذا صار واجباً على الزوجين كشف المخفي من حياتيهما وشخصيتيهما وهنا سوف يعترف كيمبل بعلاقة ما قبل الزوج انتهت بابتزاز ومن ثم ابتزاز آخر انتهى بترضية من عدة مئات من الاف الدولارات فيما كان في كل مرة يعبر عن كراهية لوالده.

الوجه الآخر الأكثر شناعة في هذه الدراما هي عندما يكتشف كيمبل من خلال محادثات زوجته في هاتفها الشخصي أنها كانت تخفي علاقة مع شخص ما فيما كان الزوج متفرغا للقاء جمهوره والمضي في عمله السياسي وحملته الانتخابية وهنا يقع شرخ الصراع بين الزوجين بينما الوقت محسوب بالدقائق وليس بالساعات لدفع الفدية والتصعيد مستمر والتوتر في أقصاه.
أما في موازاة ذلك فإن مدير الحملة الانتخابية سام- الممثل "ستيفن يون" فإنّه يمضي في كشف ما يجب وما لا يجب على كيمبل كمرشح في وسط منافشة شرسة وكما نشاهد مع عمدة نيويورك الناجح الحالي "زوهران ممداني" فإننا نشاهد نفس يومياته تقريباً في اللقاء بالناس بمختلف شرائحهم وأعراقهم، الحديث الذي لا ينقطع عن الخدمات، النزول الى الطبقات الفقيرة وما تحتاج اليه بينما في السياق تظهر خيم المشردين النائمين في شوارع لوس انجليوس.
حظي الفيلم باهتمام العديد نمن النقاد ومن ذلك ما كتبه الناقد برايان تاليريكو في موقع روجر إيبيرت إذ قال" " لعل أول ما يلفت النظر في هذا الفيلم هو ما قدمه بين أفليك، وهو الحائز على جائزة الأوسكار إذ أظهر قدرةً على سرد قصة فيلمية كلاسيكية محكمة البناء؛ كما أثبت أفليك امتلاكه مهارةً حقيقيةً في التعامل مع الممثلين، وهي سمة شائعة لدى الفنانين الذين ينتقلون من التمثيل إلى الإخراج. لكن من جانب آخر، ربما كان الفيلم سيحظى بتقديرٍ أكبر لو حدث في زمن ماضٍ وتم تصويره في حقبةٍ زمنيةٍ سابقة. ذلك أن ما هو سلبي في هذا الفيلم هو ما يرتبط بالسيناريو والإخراج إذ يبدو أن الفيلم خضع لعمليات إعادة كتابة متكررة، مما أدى إلى فقدانه لعناصر جوهرية مثل الفكرة المحورية، والتركيز، وعمق الشخصيات، والتوتر الدرامي".
أما الناقد "بيت هاموند" فقد كتب في موقع ديدلاين: "إنه فيلم إنساني للغاية، يقدم لنا حملة سياسية متعثرة، وزواج مضطرب، ومشكلات مالية؛ وهو مليء بالمنعطفات والمفاجآت غير المتوقعة التي تتطور باستمرار.
ومن جهة أخرى حاول الفيلم طرح أفكار كثيرة ومتنوعة دفعة واحدة على أمل أن ينجح بعضها. فالحبكة تبدو مشتتة؛ إذ يبدو أنه فيلم إثارة وجريمة يدور حول عملية اختطاف، وهو أيضاً عن مساوئ السياسة وطبيعة الأشخاص الذين يسعون لتولي المناصب القيادية وهو أيضاً عن قضايا العرق والطبقية والصراع بين الأغنياء والفقراء، بينما في الحقيقة هي أن الفيلم يحاول أن يعالج كل ذلك وأكثر، مما يجعل أفليك يبدو وكأنه غير متأكد تماماً من المسار الذي يريد اتخاذه على مستوى النبرة العامة للعمل، بالنسبة لي، بدا لي أنّ الكثير من جوانب العمل مبالغ فيها بشكل مفرط ".
بالطبع يبرر السياق الفيلمي سبب اسم الفيلم " الحيوانات" بأن الشخصيات التي تتصارع في وسط تلك الدراما هي من البشر لكنها في نفس الوقت ليست إلا حيوانات تروي قصصّاً، ومن جانب آخر قدّم الفيلم شخصية المرشّح الطموح الذي يريد أن يقود مدينة هائلة مثل لوس انجيلوس ولكن عينه على الرئاسة وأما الخاطفون الذين اخطأوا في عملية الخطف فاختطفوا الطفل المكسيكي بدل طفل كيميل وبذلك وضعوه على المحك أمام المجتمع اللاتيني في المدينة الذي إن نقم عليه فلسوف يطيح به بسبب قوة الحضور ولهذا تبرز في وسط هذه الدراما إشكاليات مركبة ومعقدة وكلها على خلفية الحملات الانتخابية ومنها الخيانة الزوجية والمال السياسي وقضايا العرق ولون البشرة والعنصرية والهجرة وتفشي الجريمة فضلا عن طموح أفليك كمخرج وهو نقل فيلمه الى التشويق في موازاة روتين الحملات الانتخابية وبهذا كان القسم الأخير هو الانفجار الحقيقي للأحداث من خلال القتال الشرس مع الخاطفين في وسط مجرى مائي ضحل وقعت فيه المواجهات الدامية.
.................
بطاقة الفيلم:
إخراج: بين آفليك
سيناريو: بين آفليك وبيلي راي و كونور مكلينر
إنتاج: مات ديمون وبين أفليك وآخرون
تمثيل: بين آفليك و كيري واشنطن وجيليان أندرسون وأدريانا باز ووراي فيشر ولويس مينديز
مدير التصوير: روبرت ايسويت
موسيقى: هاري ويليامز
العرض الأول: 9 أكتوبر 2026







التعليقات